بعد شنها حرباً مالية في اطار التوجه الدولي لمكافحة الارهاب، بدأت الامارات حرباً جديدة لمواجهة أخطر المشكلات التي تعترضها، والمتمثلة في وجود خلل كبير في تركيبتها السكانية. وتأخذ الحرب الجديدة اتجاهات مختلفة، لبعضها منحى لزيادة أعداد المواطنين وبعضها الآخر يسير باتجاه ضبط العمال المخالفين، واغلاق المنشآت والشركات الوهمية المتورطة بجلب هؤلاء العمال مخالفة كل القوانين، وليس لها هدف سوى تحقيق الربح وجمع الأموال على حساب القضايا الحساسة التي تمس أمن البلد... اضافة الى التحرك الجدي لضبط المتسللين الى الامارات ومحاكمتهم. وشهدت الامارات في الأيام الأخيرة تحركاً واسعاً باتجاه ايجاد توازن في التركيبة السكانية. وأخذ هذا التوجه بعداً سياسياً بإصدار الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة مرسوماً يمنح اكثر من 1800 فرد من أبناء وبنات المواطنات المتزوجات من أجانب، جنسية الامارات. ويلفت وجود هذا العدد الى ان زواج الاماراتيات من أجانب غير معترف به على المستوى الرسمي. وتحتاج الاماراتيات الى إذن لتسجيل عقد الزواج من أجنبي في المحاكم الشرعية في البلد. وأوجدت هذه القرارات حالة اجتماعية وظاهرة تتطلبان التحرك لمواجهتها في اطار الحفاظ على تركيبة المجتمع الاماراتي المحافظ، فكان قرار الشيخ زايد منح الجنسية لأكثر من 1800 من ابناء المواطنات وبناتهن خطوة في هذا الاتجاه. واكد العميد خلف حاضر المهيري المدير العام لإدارة الجنسية والإقامة في دولة الامارات ان الادارة "تعمل بكل طاقتها لتنفيذ المرسوم"، لافتاً الى انتهاء اجراءات عدد كبير من الذين يشملهم. وقال ان المرسوم "أدخل الاستقرار الى قلوب كثير من الأسر الاماراتية". وفي اتجاه مغاير، أعلن العميد المهيري ان الادارة كشفت أخيراً وجود اكثر من 150 منشأة وشركة وهمية كان عملها يركز على الاتجار بالتأشيرات واستقدام العمال. وقال ان وزارة الداخلية ابلغت أصحاب هذه الشركات مواطنون وأوقف التعامل معهم حتى تصحيح أوضاعهم، والكشف عن عدد العمال الذين استقدموا وأماكن وجودهم، مؤكداً ان مئات من الشركات الوهمية لا تزاول أي عمل، وهدف اصدار تراخيصها هو اصدار التأشيرات. وهاجم العميد المهيري مكاتب السياحة التي وصفها بأنها مشكلة، موضحاً ان معظمها لا يلتزم القوانين والقرارات والأنظمة، وطالب بإنشاء "هيئة وطنية لاستقدام العمال" وتحديد الفئات المطلوبة، وهيئة اخرى لاستقدام خدم المنازل. ويأتي هذا التحرك الرسمي لمواجهة مشكلة العمال غير الشرعيين وأسبابها، بعد أيام قليلة على نجاح شرطة أبوظبي بالتعاون مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في توقيف 887 عاملاً اسيوياً من مخالفي الأنظمة والقوانين، كانوا يعملون لدى احدى شركات المقاولات الاجنبية الكبرى، المنفذة لمشروع ضخم في مدينة أبوظبي. وتكشف شرطة أبوظبي القاء القبض على مديرين تنفيذيين لما يزيد على مئة شركة كانت تزود شركة المقاولات عمالاً من دون عقود موثقة، مما يخالف قانون تنظيم دخول الاجانب واقامتهم. وتشكل دولة الامارات الغنية بالنفط، والتي تتمتع بوضع مالي قوي على رغم التراجع الأخير في اسعار النفط، نقطة جذب للعمال الاجانب، خصوصاً مع تراجع النمو الاقتصادي في الدول العربية والآسيوية التي تشكل المركز الاساسي للعمال المهاجرين. وتظهر آخر احصاءات رسمية اماراتية ان مواطني الامارات يشكلون حوالى 18 في المئة من سكان البلاد، فيما يشكل الهنود وحدهم حوالى 54 في المئة والآسيويون 70 في المئة من عدد السكان 3.5 مليون شخص. وفيما تحاول الحكومة تعديل الخلل في التركيبة السكانية لمصلحة المواطنين من خلال تبني سياسات عمالية واجتماعية متطورة، ما زالت محاولات التسلل عبر الحدود تشكل ظاهرة خطرة على رغم كل الاجراءات المشددة لضبط المتسللين وتقديمهم الى المحاكمة. وتنبهت الامارات الى هذه المشكلة بعد تسوية مشكلاتها الحدودية في السنوات الأخيرة، وحولت ادارة حرس الحدود من وزارة الداخلية الى القوات المسلحة، وأعطتها صلاحية مراقبة الحدود البرية والبحرية، وزودتها معدات واجهزة حديثة تمكنها من تنفيذ مهماتها التي تركز على ضبط عمليات التسلل الى الامارات. وتفيد الاحصاءات التي تصدر عن ادارة حرس الحدود ان عمليات التسلل ما زالت نشطة، وتقدم الادارة أرقاماً يومية عن ضبط متسللين. وأعلن ضبط حوالى 9 آلاف متسلل الى الامارات خلال عام 2000، وتشير الارقام الى ان عمليات ضبط المتسللين حققت معدلاً قياسياً في أيام محددة من عام 2001.