طبيعيٌ في من يشاهد العماد ميشال عون على شاشة"العربية"أن يعتصم بحبل الخوف وهو يتابع عودته المأمولة. قد يقال، لوهلة، إن سنوات الإقامة في فرنسا لم تعمل على تلطيف نبرة قائد الجيش السابق، وعلى جعله أشد قابلية للتسويات. وهذا، في أغلب الظن، افتراض في غير محله. ذاك أن غالبية معارضات الخارج أشد راديكالية وجموحاً الى التطرف من معارضات الداخل. فهذه الأخيرة أوثق ارتباطاً بالواقع وإملاءاته وإمكاناته، أما"الخارجيون"فيبقون أسرى المعادلات الذهنية العامة المشوبة بالمرارة التي حفّت بخروجهم من الوطن. وفي المقابل، يُستبعَد في المنفيين الغارقين كلياً في أحداث بلدانهم، والمشدودين الى ذاكراتهم الجريح، أن يتعلموا ما تفيده التجارب السياسية والديموقراطية للبلدان التي يعيشون فيها، وأن يتقبّلوا كيفيّاتها القليلة التوتر وذات الجرعة النضالية المنخفضة. وإذا كان من حق عون أن يشعر بالمرارة، وأن يعاتب"حلفاء"اليوم على تخلّيهم عنه بالأمس، فليس من حقه تحويل ذلك الى عقدة نبويّة أين كانوا حين كنت أقول كذا...؟، بحيث يغدو في نظر ذاته كالمتنبي"بأرض نخلة"أو"كالمسيح بين اليهود". فهؤلاء، بطريقتهم، ضحّوا وقد قُتل منهم من قُتل، وكاد يُقتل من كاد. وأبعد من هذا، أن السياسة في البلدان التعددية، حيث تصدر كل واحدة من الطوائف عن تاريخ وعن ثقافة فرعيين خاصين بها، تؤتى من باب تحولاتها لا من باب مواضيها، ويُنظر اليها من زاوية القناعات الجديدة التي تطرأ، وكيف يُعمل على إنمائها، لا من زاوية الأحقاد والمخاوف التي طرأت من قبل. عكس ذلك يوقع صاحبه في تناقضات لا ينقذه منها تماسكه الظاهري. فهل يعقل، مثلاً، إفتراض أن الجمهورية الثانية لم تكن تحظى بالاستقلال الفعلي والافتراض، في الوقت نفسه، بجواز المحاسبة تبعاً لقوانينها من دون تعديل؟ وهل يعقل فتح دفاتر الماضي مع السياسيين اللبنانيين وعدم فتحها مع"المجتمع الدولي"الذي ساعد لبنان على استقلاله الثاني و"يستحق شكرنا"، علماً أن موقف ذاك"المجتمع"كان مما شجّع أولئك السياسيين على اتباع المسايرة والملاينة؟ وإذا جاز مبدأ فتح الدفاتر، أفلا يكون عون مُطالَباً بتفسير حروبه التي مهّدت لانتشار النفوذ السوري فوق المناطق التي كانت تعصاه؟ وأخيراً، هل يجوز الانتقال من الرفض الكامل للتوافق مع"المجتمع الدولي"الى التطابق الكامل معه ما خلا قانون الانتخابات بعد عقد ونصف العقد؟ وفي السياسة بمعناها المباشر، توفّر نبرة كنبرة الجنرال ذريعتين: واحدة للذين يتحيّنون فرصة الخروج من المعارضة جملةً وتفصيلاً، وأخرى للمبكّرين في الرجوع الى لعبة الطوائف وحصصها على النحو الذي أوحى به المرّان، الأب والإبن. بيد أن المسألة العونية هي أن القائد العسكري هو اليوم، كما كان بالأمس، المعارض الأكثر راديكالية، يعمل دائماً على استئناف"الثورة"لأنها لا تتم الا ببلوغ درجة أعلى منها. فإما الإشباع الكامل أو الإحباط الكامل. وإذا كان السياسيون يؤيدون الحفاظ على الواقع القائم، وهذا عيبهم المؤكد، فإن الجنرال يسعى الى الانقلاب الدائم. وراديكالية كهذه تنطوي على لحظات ثلاث: فهي طبقية إذا صح القول، أو أنها، بدقة أكبر، سِلكية في معارضتها "الطبقة السياسية". وللتذكير، فإن المعارضين، ومعظمهم من"بيوتات سياسية"، بالغوا، إبان حربهم على"الدولة الأمنية"، في استخدام تعبير"الموظف"في قالب تحقيري.، فكانوا، لغرض ربما كان نبيلاً، يتوسّلون ثقافة ومعايير متخلفة وتراتُبية رجعية. وهي، أيضاً، ريفية ينضح بها ميل عون الى الجزم والحسم، ونزعته العدالية التي لا يرقى الواقع"الفاسد"، وكل واقع"فاسد"، الى سويتها الطهرانية. وهذه مما يصعب أن تعيش جنباً الى جنب التمديُن الذي إن لم تنعقد له قيادة لبنان بقي أمره في مهبّ العصبيات وزجلها. وثالثاً، هي عسكرية، تبعاً لمنشأ صاحبها. وهنا، أيضاً، سيكون من الصعب افتراض التجانس المطلوب مع حياة برلمانية وتعددية على شيء من الرحابة. فإذا صح أن العونية أقل الاتجاهات السياسية اللبنانية طائفيةً، صح أن العسكري الذي تنطوي عليه، وقد ينجرّ عنه بُعد صهري ودمجي لا يراعي اختلافات المجتمع، ربما كان أخطر من الطائفي. لقد أحدثت الزميلة جيزال خوري ارتباكاً في أعصاب الجنرال، فأي ارتباك تُحدثه 17 طائفة لبنانية؟