في الأعوام القليلة الماضية، تصاعدت الأرقام في كرة القدم الخليجية بطريقة جنونية. نجوم تُقاس قيمتهم بالملايين سنوياً. انتقالات شكّلت عناوين صحف أوروبا، وبطولات محلية تحوّلت فجأة إلى وجهة عالمية، غير أن هناك دولًا أخرى لم تتأثر بذلك البريق كثيراً، وتعمل بفكر مختلف تماماً، وهنا يكمن مكمن الخلل، الذي لا يريد أحد الاعتراف به، وهو أن التخطيط السليم والبعيد المدى لا يُشترى؛ حيث لا يمكنك شراء مدرسة كروية راسخة بين عشية وضحاها، ولا يمكنك شراء موروث تراكم عقوداً. (ماتشيدا زيلفيا) الحصان الأسود الذي أسقط الاتحاد على أرضه، وسيلتقي في نصف النهائي (شباب الأهلي دبي الإماراتي أوبوريرام يونايتد التايلندي). كذلك فريق فيسيل كوبي، الذي تخطّى- بدوره- السد بعد إقصائه للهلال المرشح الأول للبطولة مثال على معادلة واحدة تقول: الأندية اليابانية، تفكّر وتمشي وتلعب بطريقة مختلفة، وهنا نطرح السؤال الذي يُهمَّش لماذا يؤدّي ناد ياباني صعد للتوّ من الدرجة الثانية أداءً أكثر انسجاماً واتساقاً من أندية تمتلك أفضل لاعبي العالم؟ الإجابة تكمن في الاستمرارية؛ فالأندية اليابانية، وكذلك الكورية الجنوبية تبني على خطط متعددة السنوات، ومدرّبوها يعملون ثلاث وأربع سنوات في الغالب، وأكاديمياتها تُغذّي الفريق الأول بطريقة منهجية، ولاعبوها يفهمون أدوارهم بدقة، لا يمكن للمال وحده أن يصنعها في موسم أو موسمين ، وفي المقابل، أنديتنا تُغيّر مدرّبها كما تُغيّر قميصها ، والتعاقدات تأتي وتذهب من دون منطق يربطها، والإدارات ينتهي عملها بانتهاء دورتها، من دون أن تترك خارطة طريق لمن يأتي بعدها للسير عليها، والحقيقة أن المال يستقطب النجوم، لكن الاستمرارية وحدها تبني الأبطال . ذلك لا يعني أن الإنفاق أمر خاطئ، ولكنه من دون بنية تحتية فكرية وتدريبية ومنهجية راسخة؛ هو رفاهية مُكلفة لا أكثر ، فحين يدخل فريق الملعب، ويمتلك وحدة جماعية ووضوحاً تكتيكياً، فإنه لا يخشى النجوم على الإطلاق. بل إن النجوم أنفسهم يضيعون في غياب الهيكل الصحيح. في النهاية، سيمرّ هذا الموسم كما مرّت مواسم قبله، حيث ستُقدَّم التقارير وتُرتفع الأصوات وتُكتب المقالات، ولكن السؤال الجوهري يبقى: هل نحن مستعدون لمراجعة صادقة تتجاوز ميزانيات الصفقات، ومن تلقى دعماً اكثر من الآخر، وتصل إلى أعماق الأكاديميات والمدرّبين والفلسفة الكروية؟ أم أن الجواب سيكون كالعادة: نجم جديد في الصيف؟ إن الكرة اليابانية التي نضرب بها المثال؛ مسؤولين وإعلاميين وجماهير الى حد التناقض، بُنيت بالتدرّج والصبر والمنهجية، واليوم تحصد ما زرعته فيما انصبّ التركيز لدى غيرها على صفحة الانتقالات أكثر من صفحة الأكاديميات.