شتان ما بين رد فعل أُم عَزة، حين سئلت عن موقفها من"طهارة"البنات وبين صدمتها من مجرد طرح السؤال قبل نحو خمس سنوات. ثمة بقايا شجب ورواسب إدانة واضحة في عينيها، ولكنها قالت:"آه تقصدين الختان؟! أنا عملت إللي عليّ وطهَّرت عزة. كونها هي ماشية مع الموضة وبتقول إن بناتها مش هيتختنوا، هذا شيء لا يخصني". أم عزة التي شارفت على الستين تنتمي إلى جيل سيدات مصريات كن يعتبرن الختان مثل الأكل والشرب والنوم. وعلى رغم أنها أقامت لابنتها يوم خضوعها للعملية على يد ممرض يقطن الحي ذاته حفلة كبيرة، منذ أكثر من 25 سنة، تؤكّد عزّة التي أصبحت أماً أن بنتيها لن تخضعا للجراحة"البشعة". ورغم ضغوط أهل زوجها، تبقى مصممة على المضي قدماً في حمايتهما من الختان. إلاّ أن الختان في مصر، أو"تشويه الأعضاء التناسلية"، كما بات يشار إليه دولياً في السنوات الأخيرة، أبعد ما يكون عن دخول فصله الأخير، فما زالت هذه العادة منتشرة بين المصريات، مسيحيات ومسلمات. واكتفاء أم عزة بامتعاضها من إفلات حفيدتيها من الختان، واستخدامها كلمة"ختان"بدلاً من"الطهور"أو"الطهارة"، هو"إنجاز"نجحت مصر في تحقيقه، خلال الأعوام الخمسة الماضية. وشهدت القاهرة قبل أيام اعترافاً دولياً بهذه النقلة الحضارية التي جسّدتها أم عزة، من دون أن تدري! و"مؤتمر إعلان القاهرة +5 للتشريع وختان الإناث"الذي عُقد بالتعاون مع مؤسسة"لا سلام من دون عدل"الإيطالية، كان متابعة لنتائج"المؤتمر العربي الإفريقي للتشريع وختان الإناث"في حزيران يونيو 2003. وبين المؤتمرين شوط طويل تخللته تجارب مفيدة وجريئة. رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة، السيدة سوزان مبارك، أشارت إلى تدني ختان الإناث بفضل جهود السنوات الخمس الماضية، كما تؤكده نتائج البحث الذي اجرته"وزارة الصحة والسكان"العام الماضي، لفئة فتيات المدارس بين العاشرة والثامنة عشرة، إذ انخفضت النسبة إلى النصف. في المدارس الحضرية نسبة الفتيات المختنات 43 في المئة، وفي المدارس الريفية 62.7 في المئة، وفي المدارس الحضرية الخاصة 9.2 في المئة. و"الحرب"على الختان في مصر ليست وليدة الأمس، وإن كانت ملامحها لم تتضح إلا خلال السنوات الأخيرة التي شهدت وضع استراتيجية متكاملة، بفضل تعاون الحكومة والإعلام والمجتمع المدني. وبدأ التنفيد ببناء تجربة قاعدية لمناهضة الختان في الأرياف المصرية حيث تنتشر الظاهرة في شكل واضح، من خلال شراكة رسمية وأهلية. وشيئاً فشيئاً تكوّن رأي عام مناهض للختان، ثم نشأت حركة مجتمعية واسعة تهدف إلى إصدار تشريع يجرمه، فبعض الأطباء المصريين يمارسونه لقناعتهم بإنه واجب ديني، وإغفالهم عن الأضرار التي يخلفها. وتزامنت هذه الاستراتيجية مع حادثة بشعة وقعت في حزيران يوينو 2007، ساعدت على كسر الصمت المزمن. الأمين العام للمجلس القومي للطفولة والأمومة، السفيرة مشيرة خطاب، صرحّت، آنذاك، بأن مقتل بدور 12 سنة أثناء خضوعها للختان على يد"طبيبة"، حرك المياه الراكدة. وأذاع التلفزيون المصري إعلانات لوقف الختان بصوتي الفنانين محمود ياسين ومنى زكي، واستُحدث خط"نجدة الطفل 16000"الذي يرد على الاستفسارات ويتلقى البلاغات مع ضمان السرية والحماية. وفي الوقت ذاته، أصدر مفتي الديار المصرية علي جمعة، فتوى جريئة:"عادة الختان الضارة التي تمارس في مصر في عصرنا حرام". وتكللت جهود المناهضة بموافقة مجلس الشعب البرلمان المصري في حزيران يونيو الماضي على قانون يجرّم ختان الفتيات، من منظور حقوقي. وأعلنت عشرات القرى نفسها"خالية من الختان"، وكان لموفقها أثر كبير في أن يعيد مصريون كثر النظر والتفكير في الختان. سفير الاتحاد الأوروبي في القاهرة، كلاوس إيبرمان، يشير إلى أن"الحرب"على الختان في مصر كانت مكلفة اقتصادياً واجتماعياً، فضلاً عن أنها مسألة حساسة جداً. وهو يعتبر 2007 - 2008 نقطة تحول في هذه الحرب، بفضل تضافر الجهود الأيلة إلى الحفاظ على حقوق الفتيات في مصر. واتخذ الختان طابعاً دولياً، في عصر العولمة، بنجاحه في أن يكون ظاهرة عابرة للقارات. المدير العام للمكتب الإيطالي للتنمية، إيليزابيتا بيلوني، تلفت إلى أن الختان لم يعد مشكلة قرية أو مدينة أو دولة أو حتى إقليم، بعدما ساهمت العولمة في تحويله ظاهرة دولية. وهو ما أشارت إليه نائب رئيس مجلس الشيوخ الإيطالي ورئيس منظمة"لا سلام من دون عدل"، إيما بونينو، حين أفادت بأن الختان وصل إلى دول الاتحاد الأوروبي، من خلال جاليات مهاجرة يصر بعض أفرادها على نقل عاداتهم. وظهر ختان الفتيات في الغرب أوائل تسعينات القرن الماضي مع مهاجرين صوماليين إلى هولندا. حق الفتاة المصرية في عيش حياتها من دون تشويه جسمها ما زال في طور التكوين، ولكن محاربة العادات والتقاليد، لا سيما تلك المتجذّرة في المجتمعات على مدى آلاف السنين ليست أمراً يسيراً. وعدا عن اعتباره طهارة ونظافة، تؤكّد فتيات خضعن له أن الألم الذي شعرن به الفتاة أثناء الجراحة، سواء أكانت على يد داية قابلة أم حلاق أم طبيب، ما هو إلاّ لتذكيرهن دائماً بأن يبقين منضبطات في سلوكهن. وفي مجتمع ما زال يعتبر أن قاطرة الشرف تبدأ وتنتهي عند الأعضاء التناسلية للمرأة، يبقى حق الأنثى في جسد غير مشوه أو مبتور أمراً عسيراً، ولكنه ليس مستحيلاً، بحسب النتائج الأولية في مصر. نشر في العدد: 16694 ت.م: 18-12-2008 ص: 23 ط: الرياض