كانت تلفتني، بين حين وآخر، تعليقات سياسية واجتماعية وثقافية، مشاكسة، ذكية، وساخرة أحياناً، هنا وهناك، يكتبها كاتب اسمه ماهر شرف الدين. كنت من خلال ذلك، أتخيّله كبيراً في السنّ، شيّبته التجارب، وزودته بالحكمة والشجاعة. وكنت أفترضه أيضاً، من الجنوب اللبناني، من صور تحديداً أو جوارها، فعائلة شرف الدين في صور عائلة معروفة وعريقة... ولم يكن يدور في خلدي، ان الرجل شابٌّ في مقتبل العمر، بل فتى، وانه شاعر، وانه ليس من الجنوب اللبناني، بل من سورية، من السويدا على الأرجح... كان ذلك حين التقيت به من طريق المصادفة... ثمّ، قدّم لي ديوانه الرابع "ملحق حمورابي السري" الصادر عن "منشورات آلان - سلسلة الألف الثالث"، - في الكتابة والوعي المغامر - الطبعة الأولى 2003/ وهي سلسلة منشورات لا يظهر لها مركز بعينه، إنما تطلب من فنلندا والمغرب ولبنان، على أماكن وهواتف محدّدة... ولفتت انتباهي كلمتان، إحداهما في العنوان وهي "سرّي"، والثانية في مصدر النشر وهي "المغامر" كصفة للوعي... وهذه الأسباب مجتمعة، شدّتني لقراءة المجموعة، وللتعليق عليها، فأنا أحبّ الصفتين معاً: السرية والمغامرة. من الإهداء نلاحظ الضدّية. كتب: "كتاب كي لا تنام زينب"، أي ضد قصيدتي: "أغنية كي تنام زينب". حسناً أنا كنت افتديت موت زينب بالنوم، فالأغنية هي لها لئلا تموت. هو شاء لها ان تبقى بلا نوم الى الأبد. حسناً ثانية. هو أمر جميل... حوار من البداية واقتراح من ماهر على قصيدة... في ما يشبه البيان السابق على القصائد، بعنوان "زراعة التاريخ النفسية" يطرح الشاعر فكرة وسؤالاً: "أظنّ أنّ عادة دفن الموتى في التراب مارسها البشر بعد اكتشافهم الزراعة، فهم بذلك يزرعون جسد الميت إيماناً بأنه سينبت من جديد. إذاً، لماذا لا ندفن جسد التاريخ الميت علّه ينبت من جديد؟". الفكرة مؤسسة على اقتراح تاريخ آخر شعري على التاريخ المدوّن أو على الحقائق التاريخية التي تمّ التعارف عليها أو التواطؤ في شأنها، أو، كما يقول: "إعادة تشكيل شخصيات التاريخ نفسياً"... من خلال افتراضات عكس المألوف، حول شخصيات تاريخية بعينها بأن يتمّ تحويل سقراط الفيلسوف مثلاً الى شخص عادي، وفيلسوف المعرّة الأعمى الى مبصر، وهارون الرشيد الخليفة العباسي الأسطورة الى خصيّ... وهلمّ جرّا... والفكرة، على ما نرى، ممتعة... وهي وليدة عام من العزلة، فرضها الشاعر على ذاته في غرفة مع ثمانين شخصية تاريخية "سُجنت معها على ما يقول في ذاتي المريضة"... ولو كان كتب، بدلاً من "زراعة التاريخ النفسيّة" عنواناً آخر هو "زراعة التاريخ الجنسيّة" لكان أقرب من فحوى المُراد، فأساس قصائد ماهر شرف الدين، اروتيكي، وفرويد صاحب دور في هذا الصنيع، ولعله يحفر في أعماق الليبيدو الفرويدية، لكل شخص من أشخاصه التاريخيين من خلال ملاحق سماها على التوالي: ملحق الشعراء، ملحق الفلاسفة، ملحق الرسامين، ملحق المنتحرين، ملحق الزنادقة، ملحق الملوك والأمراء والقادة، ملحق الأميرة هند، ملحق حمورابي السرّي... المجموع ثمانية ملاحق. يكتب ماهر شرف الدين مقطّعاته بالأوزان الخليلية المعروفة على أساس الشطرين، وليس على أساس التفعيلة المفردة... فهو خليليّ نسبة الى الخليل بن أحمد الفراهيدي لجهة الأوزان والشكل الشعري المتعلق بالوزن والقافية. ولكنْ، يلاحظ عليه لهذه الناحية ملاحظتان: الأولى: أنه يستعمل أوزاناً غير غنائية، كالرجز والهزج ومجزوء الرَمَل.. والمتدارك... وسواها. فهو يقول على الهزج: "عجوزٌ دائمُ الحكِّ/ وكذّابٌ بلا شكِّ". وعلى مجزوء الرمل: "وجه أمي مستديرُ/ شاهقٌ يعلوه نورُ". وعلى الخفيف: "ما عيون المها؟ أنا مأخوذ/ هزني جسد أسمر ولذيذ". وعلى مجزوء البسيط: "لأنني كالطير يا أميمه/ خلقت للرحيل يا أميمه". وعلى الكامل: "وتخاذلت كانت على صدري/ في حالة تُرثى من السكر". وهي أوزان صالحة للتأمل والوقف أكثر منها أوزاناً انشادية للاستطراد. لذلك سمّينا قصائده مقطّعات، أقصرها سطران، ونادراً ما تتجاوز العشرة... وكلٌّ منها يحمل موقفاً أو فكرة. والثانية: أنه بين الفينة والفينة يكسر الأوزان، فيظهر في بعض قصائده خلل عَروضي غير مقصود، كقوله في قصيدة "مأساة علي بن الجهم": "ليتها قد كانت أقلَّ جمالاً/ أعذروني يروقُ لي التحبيذ". فالشطر الأول مكسور، وكان سيكون صحيحاً لو قال: "آهِ يا ليتها أقلّ جمالاً/ أعذروني يروق لي التحبيذُ...". وقوله في قصيدة "حسرة الحلاّج بعيد الأمّ": "يا عيد خجلان أنا من يديها ثم من عيونها البُكْمِ". في حين أنّ البيت الأول صحيح الوزن: "هل قد أتاكِ العيد يا أمي؟ يا عيد تنسى دائماً أمّي". وثمة خلل عَروضي في أبيات قصيدة "ميسون بنت بحدل على فراش الموت..". فهي هنات عروضية في إمكان الشاعر تلافيها أو تصحيحها في الطبعات المقبلة. في الجوهر... جوهر القول الشعري، والفكرة، وأحياناً من خلال الصيغة التي تظهر في حاجة الى مزيد من التحكيك، يظهر لي أنني أمام شخصيّة شعرية مشاكسة معابثة حرّة، وفيها جزء من صعلكة ورغبة في السير عكس المألوف وطرح الأسئلة. تضاف الى ذلك نكهة السخرية، وتسمية أشياء بأسمائها، حتى ولو كانت مستلّة من قاموس اروتيكي. يقول مثلاً في بيتين بعنوان "شتاء البحتري": "جاء الشتاءُ بمَنْيهِ الشفّافِ/ والأرض تهمل شهوةَ الأطرافِ/ والأرض تفتح فرجَها وعيونها/ وتظنّ ذلك للتلذّذ كافِ". أستطيع القول إنّ ماهر شرف الدين يفكّر عارياً بالشعر، وتشغل باله مخبوءات الليبيدو أو مناطق اللاوعي في شخصياته، تلك التي كَشَفَ عنها الستار سيغموند فرويد باعتباره الجنس في أساس أي سلوك بشري حتى لو تعلّق الأمر بحب الطفل لأمه، أو قتله لأبيه في "مأساة أوديب" على سبيل المثال. أما فكرة إعادة صياغة التاريخ اتكاءً على شخصيات تاريخية بعينها، فقد سبق لأدونيس ان حققها بأعماله الشعرية المعروفة: الكتاب 1 والكتاب 2 والكتاب 3 بتقنيات كتابية مركّبة... يلجأ من خلالها الى ايراد النصوص التاريخية في هوامش عمله أو على جانبي الصفحة، ويثبت معها رؤياه الشعرية لهذه الوقائع او الشخصيات... بصيغ أشدّ سبكاً وبلاغةً وقدرة تعبيرية، بالطبع، وأكثر دربة من شاعر ذي تاريخ شعري مشهود له. والمناسبة لا تستدعي المقارنة بين شاعرين، لكنها لا تمنع من القول إنّ نكهة السخرية الحادة التي يتمتع بها ماهر شرف الدين، والطويّة الإيروتيكية لنصوصه، والمعابثة، كل ذلك يجعله يقف في صفّ صعاليك الشعر... إنها بالطبع اسقاطات ماهر شرف الدين على أصنامه... يلبسهم أثواب مهرّجي سيرك... يلقي على الأصنام أثوابه بتهيؤاته الجنسية أو المتصعلكة أو المعاكسة، ويمضي. انه يطلع الإيروتيك المخبوء وراء لحى أو سحنات شعراء متجهمين جادين ومفكرين فلاسفة، ويمشي دائماً عكس التيّار: جميل بثينة الشاعر العذري، مشغول بهواجس جنسية، ليلى كذلك، قيس بن الملوّح، أبو العتاهية الزاهد، المثَقّب العبدي... الخ... وتمتدّ هذه الهلوسة الخيالية لتطاول الفلاسفة أيضاً: أفلاطون وأرسطو وديكارت، وسقراط... يقول في تحوّلات سقراط: "سقراط ما عادَ حكيماً، معذره/ زوجته قد علمته الثرثره/ سقراط صار عاطلاً... عن الجدالِ والرؤى المؤثّره..."./ أما في قصيدة "نيتشه يسرّب أخبار السماء"، فالأمر جلل. وفي ملحق الرسامين فنتازيا تضاف الى فنتازيا الرسامين أنفسهم. يقول في سلفادور دالي: "... السمك الأبيض مطمور/ بالرمل الأبيض في فمها". ويعرّج بقلمه على بيكاسو وديفنشي وميكيل انجلو... ولا يترك لحية مرتبة إلاّ ويعبث بها، ليصل الى ملحق المنتحرين فيختار منهم كوكبة من فرجينا وولف الى همنغواي، الى ماياكوفسكي رجوعاً الى... زنوبيا ملكة تدمر، فيكتب فيها نصاً كاريكاتورياً عجيباً أو أرجوزة ضاحكة: "كانت بلا بعلِ/ كثيرةَ الحَمْلِ/ كانت تفلّي شعرها المليء بالقمل/ عيونها تجرّحت/ من دمعها الكهلِ/ ووجهها الممتدّ حتى أسفلِ الرجلِ/ يحاول الإفلاتَ من وقارها المطلي"... في ملحق الزنادقة نزعة تخريبية تضاف لنزعات الزنادقة. يقول في بشار بن برد: "أهديك إزميل الأزاميلِ/ لتدقّ في كل التماثيلِ"، وبجمالية عذبة يقول في ابن المقفّع "كان له عذاب من يموت/ كان له جمال من يموت". ولكنْ يظهر في عمل ماهر شرف الدين هنات وأوّلها أن أشعاره على مستويات، فمنها الجميل الذكي المسبوك سبكاً متيناً ومنها المهلهل المختلّ والضعيف... فضلاً عن أخطاء في العروض أشرنا إليها سابقاً. ومنها ان الفكرة لدى الشاعر تظهر أحياناً أكبر من أداة تنفيذها... ومنها ان ثمة نصوصاً خفيفة مبثوثة بين نصوص راجحة... ومنها عدم احتمال الشخصية التاريخية إسقاط الشاعر عليها. وبالمجمل، فإن "ملحق حمورابي السريّ" مشروع شعري وفكري خطير يستحق التأمّل والقراءة... نظراً الى طرافته وجِدّته، وشجاعته وسخريته... ولعله مشروع لعمل مستقبلي أكثر عمقاً وتجذيراً وقدرة تقنية على الكتابة. ولو افترضنا أنّ للتاريخ وللأشخاص التاريخيين المذكورين في الكتاب، محامي ادعاء، لكانوا أقاموا دعوى قضائية على الشاعر، لأنه قوّلهم ما لم يكونوا راغبين في قوله، حتى ولو صدق.