وكيل وزارة الداخلية يرأس اجتماع وكلاء إمارات المناطق ال(60)    2026.. مرحلة اقتصادية سعودية أكثر رسوخاً واستدامة    مواجهة الجفاف.. دروس مستفادة من دافوس    الإنسان هو الوطن    أضخم عملية تطهير عرقي في الضفة    التقنيات العسكرية الحديثة وتأثيرها على ميزان القوى    المملكة واللياقة السياسية    الصين تحظر 73 شخصًا من ممارسة أي أنشطة متعلقة بكرة القدم مدى الحياة    كأس آسيا تحت 23 عاماً: نجوم خطفوا الأضواء    الاحتراف في المظهر أم الجوهر.. أزمة إدارة    الأمن العام يتيح خدمات البنادق الهوائية إلكترونيًا عبر «أبشر»    القبض على فلسطيني في جدة لترويجه "الحشيش"    د. محمد الهدلق.. الحضور الأدبي    الراكة.. مدينة تحت الرمل    الخلاف النقدي بين الإبداع والقطيعة    هدية الشتاء لجسمك    الشباب يتغلّب على الحزم برباعية في دوري روشن للمحترفين    الفتح يقتنص تعادلًا قاتلًا من الاتحاد في دوري روشن للمحترفين    نيفيز ينفجر غضبًا عقب تعادل الهلال مع القادسية    إنطلاق الدورة العلمية الثانية لأئمة الحرمين الشريفين تزامنًا مع الخطة التشغيلية لشهر رمضان ١٤٤٧ه    "التعليم" رمضان فرصة لتعزيز معاني الانضباط في المدارس و لا تحويل للدراسة عن بعد في رمضان    نائب أمير تبوك يستقبل قائد حرس الحدود بالمنطقة    «التعليم» تمنع منسوبيها من استخدام صفاتهم الوظيفية في المنصات الرقمية وتُلغي مسمّى «المتحدث الرسمي» في إدارات التعليم    "هداية" تحتفي بإنجازاتها لعام 2025 وتوقّع شراكات مجتمعية    جمعية "نبأ" تُكرم "73" حافظة للقرآن الكريم خلال عام 2025 في خميس مشيط    الجدعان يعلن بدء تنفيذ "الإستراتيجية الوطنية للتخصيص"    وزير البيئة الأوزبكي يزور المركز الوطني للأرصاد ويطّلع على تجارب المملكة في مجالات الأرصاد    السعودية للكهرباء تفوز بجائزة العمل 2025 في مسار "بيئة العمل المميزة" للمنشآت الكبيرة والعملاقة    الجامعة الإسلامية تفتح آفاقًا جديدة لتنمية الوقف الزراعي    برعاية أمير المنطقة الشرقية.. انطلاق النسخة الثالثة من مهرجان البشت الحساوي بالأحساء    "تعليم جازان" يحصد 22 جائزة في معرض إبداع للعلوم والهندسة    الوعي والإدراك    استعراض تقرير "الاتصالات" أمام نائب أمير نجران    الشخصية المثمرة    سعود بن بندر يشدد على العمل التكاملي بين الجمعيات    نفتقد قلم الإبينفرين    «صحي المجيدية» يطلق «نحياها بصحة»    انطلاق هاكاثون «علوم الطوارئ » في فبراير المقبل    تكريم الفائزين بجائزة التميز العقاري    84 طالباً يفوزون بجوائز الأولمبياد الوطني    الأفلام السعودية إلى العالم عبر«لا فابريك-المصنع»    «الفيصل»: 50 عاماً من صناعة الوعي الثقافي    زيلينسكي يبدي استعداده للقاء بوتين.. الأراضي وزابوروجيا تعرقلان مسار السلام    لا تزال قيد الدراسة.. 3 خيارات للجيش الإسرائيلي لإخضاع حماس    بحثا مستقبل القوات الروسية بسوريا.. بوتين للشرع: وحدة سوريا أولوية ومستعدون لدعم دمشق    دوريات الأفواج الأمنية بمنطقة جازان تُحبط تهريب (268) كيلو جرامًا من نبات القات المخدر    في الجولة الختامية لمرحلة الدوري في يوروبا ليغ.. 11 مقعداً تشعل مباريات حسم التأهل لدور ال 16    ليست مجرد كرة قدم    الخريف يدشن خطوط إنتاج في جدة.. السعودية مركز إقليمي لصناعات الدواء والغذاء    ما هو مضيق هرمز ولماذا هو مهم جداً للنفط؟    سمو وزير الدفاع يلتقي وزير الدفاع بدولة الكويت    وافق على نظام حقوق المؤلف.. مجلس الوزراء: دعم «مجلس السلام» لتحقيق الأمن والاستقرار بغزة    المبرور    إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين وولي العهد.. وصول ثلاثة توائم ملتصقة إلى الرياض    7 أطعمة صحية تدمر جودة النوم ليلاً    نحن شعب طويق    متقاعدو قوز الجعافرة ينظّمون أمسية ثقافية ورياضية على كورنيش جازان    بعد الرحيل يبقى الأثر!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خريطة بائسة لمنطقة بائسة ... من منصة الأمم المتحدة
نشر في الحياة يوم 24 - 09 - 2004

كلام وزير الخارجية الأميركي كولن باول عن سورية وايران قبل يومين كلام لافت للانتباه. فدمشق غير مرشحة الآن لتغيير النظام فيها طالما انها تنجح في الاختبار والامتحان سيما في العراق، كخطوة أولى، من خلال آلية التعاون الأميركي العراقي السوري على الحدود وفي ميدان الاستخبارات. اما طهران فانها تحت سوطي العقوبات والعمليات العسكرية لأن واشنطن، حسب باول، ماضية بالعمل الديبلوماسي والسياسي انما دون حذف أي خيار آخر من المعادلة وهي لن تردع اسرائيل عن ضربة استباقية للمفاعل النووي الايراني كما سبق وفعلت اسرائيل في العراق. الرئيس جورج بوش لم يذكر في خطابه أمام الجمعية العامة ايران أو سورية لكنه أبلغ العالم أجمع ان افغانستان والعراق"سيكونان النموذج للشرق الأوسط الأكبر"، قافزاً تماماً على الواقع وعلى ذكاء أي فرد يشاهد ما يحصل في أفغانستان والعراق في طريقهما الى ان يكونا"النموذج"الموعود. قال ان عهد الموافقة الاميركية الضمنية على الاضطهاد باسم الحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط ولّى، مؤكداً بذلك الانطباع عن التوجه الأميركي الجديد الذي لا يتخذ الاستقرار في الشرق الأوسط ركيزة له وانما يريد هزّه باسم الاصلاح والحرية لاسقاط أنظمة وحماية نظام، وأهم نظام يريد جورج دبليو بوش حمايته للأربع سنوات المقبلة هو النظام الاسرائيلي. وهو يريد حمايته ليس فقط من الاعتداء وانما من السلام اذ قال ان اثبات الالتزام بالاصلاح الديموقراطي العربي أمر أساسي كشرط مسبق لحل النزاع العربي الاسرائيلي. فوجه بذلك صفعة مؤلمة للاصلاحيين العرب الذين يتحدث السيد بوش دوماً عن ضرورة مساندتهم والذين لطالما حاربوا كلاً من الاتجاهين: وضع الاصلاح رهينة حل النزاع العربي الاسرايلي، ووضع حل النزاع العربي الاسرائيلي رهن اتمام الاصلاح العربي والوصول الى ديموقراطيات.
رسالة جورج دبليو بوش للعرب من المنصة الدولية كانت واضحة:"أولا، لم يعد الاستقرار ركيزة للسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. ثانياً لم يعد هناك دور أو مكان للمنظمات أو للمحاور الاقليمية وانما الأمر الآن بات محصوراً تماماً في العلاقة الثنائية مع الولايات المتحدة الأميركية. ثالثاً، لا شيء مضمون بل كل شيء رهن الاختبار قبل اتخاذ القرار لجهة الموافقة على بقاء نظام عربي، أو العمل المكثف على ازالته، أو الاستراتيجية التدريجية الواقعة بين القبول به اليوم باستمرارية موقتة الى أن يأتي غد بنظام جديد. رابعاً، لا سلام مع اسرائيل قبل الانتهاء من الاصلاح واطلاق ديموقراطيات في العالم العربي. خامساً، لا كلام الآن عن رؤية دولتين، فلسطين واسرائيل. أما الجدار العازل الذي سبق أن عارضة الولايات المتحدة فتناساه الآن إذ ان هذه"مرحلة انتخابية تتحمل فقط تقليص القضية الفلسطينية الى اما"ارهاب"أو"كرامة"انسانية بتعالٍ على الحقوق والقانون الدولي.
الافت ان الادارة الاميركية تواجه تحديات ضخمة في العراق وافغانستان وفيما ينقسم الرأي العام الاميركي نحوها، قرر معظم العرب ان الانتخابات الأميركية الرئاسية ستحسم انتصار جورج دبليو بوش بها لولاية ثانية.
رغم هذا لا أحد يفكر بما سيفعل اثناء ولاية ثانية لبوش باستثناء التأهّل على يديه ثنائياً.
لا كلام ولا تنسيق ولا استرايتجية لحمل القضايا العربية أو المشاغل العربية الى مكانة ما في الولاية الثانية المرتقبة. ثم هنالك مجرد لهاث البعض وراء التأهيل، حتى لدى المحافظين الجدد الذين يكنون العداء الأكبر للعرب كما لدى اسرائيل بصفتها بوابة الرحمة عند الادارة الجمهورية الحاكمة.
هذا القدر من الشلل العربي أدى بوزراء الخارجية العرب الى عقد اجتماع في نيويورك مثير للسخرية والغضب ويستحق الاحتجاج والازدراء معاً. فلقد أمضى الوزراء ساعة كاملة في بحث قرار أقر واتفق عليه: قرار عقد قمة عربية لاتينية.
هذا الاجتماع عقد بعد خطاب بوش الذي استنكره الوزراء، انفرادياً وجماعة، انما وراء الكواليس. احسوا به اهانة لا خيار سوى تلقيها غصباً.
انما الاسوأ، ان الوزراء العرب ترفّعوا عن اعطاء الزخم للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في شأن الجدار الفاصل مع ان هذا الرأي هو أهم سند دولي قانوني من هيئة دولية بمثل هذا المستوى.
وزير خارجية اسرائيل سيلفان شالوم تمتع بلقاء مع كل من رئيس القمة العربية الحالي وزير خارجية تونس... ورئيس الدورة الحالية لمجلس الجامعة العربية الوزاري وزير خارجية موريتانيا... ورئيس مجموعة ال77 التي تضم كل العرب، وزير خارجية قطر... هذا الى جانب وزراء خارجية مصر والأردن ورئيس وزراء العراق. والأنكى ان هذه اللقاءات لم تتناول سوى العلاقات الثنائية، السياحية منها والأمنية وتلك المعنية بالغاز وغيره من عوامل العلاقات التجارية والتطبيعية.
الأوروبيون من جهتهم حاولوا النظر في صيغ تجعل التفاهم مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات جزءا من المداولات لاعطائه ربما حرية التحرك مقابل قبوله الاصلاح وتخليه عن صلاحيات تخرج الأمور من حال التوقف التام.
لكن اسرائيل والولايات المتحدة رفضتا، اذ انهما قررتا شطب عرفات من المعادلة، رمزاً أو واقعاً. اما العرب، فلم يدخلوا الحلبة. فهم في حال شلل، ونفي، وتأجيل، وتلهف الى ترتيب الأمور ثنائياً مع الولايات المتحدة، وليسوا في وارد الرجل عرفات أو القضية فلسطين. فالمسألة لهم مسألة زوال أو بقاء.
المصريون يتظاهرون بلعب دور المفاوض والوسيط لكنهم في واقع الأمر الشريك العملي لاسرائيل والولايات المتحدة في إتمام بدعة شارون لفك الارتباط والانسحاب من غزة. يفعلون ذلك باسم الحؤول دون حرب أهلية فلسطينية انما بدون التوظيف الضروري للدور المصري المهم كعامل ضاغط على اسرائيل أو حاميتها أميركا. والسبب عائد لظرف مصري داخلي.
السودانيون جلبوا على أنفسهم بغضاً عالمياً بسبب اقترافهم انتهاكات فظيعة في دارفور مثل السماح أو غض النظر عن استخدام الاغتصاب أداة حرب والابادة هدفاً استراتيجياً فيها. الحكومة السودانية الآن في خوف من عواقب ما فعلت وتحاول الاستدراك، انما لربما بعد فوات الأوان. فالسودان الآن على طريق التقسيم ليس جنوباً وشمالا فحسب وانما شرقاً وغرباً. والسبب هو سوء الحكومة والحكم، بقدر ما قد يكون استراتيجية خارجية داخلية في اطار تفكيك المنطقة العربية أجمع.
العراقيون يمرون بالامتحان وبالمحنة، انهم الآن عند الادارة الاميركية الشعار والنموذج. وهم عند نصف الأميركيين وأكثرية العالم مختبر العقيدة الاستباقية وشهادة فشلها. وواقع الأمر ان حرب العراق ما زالت حرباً بلا أهداف ونيات واضحة لدى الادارة الأميركية سيما وأن دافع ومشجع هذه الحرب هم المحافظون الجدد الذين أرادوها لغاية غير غاية الديموقراطية للعراق وللعرب. أرادوها من أجل شرذمة العراق كأساس ضروري للمصلحة الاستراتيجية الاسرائيلية القائمة على تفكيك أي كيان عربي مؤهل أو قادر على أن يكون موقع تهديد استراتيجي أو عسكري لها.
السوريون فهموا ذلك انما فهموا أيضاً انه لم يعد في وسعهم تحديه. فسورية بالتحاقها بحرب الخليج الأولى بعد غزو العراق للكويت، كحليف في تلك الحرب، كانت تدرك انها تحذف العراق كلياً من المعادلة العسكرية الاستراتيجية مع اسرائيل. الآن، ومع توصل دمشق الى الاتفاق على آلية التعاون الأمني والاستخباري الثلاثي بين الولايات المتحدة والعراق وسورية، فان الحكومة السورية قد قررت الالتحاق، مرة ثانية، بقرار أميركي استراتيجي في أهمية قرار التحاقها بالتحالف الدولي مطلع التسعينات.
هل يعني هذا ان سورية وضعت جميع البيض في السلة الاميركية؟ يصعب تصديق ذلك. فسورية تحسن الحنكة السياسية، انما مشكلتها ان هذا ليس زمن الحنكة التقليدية ولا هو زمن التحالفات التقليدية أو الرهانات المعهودة.
فدمشق اليوم لا تملك ورقة ايران كما امتلكتها مع دول الخليج العربية اثناء الحرب العراقية الايرانية. وهي لا تملك ورقة المنظمات الفلسطينية في دمشق أو ورقة"حزب الله"في لبنان بالقدر الذي امتلكته سابقاً.
استراتيجياً، ما يهم دمشق هو سلطتها في لبنان ونفوذها مع ايران. العراق لم يكن أبداً ورقة استراتيجية في يد سورية وانما كان دائماً ساحة مبارزة استراتيجية. اما الآن فإن دمشق تعي أهمية فرصة الورقة العراقية وتأثيرها على وضع الحكومة السورية لدى الادارة الاميركية.
بكلام آخر، علاقة سورية بلبنان ضمنتها دمشق وتراها غير مركزية لدى الادارة الاميركية. علاقتها بالعراق قابلة للأخذ والعطاء بهدف كسب مواقع مهمة، اقليمية ومع الادارة الاميركية، وعلاقتها بايران تبقى دائماً استراتيجية انما بعين عملية على التطورات.
لذلك، قدمت الحكومة السورية كل ما هو مطلوب لتأجيل حملة الادارة الأميركية عليها سيما في مجلس الأمن الدولي. وواشنطن لم تمانع أبداً ان تتجاهل الناحية اللبنانية مع انها مدخل وضع سورية تحت رقابة مجلس الأمن، انما الى حين اختبار التعاون السوري في الساحة الأهم: الحدود العراقية والاستخبارات ضد الارهاب. فالسياسة الأميركية نحو سورية قائمة الآن على مبدأ"خذ وطالب".
اما مع ايران فإن الادارة الأميركية قررت تكليف أوروبا بالديبلوماسية معها، ومجلس الأمن بالضغط عليها بانذارها بعقوبات ما لم تتخل عن برنامجها النووي، واسرائيل بانذارها عسكرياً باستباقية الضربات الوقائية. انما ايران ليست لعبة سهلة كما كان العراق في الاستراتيجية الأميركية الاسرائيلية.
فهذه ايران وليست مجرد دولة عربية. ايران التي تحسن اللغة الفارسية المتحدثة بسقف المطالب والثقة العارمة وليس اللغة العربية المتحدثة بسقف التنازلات والمخاوف والتمسك بمجرد بقاء الأنظمة باسم بقاء الاستقرار واستمرار الوضع الراهن.
لا عاقل يريد هذا الوضع. فقد بات خدعة لوعود الأمس ووعود اليوم، استقراراً كان اسمها أو حرية مبتورة.
راغدة درغام نيويوركخريطة بائسة لمنطقة بائسة... من منصة الأمم المتحدة
كلام وزير الخارجية الأميركي كولن باول عن سورية وايران قبل يومين كلام لافت للانتباه. فدمشق غير مرشحة الآن لتغيير النظام فيها طالما انها تنجح في الاختبار والامتحان سيما في العراق، كخطوة أولى، من خلال آلية التعاون الأميركي العراقي السوري على الحدود وفي ميدان الاستخبارات. اما طهران فانها تحت سوطي العقوبات والعمليات العسكرية لأن واشنطن، حسب باول، ماضية بالعمل الديبلوماسي والسياسي انما دون حذف أي خيار آخر من المعادلة وهي لن تردع اسرائيل عن ضربة استباقية للمفاعل النووي الايراني كما سبق وفعلت اسرائيل في العراق. الرئيس جورج بوش لم يذكر في خطابه أمام الجمعية العامة ايران أو سورية لكنه أبلغ العالم أجمع ان افغانستان والعراق"سيكونان النموذج للشرق الأوسط الأكبر"، قافزاً تماماً على الواقع وعلى ذكاء أي فرد يشاهد ما يحصل في أفغانستان والعراق في طريقهما الى ان يكونا"النموذج"الموعود. قال ان عهد الموافقة الاميركية الضمنية على الاضطهاد باسم الحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط ولّى، مؤكداً بذلك الانطباع عن التوجه الأميركي الجديد الذي لا يتخذ الاستقرار في الشرق الأوسط ركيزة له وانما يريد هزّه باسم الاصلاح والحرية لاسقاط أنظمة وحماية نظام، وأهم نظام يريد جورج دبليو بوش حمايته للأربع سنوات المقبلة هو النظام الاسرائيلي. وهو يريد حمايته ليس فقط من الاعتداء وانما من السلام اذ قال ان اثبات الالتزام بالاصلاح الديموقراطي العربي أمر أساسي كشرط مسبق لحل النزاع العربي الاسرائيلي. فوجه بذلك صفعة مؤلمة للاصلاحيين العرب الذين يتحدث السيد بوش دوماً عن ضرورة مساندتهم والذين لطالما حاربوا كلاً من الاتجاهين: وضع الاصلاح رهينة حل النزاع العربي الاسرايلي، ووضع حل النزاع العربي الاسرائيلي رهن اتمام الاصلاح العربي والوصول الى ديموقراطيات.
رسالة جورج دبليو بوش للعرب من المنصة الدولية كانت واضحة:"أولا، لم يعد الاستقرار ركيزة للسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. ثانياً لم يعد هناك دور أو مكان للمنظمات أو للمحاور الاقليمية وانما الأمر الآن بات محصوراً تماماً في العلاقة الثنائية مع الولايات المتحدة الأميركية. ثالثاً، لا شيء مضمون بل كل شيء رهن الاختبار قبل اتخاذ القرار لجهة الموافقة على بقاء نظام عربي، أو العمل المكثف على ازالته، أو الاستراتيجية التدريجية الواقعة بين القبول به اليوم باستمرارية موقتة الى أن يأتي غد بنظام جديد. رابعاً، لا سلام مع اسرائيل قبل الانتهاء من الاصلاح واطلاق ديموقراطيات في العالم العربي. خامساً، لا كلام الآن عن رؤية دولتين، فلسطين واسرائيل. أما الجدار العازل الذي سبق أن عارضة الولايات المتحدة فتناساه الآن إذ ان هذه"مرحلة انتخابية تتحمل فقط تقليص القضية الفلسطينية الى اما"ارهاب"أو"كرامة"انسانية بتعالٍ على الحقوق والقانون الدولي.
الافت ان الادارة الاميركية تواجه تحديات ضخمة في العراق وافغانستان وفيما ينقسم الرأي العام الاميركي نحوها، قرر معظم العرب ان الانتخابات الأميركية الرئاسية ستحسم انتصار جورج دبليو بوش بها لولاية ثانية.
رغم هذا لا أحد يفكر بما سيفعل اثناء ولاية ثانية لبوش باستثناء التأهّل على يديه ثنائياً.
لا كلام ولا تنسيق ولا استرايتجية لحمل القضايا العربية أو المشاغل العربية الى مكانة ما في الولاية الثانية المرتقبة. ثم هنالك مجرد لهاث البعض وراء التأهيل، حتى لدى المحافظين الجدد الذين يكنون العداء الأكبر للعرب كما لدى اسرائيل بصفتها بوابة الرحمة عند الادارة الجمهورية الحاكمة.
هذا القدر من الشلل العربي أدى بوزراء الخارجية العرب الى عقد اجتماع في نيويورك مثير للسخرية والغضب ويستحق الاحتجاج والازدراء معاً. فلقد أمضى الوزراء ساعة كاملة في بحث قرار أقر واتفق عليه: قرار عقد قمة عربية لاتينية.
هذا الاجتماع عقد بعد خطاب بوش الذي استنكره الوزراء، انفرادياً وجماعة، انما وراء الكواليس. احسوا به اهانة لا خيار سوى تلقيها غصباً.
انما الاسوأ، ان الوزراء العرب ترفّعوا عن اعطاء الزخم للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في شأن الجدار الفاصل مع ان هذا الرأي هو أهم سند دولي قانوني من هيئة دولية بمثل هذا المستوى.
وزير خارجية اسرائيل سيلفان شالوم تمتع بلقاء مع كل من رئيس القمة العربية الحالي وزير خارجية تونس... ورئيس الدورة الحالية لمجلس الجامعة العربية الوزاري وزير خارجية موريتانيا... ورئيس مجموعة ال77 التي تضم كل العرب، وزير خارجية قطر... هذا الى جانب وزراء خارجية مصر والأردن ورئيس وزراء العراق. والأنكى ان هذه اللقاءات لم تتناول سوى العلاقات الثنائية، السياحية منها والأمنية وتلك المعنية بالغاز وغيره من عوامل العلاقات التجارية والتطبيعية.
الأوروبيون من جهتهم حاولوا النظر في صيغ تجعل التفاهم مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات جزءا من المداولات لاعطائه ربما حرية التحرك مقابل قبوله الاصلاح وتخليه عن صلاحيات تخرج الأمور من حال التوقف التام.
لكن اسرائيل والولايات المتحدة رفضتا، اذ انهما قررتا شطب عرفات من المعادلة، رمزاً أو واقعاً. اما العرب، فلم يدخلوا الحلبة. فهم في حال شلل، ونفي، وتأجيل، وتلهف الى ترتيب الأمور ثنائياً مع الولايات المتحدة، وليسوا في وارد الرجل عرفات أو القضية فلسطين. فالمسألة لهم مسألة زوال أو بقاء.
المصريون يتظاهرون بلعب دور المفاوض والوسيط لكنهم في واقع الأمر الشريك العملي لاسرائيل والولايات المتحدة في إتمام بدعة شارون لفك الارتباط والانسحاب من غزة. يفعلون ذلك باسم الحؤول دون حرب أهلية فلسطينية انما بدون التوظيف الضروري للدور المصري المهم كعامل ضاغط على اسرائيل أو حاميتها أميركا. والسبب عائد لظرف مصري داخلي.
السودانيون جلبوا على أنفسهم بغضاً عالمياً بسبب اقترافهم انتهاكات فظيعة في دارفور مثل السماح أو غض النظر عن استخدام الاغتصاب أداة حرب والابادة هدفاً استراتيجياً فيها. الحكومة السودانية الآن في خوف من عواقب ما فعلت وتحاول الاستدراك، انما لربما بعد فوات الأوان. فالسودان الآن على طريق التقسيم ليس جنوباً وشمالا فحسب وانما شرقاً وغرباً. والسبب هو سوء الحكومة والحكم، بقدر ما قد يكون استراتيجية خارجية داخلية في اطار تفكيك المنطقة العربية أجمع.
العراقيون يمرون بالامتحان وبالمحنة، انهم الآن عند الادارة الاميركية الشعار والنموذج. وهم عند نصف الأميركيين وأكثرية العالم مختبر العقيدة الاستباقية وشهادة فشلها. وواقع الأمر ان حرب العراق ما زالت حرباً بلا أهداف ونيات واضحة لدى الادارة الأميركية سيما وأن دافع ومشجع هذه الحرب هم المحافظون الجدد الذين أرادوها لغاية غير غاية الديموقراطية للعراق وللعرب. أرادوها من أجل شرذمة العراق كأساس ضروري للمصلحة الاستراتيجية الاسرائيلية القائمة على تفكيك أي كيان عربي مؤهل أو قادر على أن يكون موقع تهديد استراتيجي أو عسكري لها.
السوريون فهموا ذلك انما فهموا أيضاً انه لم يعد في وسعهم تحديه. فسورية بالتحاقها بحرب الخليج الأولى بعد غزو العراق للكويت، كحليف في تلك الحرب، كانت تدرك انها تحذف العراق كلياً من المعادلة العسكرية الاستراتيجية مع اسرائيل. الآن، ومع توصل دمشق الى الاتفاق على آلية التعاون الأمني والاستخباري الثلاثي بين الولايات المتحدة والعراق وسورية، فان الحكومة السورية قد قررت الالتحاق، مرة ثانية، بقرار أميركي استراتيجي في أهمية قرار التحاقها بالتحالف الدولي مطلع التسعينات.
هل يعني هذا ان سورية وضعت جميع البيض في السلة الاميركية؟ يصعب تصديق ذلك. فسورية تحسن الحنكة السياسية، انما مشكلتها ان هذا ليس زمن الحنكة التقليدية ولا هو زمن التحالفات التقليدية أو الرهانات المعهودة.
فدمشق اليوم لا تملك ورقة ايران كما امتلكتها مع دول الخليج العربية اثناء الحرب العراقية الايرانية. وهي لا تملك ورقة المنظمات الفلسطينية في دمشق أو ورقة"حزب الله"في لبنان بالقدر الذي امتلكته سابقاً.
استراتيجياً، ما يهم دمشق هو سلطتها في لبنان ونفوذها مع ايران. العراق لم يكن أبداً ورقة استراتيجية في يد سورية وانما كان دائماً ساحة مبارزة استراتيجية. اما الآن فإن دمشق تعي أهمية فرصة الورقة العراقية وتأثيرها على وضع الحكومة السورية لدى الادارة الاميركية.
بكلام آخر، علاقة سورية بلبنان ضمنتها دمشق وتراها غير مركزية لدى الادارة الاميركية. علاقتها بالعراق قابلة للأخذ والعطاء بهدف كسب مواقع مهمة، اقليمية ومع الادارة الاميركية، وعلاقتها بايران تبقى دائماً استراتيجية انما بعين عملية على التطورات.
لذلك، قدمت الحكومة السورية كل ما هو مطلوب لتأجيل حملة الادارة الأميركية عليها سيما في مجلس الأمن الدولي. وواشنطن لم تمانع أبداً ان تتجاهل الناحية اللبنانية مع انها مدخل وضع سورية تحت رقابة مجلس الأمن، انما الى حين اختبار التعاون السوري في الساحة الأهم: الحدود العراقية والاستخبارات ضد الارهاب. فالسياسة الأميركية نحو سورية قائمة الآن على مبدأ"خذ وطالب".
اما مع ايران فإن الادارة الأميركية قررت تكليف أوروبا بالديبلوماسية معها، ومجلس الأمن بالضغط عليها بانذارها بعقوبات ما لم تتخل عن برنامجها النووي، واسرائيل بانذارها عسكرياً باستباقية الضربات الوقائية. انما ايران ليست لعبة سهلة كما كان العراق في الاستراتيجية الأميركية الاسرائيلية.
فهذه ايران وليست مجرد دولة عربية. ايران التي تحسن اللغة الفارسية المتحدثة بسقف المطالب والثقة العارمة وليس اللغة العربية المتحدثة بسقف التنازلات والمخاوف والتمسك بمجرد بقاء الأنظمة باسم بقاء الاستقرار واستمرار الوضع الراهن.
لا عاقل يريد هذا الوضع. فقد بات خدعة لوعود الأمس ووعود اليوم، استقراراً كان اسمها أو حرية مبتورة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.