بعد أيام من تردد الجيش الإسرائيلي في إخلاء المستوطنين من منزل عائلة الرجبي الفلسطينية في مدينة الخليل المحتلة، أصدر وزير الدفاع إيهود باراك أوامره للجيش ظهر أمس للتحرك لإخلاء المبنى بعدما رفض مئات المتحصنين فيه ومعهم قيادات المستوطنين في الضفة اقتراحه إخلاء المبنى طوعاً إلى حين بت محكمة إسرائيلية في ملكيته. وأجلت قوات الأمن الإسرائيلية بالقوة مئات المستوطنين من المبنى. وأشارت وكالة"فرانس برس"إلى أن أكثر من مئة شرطي ومن عناصر قوة خاصة لمكافحة الإرهاب في حرس الحدود دخلوا المبنى وطردوا المستوطنين واحداً واحداً، واستخدموا قنابل مسيلة للدموع وأخرى دخانية أو صوتية لشل حركة المستوطنين الذين كانوا يرشقون الحجارة. وأفادت حصيلة أولى للمواجهات أن نحو عشرين شخصاً أصيبوا بجروح طفيفة. ورد المستوطنون بأعمال عنف واسعة ضد الفلسطينيين في المدينة وباقي أنحاء الضفة الغربية شملت مهاجمة منازل، وإضرام النار في ممتلكات، وتحطيم السيارات المارة في الشوراع والطرق العامة، وكتابة شعارات معادية للإسلام على المنازل. وطالبت السلطة الفلسطينية إسرائيل بالتحرك لوقف اعتداءات المستوطنين. ووصف رئيس الحكومة الفلسطينية الدكتور سلام فياض اعمال المستوطنين ب"الإرهابية"، مطالباً بوضع حد لها. ورشق مستوطنون غاضبون في وقت لاحق الفلسطينيين بالحجارة، وأطلقوا النار على منازل ما أوقع جريحين. وتظاهر مئات الشبان من اليمين المتطرف عند مدخل القدس وقطعوا طريق تل أبيب، وتسببوا بازدحام سير خانق في حين كانت الشرطة تبذل جهوداً لتفريقهم واعتقلت بعضهم. وهدد ناشطون في حركة"فتح"ب"انتفاضة شعبية"ضد المستوطنين. وقال القيادي في الحركة في القدس حاتم عبدالقادر إن"فتح"ستتحرك للتصدي للمستوطنين في حال عدم وقف الجيش الإسرائيلي اعتداءاته على المواطنين. وتصدرت اعتداءات المستوطنين المتحصنين في المبنى والملثمين على قوات الجيش والشرطة الإسرائيليين وقذفها بالحجارة اهتمامات صناع القرار في الدولة العبرية ووسائل إعلامها. وتجندت كبرى الصحف الإسرائيلية لتوجيه نداء استجداء للمستوطنين، لعدم المساس بأفراد الجيش والشرطة، فيما ذهب بعض المعلقين إلى أبعد من ذلك مشيراً إلى حقيقة أن صمت جيش الاحتلال على الاعتداءات شبه اليومية المتكررة التي ينفذها المستوطنون يومياً على فلسطينيي الخليل والضفة الغربية عموماً، سمحت للمستوطنين برفع أياديهم على الجيش والشرطة. وحذر من أن المستوطنين قد يلجأون إلى الأسلحة الحية لمواجهة إخلائهم. واستنكر مراقبون تردد باراك في إصدار أوامره للجيش بإخلاء المبنى. وكان باراك التقى صباح أمس ثلاثة من غلاة قادة المستوطنين رؤساء حركة"أمناء أرض إسرائيل"وعدداً آخر من قادة المستوطنين وطالبهم بالعمل على إخلاء المبنى طواعية"واحترام سيادة الدولة"وتنفيذ أمر المحكمة العليا في هذا الصدد، قائلاً إنه لن يسمح لجهات متطرفة"بتقويض صلاحيات الدولة ومؤسساتها". ووعدهم بأنه سيعمل بعد تنفيذ طلبه على تسريع الإجراءات القانونية للبت في ملكية المبنى. إلا أن قادة المستوطنين رفضوا الطلب، وطالبوا الوزير بإرجاء إخلاء المستوطنين إلى حين بت المحكمة في الملكية ثم حل المشكلة بالطرق السلمية. وأكد أحدهم، وهو الحاخام موشيه ليفنغر، أن المستوطنين المتحصنين ومؤيديهم يرفضون أي حل وسط. وأضاف أن"مجلس المستوطنات في الضفة الغربية"ليس مخولاً التحدث باسم المستوطنين في الخليل. وكانت المحكمة العليا أصدرت قبل عام أمراً بإخلاء المبنى الذي احتله مستوطنون في آذار مارس من العام الماضي، خلال ثلاثة أيام، على أن تبت المحكمة المركزية في ادعاء المستوطنين بأنهم أصحاب المبنى وأنهم اشتروه من سمسار أراض. وندد أركان الدولة العبرية، بينهم أقطاب في اليمين المتشدد، بعنف المستوطنين تجاه أفراد الشرطة والجيش، بينما أعرب باراك عن قلقه من أن تنتشر أعمال الشغب في أنحاء المستوطنات اليهودية في الضفة. وكشفت صحيفة"هآرتس"أمس أن مسؤولاً كبيراً في الجيش الإسرائيلي حذر رؤساءه قبل أكثر من عام، من احتمال تصعيد المستوطنين المتطرفين احتجاجاتهم ضد الجيش الإسرائيلي، مشيراً إلى أن غلاة المستوطنين باتوا القيادة الفعلية لعموم المستوطنين، لا"مجلس المستوطنات". ولفت الضابط إلى"احتقان الغضب لدى المستوطنين في ظل الفراغ القيادي الناشئ في مستوطنات الضفة الغربية، على نحو يؤدي إلى دخول متطرفين يشجعون على العنف". وحذر من مواجهات صعبة وأكثر تعقيداً ستقع بين المستوطنين والجيش في المستقبل. وندد رئيس الحكومة المستقيل إيهود أولمرت بتصاعد عنف المستوطنين، خصوصاً ضد قوات الأمن الإسرائيلية في الخليل. وقال إن"ثمة ظواهر لا نقبل بها"، ويجب أولاً احترام قرار المحكمة العليا، رغم أن النقاش حول"أرض إسرائيل". وأضاف:"أنا أيضاً أحب الخليل اليهودية وأحترم من يحبها وسكانها المستوطنين اليهود ومن يحافظ عليها، لكن بعد أن قررت محكمة العدل العليا إخلاء المبنى المتنازع عليه يجب تنفيذ القرار. ولن أسمح بأن يرفع أحد يده على الديموقراطية الإسرائيلية". وتابع أن"السكان الفلسطينيين هم بشر مثلنا ويملكون حقاً وتراثاً وهم أصحاب أملاك تحتاج إلى حماية أمام عنف المنفلتين والمحرضين". ودعا زعيم"ليكود"اليميني بنيامين نتانياهو إلى التعامل بيد من حديد ضد من يخرقون القانون والنظام العام من المستوطنين. وتجاهل الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز اعتداءات المستوطنين المتكررة على الفلسطينيين في الخليل وغيرها من المدن الفلسطينية المحتلة، لكنه ندد باعتداءاتهم على أفراد الجيش، معتبراً أن من يلقي حجراً على جندي"كأنه ألقى حجراً على دولة إسرائيل وأصاب رأسها وقلبها، لذلك يجب وقف ذلك فوراً". وانتقد المعلق في الشؤون القانونية في صحيفة"يديعوت أحرنوت"بوعز اوكون سلوك الجيش والشرطة تجاه المستوطنين الذين يخرقون القانون. وكتب أن مظاهر الاعتداء على أفراد الشرطة والجيش لا يجب أن تفاجئ أحداً، أو أن يدعي أحد من المسؤولين أنه تفاجأ بها، مشيراً إلى عدم تحرك الجيش ضد من يستولي على أملاك الفلسطينيين وإلى أن المستوطنين ما عادوا يأبهون بتحقير المحكمة وعدم احترام النظام العام والدولة. وأضاف أنه بدل أن يقوم الجيش بفرض تطبيق قرار المحكمة واحترام القانون وإخلاء الغزاة، يبحث المسؤولون عن كيفية إيجاد"حلول وسط"و"قواعد لعبة"مع من يخرق القانون"من منطلق أن العرب فقط يفهمون لغة القوة، وضدهم يمكن فتح النيران الحية كما حصل عندما تظاهروا في تشرين الأول أكتوبر 2000، بينما مع اليهود يجب التعامل بالحسنى لأننا نفهم لغات أخرى تتيح لنا أن نفعل ما نريد في أملاك ليست لنا". نشر في العدد: 16681 ت.م: 05-12-2008 ص: 11 ط: الرياض