السعودية في وجدان كل يمني    ولي العهد والمستشار الألماني يبحثان الأحداث الإقليمية    هاتفياً... فيصل بن فرحان ووزير خارجية إيران يبحثان أمن المنطقة    عسى أموركم تمام والزوار مرتاحين    اللسانيات الأمنية قوة الردع الإستراتيجي لتفكيك الإرجاف    الكشف المبكر يرصد 5 حالات سرطان    الذهب يهبط وسط تقييم للتطورات الجيوسياسية    أمير القصيم يدشّن بطولة آسيا للدراجات على الطريق بمشاركة (700) درّاج من دول القارة    أمير منطقة جازان وسمو نائبه يعزّيان عريفة قبيلة السادة النعامية بالعالية في وفاة والدته    ترمب: على مرشد إيران أن يشعر بالقلق    النفط يقفز 3% بعد تقارير عن انهيار المفاوضات بين أميركا وإيران    النصر يعاود تدريباته بمشاركة رونالدو والحمدان    المنتدى السعودي للإعلام يختتم أعماله في الرياض بأرقام ومبادرات تعكس اتساع تأثيره    هل التوتر طبيعة أم مشكلة نفسية    نائب أمير منطقة مكة يطلع على جهود فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة    ضبط مخالفين قطعا أشجارا بتبوك    روبن نيفيز يعتذر لجماهير الهلال لأنه تأخر في التجديد    أمين منطقة تبوك يطلق أعمال فريق منظومة الطوارئ والأزمات التطوعي    مهرجان "فنجان الخير" في نسخته العاشرة يجمع ثقافات العالم لدعم تمكين الأجيال بجدة    "التحالف الإسلامي" يستقبل وفدًا من رئاسة أركان قوات السلطان المسلحة بعُمان    أمير الحدود الشمالية يستقبل قائد حرس الحدود ومدير إدارة مكافحة المخدرات بالمنطقة    أمير القصيم يدشن جائزة فيصل بن مشعل للتوطين    سلمان للإغاثة يوزع 866 قسيمة شرائية في محافظات اللاذقية ودرعا وإدلب بسوريا    محافظ الأحساء يطلق مهرجان "ليالي القيصرية 2026"    جامعة الملك سعود تنظم ملتقى الأوقاف والتعليم    أمير الشرقية يستقبل وزير التعليم ويدشّن ويضع حجر الأساس ل321 مشروعًا تعليميًا    20 ساعة تعليم طبي و25 جلسة علمية في ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026    صندوق تنمية الموارد البشرية: توظيف 562 ألف مواطن ومواطنة في 2025    السعودية وتركيا تؤكدان تعميق الشراكة الاستراتيجية وتوسيع التعاون الاقتصادي    الحُمدي يشكر القيادة بمناسبة ترقيته للمرتبة الرابعة عشرة بالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء    11 فبراير: إطلاق النسخة ال 35 من معرض ريستاتكس الرياض العقاري 2026    الرياض تستضيف بعد غدٍ المؤتمر الدولي ال37 للجمعية السعودية لطب الأسنان    نادي ثقات الثقافي والشريك الأدبي يقدمون أمسية "رمزيات الأدب العربي في الخيل"    تعزيز تجربة زائرات المسجد الحرام    شراكة تنموية ودعوية بين «قرة» وجمعية الدعوة بشقراء    يوم عمل أمير القصيم في مركز قبة    «إسرائيل» سمحت بسفر خمسة مرضى فقط من أصل 50 عبر معبر رفح    سفراء يناقشون دور الإعلام في صناعة دبلوماسية التأثير    كريستيانو رونالدو يعود لتدريبات النصر    افتتح المنتدى السعودي – التركي..الفالح: مليارا دولار استثمارات تركية مباشرة في المملكة    تحت رعاية الأمير عبدالعزيز بن سعود.. مدير الأمن العام يشهد تخريج الدورة التأهيلية للفرد الأساسي للمجندات الدفعة ال (8) بمعهد التدريب النسوي    اللواء الركن ساهر الحربي يرأس الاجتماع السنوي الخامس لقيادات القوات الخاصة للأمن البيئي بمنطقة حائل    من عوائق القراءة (2)    أكد الاستجابة لدعوات السلام.. البرهان: الجيش السوداني يفك حصار كادوقلي ويتقدم نحو دارفور    المعلم المميز    أفعى تقتل أشهر مطربة في نيجيريا    «الشورى» يناقش تطوير الجامعات    أكدت على حصر السلاح.. حكومة لبنان تدعو حزب الله للتعقل    القادسية يعبر الخليج في ديربي الشرقية    مختص: سماعات البلوتوث لا تسبب أمراض القلب    أنماط مستخدمي الذكاء الاصطناعي    علامات الفاسد إداريًا والقضية 11    البصيلي مفوضًا للإفتاء بمنطقتي عسير وجازان    دراسة: 40% من حالات السرطان في العالم كان يمكن الوقاية منها    نائب أمير جازان يعزي شيخ شمل السادة الخلاوية وتوابعها في وفاة والده    مجلس الوزراء يوافق على السياسة الوطنية للغة العربية    مستشفى الملك خالد بالخرج يقدّم أكثر من 2.7 مليون خدمة صحية    المملكة تعزي شعب الكونغو جراء انهيار منجم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العامل الانساني شرط للتعايش بين الشرق والغرب
نشر في الحياة يوم 02 - 04 - 2008

أحياناً يجرى التهوين من شأن التوترات الجارية بين الثقافات في منطقة البحر المتوسط الكبرى فينظر اليها على انها أحداث مؤسفة، يجرى في أحيان أخرى تهويلها فيتم إرجاعها الى مواقف فكرية لا سبيل الى التوفيق بينها. ويرجع الاختلاف، الذي يؤدي الى التهوين أو التهويل، الى وجود أحكام مسبقة من عدمه. فالأحكام المسبقة هي التي تشوه صورة الظواهر الاجتماعية في المجتمعات الحديثة وتسيء فهمها. وفي التصور الجمعي من الممكن أن تنحصر جريمة ما في مرض فردي أو ان تشمل ايديولوجية اجتماعية، تبعاً لهوية مقترفها الثقافية. ومن الممكن ان يعتبر حكم سيئ الصوغ، تطاولاً أو أن يفهم على انه تعبير غير موفق، تبعاً لمن ينطق به.
ولكن ما يجعل الحكم المسبق مقلقاً أشد القلق هو انه لا يقتصر على العلاقات الاجتماعية أو على العلاقات بين الأشخاص فقط، وإنما يمتد أثره الى التحليلات ذات الأهمية الدولية. ويمكن في الواقع ان نفهم ان يكون وراء توتر من التوترات أو أزمة من الأزمات دافع اقتصادي أو سياسي أو ايديولوجي.
ومن الواضح انه يمكن احتواء الأزمة بيسر ويمكن بالتالي حلها متى كانت أزمة اقتصادية أو سياسية ومهما كانت عميقة أو خطيرة. أما اذا كان من المعتقد ان الأزمة أزمة إيديولوجية، أي انها ترجع الى تصادم القيم، فإنها تكون عرضة للاتساع ولعدم القدرة على إدارتها. وفي الماضي كانت الايديولوجيات تؤدي الى الشمولية والى اقامة نظم استبدادية لا ترحب بقيم تعدها غير متساوقة مع الايديولوجية التي تبنتها.
وفي العام 1950 لاحظ باحث أكاديمي أميركي بارز، هو كلارك كبلر، أن العالم صار فريسة لحرب ايديولوجية، وهي حرب مثلت الحرب العالمية الثانية مرحلتها الأولية فقط. وفي الفترة الأخيرة ازداد معدل الصراعات العالمية ومثل ذلك اللجوء الى الإرهاب والى قلب النظام العالمي من طريق العنف. ومع هذا فللإيديولوجية وجه أكثر غموضاً، ومن الصعب ان نتكهن بالأهداف التي تسعى لتحقيقها، أي ان نتعرف على مشروعها السياسي، أما ما يظهر بوضوح فهو اننا نواجه صداماً بين منظومات من القيم.
وبناء على هذا لم تكن فكرة صراع الحضارات التي صاغها باحث اميركي آخر هو صمويل هنتنغتون بعد كبلر بعقود عدة، برقاً في سماء صافية. ففي الماضي كانت الايديولوجيات حقيقة تتعلق وبصورة بالغة بالفلسفة السياسية، أي بغلبة نظريات الاشتراكية او التنمية الرأسمالية، أي النظريات الليبرالية - الديموقراطية. واليوم، وبعد سقوط ايديولوجية الشيوعية وبعد ادانة الايديولوجية النازية إدانة تاريخية، يبدو ان العالم لم يكتسب بعد مناعة ضد مخاطر الايديولوجية.
وقد نبه كبلر الى ان الكفاح ضد الشمولية كان يبدو صعباً الى أقصى الحدود، لكنه كان يتميز بأنه قادر، من دون خطأ، على تحديد هوية معتنقي القيم المتصارعة. فكان واضحاً من هم مؤيدو كل قوى من القوى.
ويوضح كبلر ان قيم مؤيدي الشمولية كانت واضحة وضوحاً كبيراً. وهي على سبيل المثل التميّز العرقي، والتعصب القومي، والايديولوجية الماركسية - اللينينية، وغيرها. لكنه يتساءل عما اذا كان من الممكن في المستقبل ألا تكون مهمة تحديد بؤر الايديولوجيات التي يجب مكافحتها وحصارها وإخمادها موضع خلاف.
ومن الواضح انه لا يمكن أحداً ان يقبل اليوم حتمية صدام الحضارات، ومع هذا فلا يبدو ان الأحكام المسبقة ذات الأصل الايديولوجي في طريقها الى الزوال، بل انها تأخذ أبعاداً أكبر.
ولهذا يجب العمل، ولكن كيف؟ وفي أي اتجاه؟ والمشكلة في رأيي ليست في تقويم هنتنغتون المثير للقلق، ولكنها في إزالة الأحكام المسبقة ذات الأصل الثقافي من الواقع الدولي، التي يعتبرها عاملاً من عوامل الصدام. ولا يمكن بالتأكيد إثبات عدم صحة مقولة هنتنغتون بأن نزيل الأحكام المسبقة باستخدام مراسم الحوار، وهذا على الأقل طالما ظل الحوار عقيماً وبلا أثر حقيقي، كما يحصل مع محاولات الفهم السائدة اليوم.
حقاً، لا يبدو ان أحداً لديه الحل الناجح، ولكن الخبرة التاريخية تبين ماهية الحلول الخاطئة التي لا تجدِِ نفعاً أو التي كان لها تأثير الغفل فقط. لقد غاب عن الحوار حتى الآن عامل الانسانيات، وهو الوحيد القادر على تشجيع التعايش بين الثقافات، ذلك التعايش الذي يشبه إعلاناً بالهدنة، بل وعلى تصالحها من طريق التبادل بينها، ذلك التبادل الذي أفرز في العصور الوسطى عصر المعرفة وعصر نهضة الحضارة.
لكن عامل الانسانيات يتطلب مسالك صعبة ووعياً بحدود الانسان. وهي حدود لا يمكن تخفيفها إلا بالتضامن الحقيقي من أجل مصلحة البشرية وخيرها. فالمعرفة، إضافة الى الإيمان، هي التي تضيء بنورها حياة الانسان الأرضي وتقوده الى انجاز الأعمال الصالحة لنفسه ولأحبائه وللجماعة التي يعيش فيها ولخير العالم المشترك. ولا مجال في هذا العمل الضخم الشاق لصدام الحضارات أو للصراعات الدينية، وإلا فلن ينجو أحد من الصدام.
لعل العودة الى الروح الأصلية للحركة الانسانية تسمح بتكامل معارف أو قيم كل ثقافة من الثقافات لمصلحة الانسان، وذلك بأن تتخطى حدود النماذج والمسميات الخادعة مثل"الاستشراق"وپ"الاستغراب"، والاسلام المعتدل، والعلمانية الروحية، وبأن تتحاشى دمغ دين أو ثقافة بالعنف والارهاب. ولعلها ستسمح بادئ ذي بدء، بأن تظهر ان الديموقراطية كائنة في الثقافات كلها، وان التنوع الديموقراطي هو انعكاس للتنوع الثقافي وعندها سنندهش حينما نكتشف ان الأدوات اللازمة لتناول الانسانيات ليست"شرقية"أو"غربية"، ولكنها تنتمي الى واقع مشترك نجهله نحن لأننا مصابون بخلل في الرؤية نتيجة للأحكام المسبقة. فالغرب أيضاً ومن خلال أدوات النقد الأدبي وفيلولوجيا تأويل النصوص يعلن"اجتهاده"وپ"تأويله"وپ"تفسيره". ولا يستحق الحوار الثناء عندما يمارس ممارسة شكلية ولكنه يستحق النقد لقصر نظره، ويجب ان نلجأ الى المشاركة مع احترام العقائد التي لا مس بها.
ويبقى الإيمان دعامة أساسية حتى تستعيد مجتمعات منطقة البحر المتوسط الكبرى روحانية أعمق، وهي روحانية ضرورية لاحتواء الآثار غير المرغوب فيها والناجمة عن عولمة تصير يوماً بعد يوم بلا قواعد أو بلا أخلاق.
سفير إيطاليا في القاهرة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.