لم تبدأ "حرب" زعيم تنظيم "القاعدة" اسامة بن لادن على الأميركيين بتنفيذ هجمات 11 أيلول سبتمبر 2001 التي عرضت الحلقات الأربع السابقة تفاصيل طرحها من قبل خالد الشيخ محمد عام 1996 وصولاً الى تنفيذها، بل ولدت فكرة منذ اليوم الأول لتأسيس التنظيم في نهاية الثمانينات، ثم تطورت الى رسم خطط لمهاجمتهم وتنفيذها في التسعينات. ويورد تقرير لجنة التحقيق الأميركية في الهجمات معلومات عن تورط بن لادن وتنظيمه في هجمات ضد الأميركيين في اليمن عام 1992 والصومال عام 1993 والسعودية عام 1995. وأجريت كل تلك العمليات خلال وجود بن لادن في السودان. وفي حين ان الأميركيين كانوا يكتفون بمراقبة زعيم "القاعدة" ورصد خططه في "محطته السودانية"، فإنهم انتقلوا الى مرحلة وضع خطط لاعتقاله أوالقضاء عليه بعد طرده الى افغانستان عام 1996، وهو أمر اعتبره مسؤولو الاستخبارات الأميركية، خطأ، "ضربة حظ" ستتيح لهم الإمساك بطريدتهم. خرج أسامة بن لادن من المملكة العربية السعودية عام 1991 وذهب الى باكستان ثم أفغانستان. لكنه سرعان ما انتقل الى السودان بدعوة من الزعيم الإسلامي الدكتور حسن الترابي. وعلى رغم ان زعيم "القاعدة" ادار من الخرطوم مشاريع تجارية عدة، إلا ان اهتمامه شمل ايضاً دعم الجماعات "الجهادية" ومساعدتها في انشاء معسكرات تدريب في "مزارع" سودانية. وفي موازاة ذلك، انشغل بن لادن بالتحضير لمعركته التالية ضد ما يصفه ب"رأس الثعبان": اميركا. وتولّى القائد العسكري ل"القاعدة" المصري علي أمين الرشيدي "أبو عبيدة البنشيري"، مهمة الإشراف على خلية كُلّفت التحضير لعمليات في شرق افريقيا، ورصد سفارات ومنشآت أميركية وغربية واسرائيلية. لكن "البنشيري" كان دائم السفر، فاضطر بن لادن الى إرسال السعودي خالد الفواز المعتقل حالياً في لندن ليتابع عملية رصد المواقع التي ستُضرب. وتقول لجنة التحقيق الأميركية في هجمات 11 ايلول سبتمبر ان عملية رصد المنشآت انجزت عبر كاميرات فيديو حديثة، وان بن لادن و"البنشيري" ومحمد عاطف "أبو حفص المصري" وعدداً آخر من قادة "القاعدة" اجتمعوا عام 1994 لمناقشة تقرير عن عمليات الرصد، ووضع خطط لتفجير السفارة الأميركية في نيروبي. وتضيف لجنة التحقيق ان التحضير لتلك العملية بدأ بارسال فريق من كبار مسؤولي "القاعدة" وعناصر التنظيم للتدرب في مخيمات ل"حزب الله" في لبنان. وهو ما ينفيه الاخير. لكن تنفيذ خطط تلك الهجمات تعرقل بسبب المشاكل التي واجهها بن لادن مع الحكومة السودانية عام 1995 واضطراره لمغادرة الخرطوم في العام التالي. واعترف خالد الشيخ محمد للأميركيين ان بن لادن علم لدى وصوله الى جلال آباد بوفاة "البنشيري" في فيكتوريا. من جهتهم، علم الأميركيون من الحكومة السودانية بمغادرة بن لادن بعد حصولها. وتقول لجنة 11 ايلول ان مسؤول "محطة بن لادن" في الاستخبارات الأميركية والذي يُعرف فقط ب"مايك"، اعتبر انتقال زعيم "القاعدة" الى أفغانستان "ضربة حظ" في ظل اعادة ال "سي آي أي" فتح خطوطها مع مصادرها القديمة في افغانستانوباكستان ضمن متابعتها تحركات مير أمل قانصي الذي قتل عام 1993 عنصرين من ال"سي آي أي" في لانغلي وفر الى باكستان. واعتقد الأميركيون ان مصادرهم ستتضمن القاءهم القبض على بن لادن، أو قتله، في أفغانستان. لكن زعيم "القاعدة" لم يكن آنذاك العدو الرقم واحد للأميركيين، ولم يكن قام بعمليات ارهابية ثابتة ضدهم. ما بعد "النكسة السودانية" ولاحقاً، تغير هذا الوضع انطلاقاً من ان بن لادن لم يأتِ الى أفغانستان لكي يستريح. وشملت اجراءات اعادة بناء تنظيمه بعد "النكسة السودانية" وغرق البنشيري، تعييّن "أبو حفص المصري" قائداً عسكرياً، وأصدر بياناً اعلن فيه "الجهاد" ضد القوات الأميركية في السعودية، ثم بدأ يُحضّر مجدداً لتنفيذ الخطط التي اُعدّت في السودان ولم تسمح الظروف بتطبيقها. لكن في آب اغسطس 1997 شعرت "القاعدة" بالقلق بعد إطلاعها على تقرير صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية في شأن تسليم مسؤولها المالي الطيب المدني نفسه الى السعوديين، وان هؤلاء "تقاسموا اعترافاته" مع الاميركيين والبريطانيين. لكن الخبر لم يكن صحيحاً. إذ تقول لجنة التحقيق في 11 ايلول ان الأميركيين طلبوا فعلاً و"على أعلى مستوى" من السعوديين، في 1998 وليس 1997، ان يسمحوا لهم بالاطلاع على التحقيق مع الطيب المدني، لكن طلبهم رُفض. الأميركيون كانوا يعرفون ان بن لادن يخطط لشيء ما ضدهم، فأعدوا خططاً للقبض عليه في أفغانستان، نصت احداها على نصب قبيلة افغانية مكمناً له خلال انتقاله من قندهار، حيث كان يقضي بعض لياليه، الى مقر اقامته الرئيسي في "مزارع ترنك". وتقول القبيلة للاستخبارات الأميركية انها حاولت فعلاً نصب مكمن له، لكنها فشلت من دون ان يقتنع الأميركيون بذلك. ولاحقاً، طوّر الأميركيون خطتهم الى تنفيذ غارة على "مزارع ترنك" التي تضم 80 مبنى من الإسمنت أو الطين يحيط بها جدار بارتفاع 10 اقدام، وتقع في منطقة صحراوية معزولة في ضواحي مطار قندهار. ووضع ضباط ال"سي آي أي" رسماً تفصيلياً للموقع حدد منازل زوجات بن لادن والمكان الذي اعتاد النوم فيه على الأرجح. ونفّذ الأميركيون بالتنسيق مع رجال القبائل الأفغان عمليتي إنزال وهميتين على مكان مماثل ل"مزارع ترنك" داخل الولاياتالمتحدة في خريف العام 1997. وفي مطلع عام 1998، طلبت الاستخبارات الأميركية موافقة البيت الأبيض على العملية. وعرض مدير ال"سي آي أي" جورج تينيت تفاصيل العملية يوم 13 شباط فبراير مع مستشار الأمن القومي ساندي بيرغر. وقضت الخطة بأن يبدأ رجال القبائل الأفغان الغارة بالسيطرة على الحراس، ثم يدخلون المجمّع بسرعة ويقبضون على بن لادن ويأخذونه الى موقع في الصحراء خارج قندهار ويسلموه الى مجموعة ثانية. وتتولى المجموعة الثانية نقله الى موقع لهبوط الطائرات كان استخدم من قبل في عملية اعتقال مير قانصي في 1997 اُعدم في اميركا بجريمة قتل عنصرين في الاستخبارات. وتأخذ طائرة تابعة للاستخبارات الأميركية زعيم "القاعدة" الى نيويورك أو عاصمة عربية او أي مكان آخر لتوجيه اتهامات اليه. لكن الخطة أقرّت أيضاً بأن عقبات قد تحصل خلال عملية التنفيذ، وان ضحايا ابرياء قد يسقطون، وأن انصار بن لادن قد يأخذون أميركيين رهائن في قندهار رداً على العملية. لكن واضعيها حذروا من ان عدم تنفيذها "عاجلاً أم آجلاً ... سيسمح لبن لادن بضرب المصالح الاميركية". طلبت الإدارة الأميركية درس الخطة بعمق والتأكد انها تتعلق ببن لادن شخصياً. ودعت الى تحضير كل وثائق المحاكمة المزمعة. وحضرت ال"سي آي أي" بالتالي تفاصل الخطة مجدداً، وأجرت عملية تطبيق ميدانية لها في آذار مارس 1998. وفي أيار مايو، كانت كل تفاصيل العملية جاهزة، بما في ذلك ان يُبقي رجال القبائل الأفغان بن لادن في حوزتهم شهراً بكامله لتفادي انكشاف أي دور للأميركيين في اعتقاله. وقالت الاستخبارات الاميركية انها متأكدة من ان العملية ستنجح بنسبة تبلغ نحو 40 في المئة، في وقت حصلت على تأكيد القبيلة من قدرتها على اعتقال بن لادن او قتله. لكن الاميركيين قلقوا في مرحلة اولى من ترك الأفغان وحدهم ينفّذون العملية وهم يتفرّجون من بعيد، ولاحقاً من قدرة الأفغان على الاحتفاظ ببن لادن طوال شهر قبل تسليمه الى ال"سي آي أي". وامتلاك ادلة قوية تُثبت التهم الموجهة ضد بن لادن.