برفقة وزير الرياضة.. الأمير ويليام يزور المسار الرياضي    ولي عهد بريطانيا الأمير ويليام يغادر الرياض    سعود بن نهار يطّلع على أعمال مراكز الأحياء بالمنطقة ويستقبل مدير فرع وزارة التجارة بالطائف    بمذكرات تفاهم تفوق 60 مليار ريال.. منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص يختتم أعماله    نائب أمير المنطقة الشرقية يستقبل فضيلة الدكتور عبدالإله الملا    وزير الصناعة يبحث مع "إيرباص هليكوبترز" فرص توطين صناعة الطيران وسلاسل إمدادها بالمملكة    النقل العام بالدمام يسجل إنجاز نوعي بنقل 7.5 مليون راكب بنهاية 2025م    ترابط الشرقية تحتفي بسفراء فرع الأحساء    مجلس الوزراء: الاستثمارات في سوريا ستدفع عجلة النمو الاقتصادي    بدء ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 بحضور 25 متحدث من داخل المملكة وخارجها    هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة نجران تفعّل المصليات المتنقلة بمدينة الأمير هذلول بن عبدالعزيز الرياضية    نائب أمير تبوك يستقبل رئيس جمعية "قادر" بالمنطقة    14.1 مليار ريال قيمة التمويلات المضمونة من برنامج "كفالة" خلال عام 2025    محافظ الأحساء يستقبل مدير جوازات المنطقة الشرقية    دوريات الأفواج الأمنية بمنطقة عسير تقبض على شخصين لترويجهما مادة الإمفيتامين المخدر    القيادة الفلسطينية تدعو إلى رفض الإجراءات الإسرائيلية وعدم التعامل معها    النفط يواصل الارتفاع مع تقييم مخاطر الإمدادات في ظل توترات أمريكية إيرانية    بيان مشترك بمناسبة اختتام النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة    إطلاق أضخم مشروع خيري لمرضى الكلى بمكة ب 55 جهازا وقسما خاصا للأطفال    في أمسية امتزج فيها السرد بالروحانيات نادي "مداد" يحتفي برواية «ثلاثية الروح» للدكتور خالد موسى بجازان    رونالدو يعود لتدريبات النصر    القدية للاستثمار تعلن تطوير ميدان سباقات الخيل وانتقال كأس السعودية إليه    «أضواء الخير» تدشن مشروع السلال الرمضانية لتأمين احتياجات الأسر المستفيدة لعام 1447 ه    مساحة إرم ضمن مبادرة الشريك الأدبي .. العلاج بالكتابة مع الدكتورة أزهار الصابوني    البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يبدأ مرحلة جديدة من مشروع توسعة وإعادة تأهيل طريق العبر بمأرب    ولي العهد يستقبل ولي عهد بريطانيا ويصطحبه في جولة بحي الطريف التاريخي في الدرعية    ارتفاع الرقم القياسي للإنتاج الصناعي بنسبة 8.9% في ديسمبر 2025م    السعودية تستضيف اجتماع المدراء السياسيين للتحالف الدولي لهزيمة داعش    وزير الثقافة يعلن اختيار سوريا ضيف شرف معرض الرياض الدولي للكتاب 2026    وزير الحرس الوطني يستقبل وزير الدفاع الوطني لجمهورية كوريا    تطوير برمجيات لتحسين صور الأقمار الاصطناعية    "مسام" ينزع 3.166 لغمًا من الأراضي اليمنية في أسبوع    «الفطرية»: إطلاق 10 آلاف كائن ببرامج إعادة التوطين    250 ملياراً استثمارات النقل واللوجستيات    جدة: إغلاق مواقع عشوائية وإتلاف لحوم فاسدة    في الجولة السابعة لدوري أبطال آسيا للنخبة.. الاتحاد يستضيف الغرافة لإحياء آمال التأهل    تعادل سلبي بين الأهلي والوحدة في نخبة آسيا    في دوري أبطال نخبة آسيا.. الهلال يفقد أول نقطتين أمام شباب الأهلي    السد القطري يضم الهولندي ديلروسون    «الجد فخري» يعيد محمد صبحي لدراما رمضان    «مرايا العلا».. وجهة عالمية للأحداث الدولية    المعنى والهدف    أمير الرياض يرعى انطلاق فعاليات ملتقى القيم الإسلامية    قوة إسرائيلية تعتقل عنصراً بالجماعة الإسلامية في لبنان    «اللي اختشوا ماتوا»    بتوجيه من خالد بن فيصل.. نائب أمير مكة يطلع على جاهزية الجهات لرمضان    المفتي يلتقي مفوضي الإفتاء    ألمحت إلى إمكانية تقديم تنازلات محدودة.. طهران تشير لفرصة تسوية مع واشنطن    «آكلة اللحم» تثير الفزع في تكساس    ترند الماء الساخن.. «فرقعة» من العيار الثقيل    مختص: حبوب التخسيس.. اضطرابات ومخاطر مميتة    مستشفى حوطة بني تميم يسجّل أرقامًا نوعية في خدماته الصحية خلال عام 2025م    جمعية نبأ لتحفيظ القرآن بخميس مشيط تقيم اللقاء السنوي لمعلمي ومشرفي الحلقات    المنتخب السعودي لكرة الهدف يتوَّج بذهبية دورة ألعاب غرب آسيا – مسقط 2026    الفرس البلجيكية «إيرادي» تسجل حضوراً تاريخياً في كأس السعودية    نائب أمير منطقة مكة المكرمة يرأس اجتماعًا للاطلاع على جاهزية الجهات لشهر رمضان    أمير القصيم يرعى حفل تخريج أكثر من 13 ألف طالب وطالبة من جامعة القصيم الثلاثاء القادم    وفد الكشافة يطمئن على القوقاني    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدماغ يتحدى الآلة... في سباق على صفة الأنسي
نشر في الحياة يوم 12 - 10 - 2011

طوال العقدين الماضيين، نظمت سنوياً مسابقة «تست تورينغ» بين بشر وأجهزة كمبيوتر. وجهاز الكمبيوتر الفائز هو الذي يفلح في إقناع أكبر عدد من الحكام – القضاة في المسابقة بأنه كائن بشري. والانسان الفائز هو الذي ينجح في اقناع أكبر عدد من الحكام بأنه كائن بشري. واللقب هذا بالغ الغرابة. وإلى اليوم، فاز البشر بالمسابقة هذه، لكن أثرَ التطور التكنولوجي لا يغير طريقة حياتنا فحسب، بل يثير أسئلة جديدة حول معنى أن نكون بشراً.
ويجتمع سنوياً خبراء الذكاء الاصطناعي لحضور المسابقة هذه وحفلة تسليم جائزة «لوبنر».
ما بين الفكر والآلة
آلان تورينغ، وهو من مؤسسي المعلوماتية، حاول في الخمسينات من القرن المنصرم الجواب على أقدم سؤال يساور علماء المعلوماتية: هل يسع الآلات التفكير، وهل من الممكن صناعة كمبيوتر يبلغ من الدقة مبلغاً يحملنا على حسبان أنه مفكر وذكي وأن قوامه ذات أو نفس؟ وإذا صُنِع مثل هذه الآلة ما السبيل إلى معرفة قدراتها؟ لذا، أعد تورينغ مسابقة: قاض يطرح سلسلة من الأسئلة من طريق جهاز كمبيوتر على مشاركيْن وراء ستارة: أحدهما انسان والثاني برنامج عقل الكتروني. والقاضي يقوّم أيهما الآلة وأيهما الانسان استناداً الى الاجوبة. والحوار مع المشاركين قد يقتصر على الثرثرة أو يتعداها إلى الثقافة العامة واللغو حول المشاهير، والكلام على النظريات الفلسفية والدردشة العادية. وتكهن تورينغ بأن تتمكن الآلة في العام 2000 من خداع 30 في المئة من القضاة وأن تحملهم على الظن أنها انسان، فيلتبس عليهم التمييز بينها وبين الكائن البشري إثر الحوار معهم مدة 5 دقائق. ويومها يسع المرء القول، على زعمه، أن الآلات مفكرة من غير أن يطعن أحد في قوله.
لكن تنبؤ تورينغ لم يصب. وفي 2008 أوشك برنامج كومبيوتر على بلوغ عتبة إقناع 30 في المئة من القضاة بأنه من الإنس. حال دون ذلك فشله في إقناع قاض واحد، وحين بلغني هذا الخبر، قلت لنفسي أن مسابقة 2009 مصيرية. وشعرت أن من واجبي المشاركة فيها للدفاع عن البشر ومرتبة الانسانية.
ساورتني فكرة رومنطيقية: أدافع عن شرف الانسانية كما فعل غاري كاسباروف في مواجهة برنامج «ديب بلو» في لعبة شطرنج في 1996 و1997. وفي المسابقة، يتجاذب القضاة والمتبارون طوال 5 دقائق الحديث، ويتداولون طوال 10 دقائق في قرار مَن الآلة ومَن الإنسان.
وللمشاركة في المسابقة أو الاختبار - الرائز، اتصلت بمنظم المسابقة، هيوغ لوبنر، وأبلغته أنني كاتب في العلوم وفيلسوف أطمح الى حيازة لقب الإنسان الأكثر انسانية (أو انسان غاية في الإنسانية)! وإثر اختياري للمشاركة، عرفني على تعليمات استخدام جهاز المسابقة وكيفية طبع الاجابات. قال لي: «لا شيء أبلغك به، أنت كائن انساني، وما عليك سوى أن تكون نفسك».
الانسان أصل الكومبيوتر
كن نفسك، يا لها من عبارة أو شعار. فهي تفترض أن ثمة غريزة انسانية، وتوحي بأن النزاع محسوم سلفاً. فاخترت ألا آخذ بهذه النصيحة: وأمضيت شهوراً في الإعداد للمسابقة والتحضير والاطلاع على التجارب السابقة.
والحق أن الكمبيوتر كان بشرياً. فمنذ منتصف القرن الثامن عشر حتى مطلع القرن العشرين، أدى موظفون، وشطر راجح منهم نساء، اعمالاً توكل اليوم الى الكمبيوتر. وأنجز هؤلاء الحسابات والتحليلات الرقمية متوسلين بطرق حساب بدائية. وحقق «الكومبيوتر البشري» انجازات كبيرة منها توقع موعد عودة المذنب هالي في 1757 وإثبات نظرية نيوتن عن الجاذبية إلخ... وفي منتصف القرن الواحد والعشرين، وصفت آلة حسابية صغيرة على أنها «مثل الكمبيوتر»، أي نظير الانسان البارع في الحساب. واليوم، في مطلع القرن العشرين، يقال عن عالم الرياضيات أنه «مثل كومبيوتر». وهذا انعطاف غريب، فالبشر اصبحوا يشبهون ما كان يشبهم.
ومنذ فجر التاريخ، يتساءل الفلاسفة وعلماء النفس والحكماء عما يميز الجنس البشري. وبحسب دانيال جيلبيرت، استاذ في هارفرد، يفترض أن يبادر كل عالم نفس الى صوغ عبارة تكمل تلك التي تبدأ ب «الكائن البشري هو حيوان...». واليوم، لم يعد قياس ما هو بشري إلى الحيوانات فحسب، وصارت الآلة مقياساً. وحسبنا في الماضي أن البشر ينفردون دون غيرهم من الكائنات بتوسل اللغة، وأنهم وحدهم من يستخدم الأدوات. واليقين هذا يضعف عاماً بعد عام. وظننا أن البشر وحدهم يجيدون الحساب والرياضيات. واليوم نكاد نعجز عن انجاز معادلة حسابية بسيطة من غير استخدام الكمبيوتر.
ولكن ما هو التفكير إذا ثبت أن الفكر في وسعه الانفصال عن النفس؟ وما هي نواة الانسان؟ وتاريخ القرن الواحد والعشرين هو تاريخ اعادة صوغ تعريف ال «هومو سابيان» في أرض متحركة، وتحديد مكانته أو مرتبته بين الحيوان والآلة، وبين الجسد والرياضيات.
آلة تضاهي معالجاً نفسياً
يوم اقترحت فكرة «تست تورينغ» في 1950 كانت أقرب إلى فرضية منها إلى الواقع: فالتكنولوجيا كانت بعيدة من بلوغ المستوى الانساني. وأول برنامج كمبيوتر لفت الانظار اليه اسمه «إيليزا». وابتكر جوزيف ويزنباوم إيليزا في 1964-1965، وبرمجها لتحاكي شخصية معالج نفساني من أتباع مدرسة الاميركي كارل روجرز: فهي تختار كلمات من أقوال المستخدم وتردها إليه أي تطرحها عليه في صيغة سؤال. وهذا جزء من حوار بين إيليزا وبشري. الشخص يقول أنه تعيس، فتسأله إيليزا وهل تحسب أن مشاركتك في المسابقة تخفف تعاستك. يجيب: أحتاج الى المساعدة. وتقول إيليزا: ماذا يعني لك أن تمد يد المساعدة إليك. ويقول ربما احتاج الى التواصل أكثر مع والدتي. فترد إيليزا بالقول: أخبرني أكثر عن عائلتك».
وأول من دردش مع إيليزا كان على يقين من أنه تبادل أطراف الحديث مع انسان، وأنها محادثة بشرية أو أنسية حقيقية. وبعض الأشخاص لم يصدق أن إيليزا آلة، وطلب التكلم معها و «الانفراد بها» طوال ساعات. وأعلن إثر كلامه معها أنه عاش تجربة علاج نفساني استثنائية وبالغة الأهمية. وتهافت جامعيون على مقابلة إيليزا، ورأوا أنها تذلل مشكلة فهم الكمبيوتر اللغة.
واللافت أن المجتمع العلمي الطبي خلص الى أن ويزنباوم وقع على اختراع بارز. وكتبت صحيفة «جورنال أوف نيرفوس أند مانتل ديسيز» (مجلة الأمراض العصبية والدماغية) في 1996:» يستطيع الكمبيوتر معالجة عدد كبير من المرضى في ساعة واحدة. ولن يحل الجهاز محل المعالج البشري، بل سيعزز قدراته العلاجية».
ونظر ويزنباوم بعين الذعر إلى ما صنعت يداه ومآل الامور وإقبال العلماء على «إيليزا»، فتوقف عن البحث العلمي، وأهمل تطوير برنامج إيليزا وشجع النقاد على إبراز نقاط ضعفه، وطعن في الذكاء الصناعي». لكن المارد خرج من القمقم، ولم تتوقف عجلة تطوير برامج الكمبيوتر التي تحاكي قدرات الانسان. وفي 1991، شاركت سينثيا كلاي، الخبيرة في ادب شيكسبير في مسابقة تورينغ، وخلص ثلاثة حكام إلى أنها آلة، وقالوا «لا أحد يستطيع أن يعرف كل هذه الأمور عن شيكسبير». وشعرت كلاي بالإطراء.
ابتكر جوزيف وينتروب برنامج «تيرابيست 3»، وصاغ نهج المحادثة المتقلبة الأطوار، وفاز بجائزة الكمبيوتر الأكثر إنسانية. فبرنامجه يطلق النكات، ويمازح محدثه، ويؤدي دور المهرج، ويرتكب أخطاء طباعية، وينتقد محدثه قائلاً له أنت سافل أو يطلب منه قول ما هو مهم أو التزام الصمت. فيخال محدثه أنه أمام انسان حقيقي.
ولا شك في أن فوز الكمبيوتر في «تست تورينغ» هو حادثة تاريخية، لكنه لن يكون نهاية المغامرة الإنسانية ولن يؤذن بغلبة الآلة على البشر. وتساءل الفيلسوف الأميركي جون سيرل في 1980: هل تملك الآلة وعياً أو نفساً؟ وهل فوزها يشير الى وجود مثل هذه النفس؟ وطعن كثر في رأي سيرل ان الآلة التي تحاكي القدرات الإنسانية هي ذات مفكرة. ويرى كثر أن المسألة لم تحسم بعد.
* باحث وكاتب، عن «ذي أتلانتيك» الأميركية، 3/2011، إعداد منال نحاس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.