"لم آت إلى هنا للإستماع مجدداً إلى الشكاوى المعتادة عن الموقف الأميركي من قضية الصراع العربي - الإسرائيلي، أو للشكوى من الدعم الأميركي لإسرائيل، أو الوضع في العراق. نحن هنا لنبحث في قضايا وهموم مشتركة تكون جسراً للحوار بيننا. مثلاً, هناك قضايا ملحة كإنتشار الإيدز في المنطقة أو ضعف الرعاية الصحية أو البيئة وغير ذلك، وكيف يمكن أن تساعد الولاياتالمتحدة في هذه المجالات، ما يشكل البحث فيها بدايات توافقية لحوار بناء"! بمثل هذه الكلمات والأفكار، أو قريب منها، قدم ريتشارد هولبروك، السفير الأميركي السابق لدى الأممالمتحدة، مداخلته الإفتتاحية في منتدى الحوار الأميركي - الإسلامي في الدوحة، 10-12 كانون الثاني/ يناير، برعاية رسمية وتعاون مع "معهد بروكنغز" الأميركي. وعلى شاكلة تلك المداخلة التأسيسية، ذات النبرة التحذيرية والعنجهية، كانت ثمة مداخلة تأسيسية أخرى أكدها أكثر من مرة هولبروك نفسه خلال أيام المؤتمر الثلاثة، وكذا فعل زميله مارتن أنديك منسق المؤتمر ومحركه. تقول هذا المداخلة إن الولاياتالمتحدة لن تغير موقفها الداعم لإسرائيل، سواء كان شارون رئيس وزرائها أم غيره، وستستمر في ذلك. لذا فإن الإستمرار في إثارة هذا الموضوع مضيعة للوقت. على العرب والمسلمين أن يصلوا إلى قناعة راسخة في هذا الشأن ويبنوا علاقاتهم مع الولاياتالمتحدة عليها. هاتان المداخلتان التأسيسيتان، وإن جاءتا متفرقتين ومن دون تأطير بارز، مثلتا ما يمكن تسميته، بشيء من التجاوز، "الشروط غير المكتوبة للحوار" - حوار اللاتكافؤ الذي يفيض باشتراطات المنتصر. لكن قبل الحديث فيها، ولئلا يُساء الفهم، يجب التسجيل أن فكره عقد المؤتمر بطيف واسع من المشاركين، بهدف تجسير الفجوات بين الطرفين، هي أمر ضروي ويرحب به بكل تأكيد. كما أن الإعلان القطري عن تأسيس آلية دائمة لتحويل المؤتمر إلى شبه مؤسسة دائمة لرعاية ذلك الحوار، عبر تأسيس معهد "قطر - بروكنغز"، هو أيضاً خطوة إيجابية ومهمة مرحب بها. فإزاء تسمم العلاقة الأميركية - الإسلامية وتدهورها إلى أدنى نقاطها في الخمسين سنة الماضية، ليس أمامنا نحن والأميركيين سوى الحوار. فمن جهتنا، هناك ألف سبب وسبب يدفعنا لبذل أكبر جهد ممكن ليس فقط لنقل وجهات نظرنا إلى أكبر شريحة ممكنة من صناع القرار الأميركيين ومن يدور في أفلاكهم، بل أيضاً لمحاولة تغييرها. وكذا، فإن الأميركيين من جهتهم على قناعة غير مسبوقة بأن صورة أميركا ومواقفها تتصف بقتامة بالغة في العالمين العربي والإسلامي - لا تليق بوضعية "المنتصر". وأن العداء لهم بلغ هو الآخر مستوى غير مسبوق في العالم الإسلامي، بما يفرض عليهم محاولة "تصحيح" الصورة وتخفيف العداء بشتى السبل، ومنها مثل هذه المؤتمرات. وعليه، فإن مصلحة الطرفين تكمن في الحوار المشترك، ومواجهة القضايا والإتهامات بشكل مباشر، بدل التخندق والإنقطاع ومواصلة التراشق عبر الإعلام والفضائيات. وهذا الترحيب يجب ألا يحجب النقد والتصويب مهما بدا قاسياً، خصوصاً أن مشروع "الحوار الأميركي - الإسلامي" قطر - بروكنغز سيأخذ شكلاً سنوياً وتنبثق منه آليات ومشاريع أخرى. الأهم من الحوار نفسه، كضرورة وآلية، هو مضمون الحوار وشكله. ما حدث في بدايات مؤتمر الدوحة تحريم مناقشة المقدسات الأميركية، كاد أن يجهض المؤتمر من البداية ويفرغه من معناه، لولا تدارك الأمر في مداخلات اليومين التاليين، ثم من خلال كلمة الرئيس الأميركي السابق بيل كلنتون الختامية والمهمة يتمنى المرء لو كانت مواقف الرؤساء الأميركيين السابقين وتصريحاتهم هي ذاتها عندما يكونون في سدة الرئاسة. فالمداخلات التأسيسية التي رسمت محرمات النقاش، وأرادت أن تحصره في "الهموم والمشتركات المتفق عليها كالصحة وغيرها"، كانت تنقل رسالة واضحة: هذا حوار المنتصر والمهزوم، ولا يحق للمهزوم أن يشارك في صوغ مضمون الحوار وشكله. لا يحق له الإعتراض على شروط الإستسلام، بل التوقيع! والواقع أن هذه الرسالة مستبطنة في برنامج المؤتمر الذي أريد له أن يركز على الوضع المتدهور عند جانب الطرف الإسلامي من معادلة الحوار، وكيل اللوم له، وحشد أجندة عمل ارشادية وفوقية يتتلمذ عليها. فعناوين مواضيع المؤتمر وجلساته كانت تسجل بوضوح ماذا على المسلمين أن يفعلوه، لكنها كانت تخجل من تقديم الوضوح نفسه عندما يتعلق الأمر بماذا على الطرف الأميركي أن يفعل. فإذا اعتبرنا أن الموقف الأميركي من قضايا ثلاث، قضية فلسطين وقضية سياسة الهيمنة على المنطقة وثرواتها وقضية دعم ديكتاتوريات المنطقة والسيطرة على القرار السياسي والاقتصادي العربي، هو موقف معوق لأي علاقة أميركية - عربية صحية، فإن برنامج المؤتمر بالكاد يناقش الأولى، ويتعامى عن الثانية والثالثة. والصدمة الحقيقية التي شعر بها معظم المشاركين العرب والمسلمين محاولة إقصاء القضايا الكبرى عن النقاش، ومحاولة إفتعال أرضيات مشتركة للحوار وتأسيسه على ما هو قائم من اختلالات. أي إقامة بناء طموح على أسس هشة. وكانت المقولة المشتركة، ربما، لجميع المشاركين، اننا إذا لم نناقش الإنحياز الأميركي لإسرائيل، الذي يسبب لها كل ذلك العداء في العالم الإسلامي، ولم نناقش سياسة التحالف مع الديكتاتوريات وما تولده من ربط صورة الولاياتالمتحدة مع الإضطهاد والقهر في المنطقة، ولم نناقش سياسة الهيمنة والفرض الأميركية، فما هو الجدير بالمناقشة حقاً، وهل يتبقى وراء ذلك أي أسباب لإنتشار العداء واستحكامه في أوساط المسلمين تجاه الولاياتالمتحدة؟ لم يغب هذا السؤال الكبير عن كثير من العقول الأكاديمية الأميركية الكبيرة التي شاركت في المؤتمر، بل إن بعضاً منها كان يوافق عليه. لكن من الواضح أنه لم يكن لها تأثير في بوصلة المؤتمر والفكرة النظرية وراء شكله التفصيلي وما تفرع عنه من توزيع أساسي وفرعي للموضوعات المناقشة. وليس المقصود هنا ببوصلة المؤتمر الهدف الذي لا خلاف عليه، أي تجسير الهوة، بل الرؤية التي اعتمد عليها في تصنيف الأهميات النسبية للقضايا، وعلى أي اعتبار ووفق أي منظور. فالظاهر هنا أن منظمي المؤتمر ومصممي برنامجه وجلساته يعكسون، بشكل دقيق، مقاربة جديدة خاصة بالخارجية الأميركية في ما يتعلق بآلية "تطبيع العلاقة مع العالم العربية والإسلامي"، وهي ليست مقاربة موضوعية أو أكاديمية متوازنة. وإنما هي مقاربة ترى أن تلك العلاقة يجب أن "تتحرر" من القضايا الكبرى، وأن لا تظل "أسيرة" المسألة الفلسطينية. فهذه المسألة على أهميتها ليست سوى واحدة من المشكلات العديدة، وليست "المشكلة" الأهم، كما "يدعي" كثير من العرب والمسلمين. ومن الممكن، بل الضروري، الالتفاف عليها وتجاوزها والبحث عن أرضيات مشتركة أخرى لحوار ناجح مع العالم الإسلامي. انعكست هذه النظرة على برنامج المؤتمر، وعلى المداخلات الأساسية والأولية فيه. وتمثل ذلك بشكل أساسي في كلمات مارتن إنديك وريتشارد هولبروك، الديبلوماسيين الأميركيين السابقين، ومداخلاتهم. هولبروك، مثلاً، قال بشكل قاطع وحازم إنه لم يأتِ إلى المؤتمر للإستماع إلى ما يعرفه من مواقف عربية وإسلامية إزاء فلسطينوالعراق، بل للبحث في أرضيات "مبتكرة" للحوار والتفاهم المشترك. بل ذهب أبعد من ذلك وضرب أمثلة على "القضايا المشتركة"، فذكر منها محاربة الايدز ومواجهة الفقر وتحسين الصحة! طبعاً لا يمكن لأي حوار أميركي - إسلامي حقيقي أن يتقدم خطوة واحدة نحو تحسين العلاقات من دون مواجهة القضايا الكبرى، حتى لو بدت لهولبروك صعبة الحل ومملة وأنه من غير المثمر النقاش فيها، لأنها تحتاج إلى سياسيين وليس إلى مثقفين وأكاديميين لبحثها كما يقول. والتحذير المتعجرف من مغبة الوقوع في مناقشتها وتضييع الوقت فيها لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً، فهذه القضايا هي جوهر الخلاف أو الإتفاق مع الولاياتالمتحدة مهما حاول أي كان التهرب منها. وليس نقاشها وتفكيكها حصراً بالسياسيين، إذ يمكن للأكاديميين والمثقفين ومراكز الأبحاث أن يبحثوا في هذه القضايا ويضغطوا على السياسيين، ويقدموا طروحات وأفكاراً جديدة لهم، وأن "يبتكروا" حلولاً جديدة مدفوعة بقناعة واضحة، هي أن حل هذه القضايا هو أقصر الطرق إلى تحسين العلاقات الأميركية - العربية/ الإسلامية، عوضاً عن خداع النفس والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح للوصول من واشنطن إلى القاهرة. ليس هناك فعلاً ما يسبب العداء لأميركا وثقافتها سوى تلك القضايا، بل إن جزءاً كبيراً جداً من العرب والمسلمين يغالبون مشاعرهم العدائية ويتوقون إلى تبني نمط الحياة الأميركية، ويعبرون عن إعجابهم بكثير مما هو غير سياسي فيها. وهذا يعكس تفريقاً دقيقاً وحصيفاً لا ينزع إلى شطب أميركا والأميركيين بسبب السياسة الأميركية المعادية لهم. يتفرع عن المقاربة "الرسمية" التي حكمت شكل المؤتمر مقولة لم يمل "كبار" المؤتمرين الأميركيين من ترديدها، وهي أنه لا فائدة من تكرار النقد العربي والإسلامي لأميركا بسبب دعمها اللامشروط واللاعادل لإسرائيل. فهذا الدعم، كما كرر هولبروك وأنديك، سيظل ولن يخف، والمطلوب عربياً وإسلامياً قبول الإنخراط في حوار مع أميركا على هذا الأساس بلا نقاش: أساس قبول الظلم في فلسطين وقبول الإنحياز الأميركي الفاحش له. والتبرير الذي يقدم هنا هو أن مسألة إسرائيل بالنسبة إلى الأميركيين ليست مسألة سياسة خارجية، بل سياسة داخلية، ولا يمكن تغييرها. والمعضلة الأساسية هنا، في إطار إقامة حوار تفاهمي بين الأميركيين والمسلمين، هو اعتقاد صناع القرار الأميركي بأنه يمكنهم فعلاً حل المأزق الذي تواجهه علاقاتهم مع العالم الإسلامي بسبب قضية فلسطين وتأييد إسرائيل عبر إغلاق ملف النقاش حول موقفهم. يمكن بالطبع، كما هو حاصل الآن، أن تظفر هذه الأطروحة بقبول، أو خضوع، بعض الأطراف الرسمية العربية. لكن كيف يمكن أن تقنع بها الشارع العربي والإسلامي الذي تريد أن تحسن صورتها فيه؟ وكيف يمكن لمشروعاتها المختلفة على هذا الصعيد، مثل مشروع الديبلوماسية الشعبية، أن تنجح؟ ولماذا لا تختصر الطريق ويتم مواجهة أس الخلل في العلاقة، وهو فلسطين وفرض الهيمنة على المنطقة وثرواتها وقرارها السياسي. الإصرار على أجندة حوار أميركي - إسلامي وفق تلك المقاربة معناه الرغبة في توسيع رقعة الإستسلام عربياً وإسلامياً إلى المجال الشعبي وغير الرسمي. فإذا كان الخضوع الرسمي العربي والإسلامي ما عاد كافياً للجم الشارع العربي، الذي يموج بالمقاومة والممانعة للمشروعات الأميركية، بدا من الضروري تمشيط هذا الشارع وفرض ذلك الخضوع نفسه على الفعاليات الشعبية. إستثناء القضايا الكبرى وأثرها كمعوق أساسي في تطوير علاقات صحية ومتكافئة مع الولاياتالمتحدة، والتركيز على ضرورة عدم الخوض في الموضوع، معناه بإختصار افشال أي محاولة حقيقية لإنجاز حوار حضاري حقيقي بين الطرفين. من المهم التشديد على هذه الملاحظات والمشروع "الحواري" في بداياته، ولأنه سيتمأسس على شكل مركز أبحاث أميركي - عربي مقره في الدوحة. والمساهمة العربية في هذه المأسسة يجب أن تتجاوز تقديم المكان والتمويل، بل تفرض شراكة حقيقية متكافئة، بحيث تنعكس الرؤية العربية والنظرة العربية لمآزق العلاقات الإسلامية - الأميركية على البرامج والآليات وورش العمل، وليس فقط خضوع ذلك كله لرؤية الخارجية الأميركية، بشكل مباشر أو غير مباشر. مرة أخرى، طالما أن هذا المؤتمر سيتحول إلى آلية دائمة، عربية/ إسلامية - أميركية، فإنه يتوجب التوقف بصرامة عند مرحلة التأسيس إذا أريد لمثل هذا الجهد أن يتقدم على أي جبهة إيجابية ويكون مثمراً. * كاتب وباحث فلسطيني، كامبريدج.