غريب أسلوب الرئاسة اللبنانية في توزيع الانتقادات للرئيس الفرنسي جاك شيراك وسفيره في لبنان واتهامهما بالتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية. ومرة اخرى، يظهر مثل هذا النهج للأسرة الدولية ان صاحبه ليس في مستوى المنصب عبر تبنيه مثل هذه الأساليب. فالرئيس اللبناني يتعرض لضغط داخلي هائل من القوى الموجودة على الأرض، من غالبية"14 آذار"الى البطريرك الماروني نصر الله صفير، وحتى العماد ميشال عون ونواب آخرين. وهؤلاء جميعاً مقتنعون بضرورة تغيير الرئيس اللبناني. اما الأسلوب الغريب للرئيس اللبناني في تحويل هذه الضغوط انتقادات لنظيره الفرنسي فقد يكون بإيحاء من الخارج. ولكن الرئاسة الفرنسية تجاهلته، لأنها لا تريد الخوض في جدل ليس من مستواها. فاكتفت وزارة الخارجية الفرنسية بتوضيح الموقف الفرنسي المبني على القرار 1559 ولم تخض في جدل نيابة عن الرئاسة الفرنسية الأولى لأن ذلك ليس من مستوى دول كبرى ورؤسائها. وقد يُقرأ هذا النهج الرئاسي اللبناني بأنه تهجم من مسؤول يتخبط في ضغوط داخلية هائلة لإجباره على المغادرة، لكن لديه في الوقت نفسه تعليمات خارجية بالصمود والبقاء في مكانه، مما يجعل موقعه اكثر تعقيداً. وقد يكون بعض اوساط الرئيس اللبناني لاحظ انه اخطأ وذهب بعيداً في توزيع مثل هذه الاتهامات مما ادى الى تصحيح في اليوم التالي للبيان الأول في مدح الشعب الفرنسي وفرنسا وتجديد الرفض للرئيس الفرنسي. واثار هذا النهج استغراب اكثر من مسؤول عربي، اضافة الى ان المسؤولين عن الملف اللبناني في الأسرة الدولية استاؤوا من مثل هذه الممارسة. ومما لا شك فيه ان ذلك لن يعزز موقع الرئيس اميل لحود دولياً ولا عربياً. فاستراتيجية الرئيس اللبناني في تحويل الهجوم عليه الى امور خاصة وشخصية غير مجدية بل بالعكس وفرنسا كانت دائماً حريصة في تحركها بالنسبة الى لبنان وسورية ألا تتحرك وحدها، بل بعد تأييد الدول العربية الكبرى التي لها ثقل في المنطقة ودعمها. ولم يكن يوماً قرار في مجلس الأمن تبنته فرنساوالولاياتالمتحدة إلا وأشركت فيه فرنسا السعودية ومصر لأنهما الدولتان الأساسيتان على الساحة العربية. اضافة الى ان فرنسا حريصة على ابقاء الحوار مع جميع اللاعبين الأساسيين على الساحة اللبنانية بمن فيهم"حزب الله"الذي لم تنقطع الاتصالات الفرنسية يوماً به منذ ان وقفت باريس وراء القرار الأوروبي بعدم وضعه على لائحة الإرهاب مثلما كانت بعض الدول تطالب. وفرنسا أقنعت الولاياتالمتحدة بأن مسألة"حزب الله"وسلاح المقاومة ينبغي ان تكون موضوع حوار داخلي, فالرئيس اللبناني يخطئ في محاولة جلب الرئيس الفرنسي شخصياً الى جدل عقيم لن يدخل فيه لأن"ذلك ليس من مستواه". ويخطئ الرئيس اللبناني عندما يتهم فرنسا بتنظيم اعتصامات شعبية لمحاصرة القصر الجمهوري. ففرنسا لا تحبذ مثل هذه الأساليب ولا ترى انه ينبغي تغيير الرئيس في تظاهرات في الشوارع. لكن الكل يعرف ان التمديد للرئيس لحود هو الذي ادى الى القرار 1559، وهو التمديد الذي تم بشكل مناقض للقانون الدولي. اذ جرى تبني القرار 1559 في 2 ايلول سبتمبر وتم التمديد للرئيس لحود في 4 ايلول. ومنذ ذلك الوقت ابتعدت الأسرة الدولية عن الرئيس الممدد له، وقاطع الأوروبيون والغربيون استقباله في عيد الاستقلال وسائر المناسبات وحرصوا على حضور العرض العسكري من دون الذهاب الى بعبدا لإظهار ان ظروف التمديد لهذا الرئيس غير مقبولة دولياً. وفي كل الأحوال اخطأ لحود في تحويل مشكلته مع القانون الدولي والأسرة الدولية الى مشكلة شخصية مع الرئيس شيراك الذي يبذل كل جهوده لإعادة السيادة والاستقلال الحقيقيين الى لبنان. السؤال الحقيقي الآن هو: أي استراتيجية عند اللبنانيين اليوم لتغيير هذا الوضع؟