ينتابني التثاؤب في كل مرة اشاهد فيها مقطعاً من مسلسل خليجي، وهذه الأعمال التي بدأنا نلاحظ كثرتها أخيراً، تخرج من عباءة مدرسة درامية تلفزيونية خليجية، تأسست قبل عقد من الزمان لا اعرف من اخترعها، قوامها الإطالة والمبالغة والسطحية الشديدة، وأسلحة الإبهار فيها المباشرة الحادة، ولا بد من ان يغلف هذا كله بلحن حزين، كلماته تحكي قصص الزمان الغادر وتعبّر عن الندم والخيبة، وهو العنوان الرئيسي لمعظم تلك الأعمال"الخايبة". تفترض جل المسلسلات الدرامية الخليجية ان المشاهدين أغبياء، ورحلة الغباء المفترض هذا تبدأ من كاتبة أو كاتب يضع الأحرف الأولى لمشروع عمل يؤسس على فكرة رئيسية في المجتمع"الخليجي"يمكن ان تقال في حدوتة لكنها تحاط بتفاصيل تافهة، ومهمة المخرج هنا ان يضع النقاط على حروف مؤلف العمل لصناعة مسلسل مليء بالإثارة، نسيجها تلك التفاصيل التي تحتل في المساحة والزمن مكان الفكرة الأساسية، والطريف ان المشاهد يكتشف نهاية العمل بعد بدايته بحلقتين، حين تتصاعد الحركة ويحاول الكاتب المتذاكي بمساندة المخرج المتحذلق التمويه والمراوغة، وبعد الوصول الى القمة نستطيع القول بأن ذخيرة المخرج قد نفدت، ومع تدحرج الحركة نحو النهاية يحاول الجميع من فريق فني وممثلين أبطالاً وحتى كومبارس يائسين ان يوصلوا المسلسل لبر الأمان، وأن يحتفظوا بمتابعة المشاهد او حتى ذاكرته، لكنهم يفشلون مع الأغلبية الذين فقدوا الطعم واللون، واشتموا رائحة التقليد والتكرار، وينجحون فقط مع"مشاهدات"يعشقن هذا النوع من دراما الغباء المركب. الغريب ان سوق المسلسلات الخليجية رائجة هذه الأيام، والفضل يرجع لملايين تدفعها المحطات التلفزيونية المتحصلة من دولارات معلنين هم الشركات الكبرى يبحثون عن ارقام عالية للمشاهدة، هذه المشاهدة المضللة في الواقع لا تعكس حقيقة المشاهدين الذين يكتفي معظمهم بعين مشاهدة واحدة ترقب أحداثاً يفترض ان تعبّر عن المجتمع او تناقش قضاياه بأسلوب درامي معبر، وهي تحاول ان تفعل ذلك في الواقع لولا انها تفشل في الخروج في كل مرة من القصور الفارهة والسيارات الفخمة وماركات الشنط العالمية ودموع الأم والأب السكير والابن مدمن المخدرات. تلك هي حكاية تفاهة المسلسلات الخليجية التي لا ينافسها فيها سوى ممثلاتها الخليجيات، فبالنظر الى ندرة المتقدمات لتلك الاعمال بسبب طبيعة المجتمع المحافظ، يضطر المنتجون الى الاستعانة بمن يتوافر بأية مواصفات طالما كان هناك لسان يحكي وقوام يستطيع المشي ويرتدي ملابس مثيرة، وبالنظر الى جميع عناصر العمل المختلة أصلاً لا تمثل تلك المواصفات الناقصة نقطة ضعف للمسلسل بل انها تتماشى مع نسقه العام، اما العملة النادرة التي تجني الذهب فهي الممثلة التي تجيد كل اللهجات. ستستمر المسلسلات الخليجية تعرض تفاهاتها حتى ينقرض آخر مشاهد خليجي غبي يعاني من البدانة التلفزيونية وقلة الحركة والسطحية وضيق الرؤية وضحالة التفكير. [email protected]