وجدت قطاعات عريضة من الشباب العراقي ضالتها في دكاكين بيع الاسطوانات المضغوطة، توفر أفضل الأفلام السينمائية، وأبرز الانتاج الموسيقي العربي والعالمي، وبأسعار تكاد تكون الأرخص في العالم، فالاسطوانة تباع بنحو ألف دينار ما يعادل نصف دولار، وبهذا أصبحت هذه الدكاكين التي تحاول اضفاء طابع رصين على عملها من خلال تسمية "مكاتب" من أنشط مراكز القرصنة على النتاج السينمائي والموسيقي والمعلوماتي في مناطق العالم المختلفة، حتى ان اصحابها يتباهون بامتلاكهم أبرز تقنيات "استنساخ" أحدث ما ينتجه العالم على اسطوانات الليزر المضغوطة. ولم توفر هذه الدكاكين "المكاتب" الأسطوانات وحسب، بل انها تؤجر جهاز التشغيل أيضاً، ويفيد صاحب أحد الدكاكين لصحيفة "الزوراء" الأسبوعية الصادرة في بغداد: "نقوم بتأجير جهاز التشغيل والأقراص مساءً وحتى صباح اليوم التالي في مقابل مبلغ 2000 دينار وأخد مستمسكات من المواطن وهي هويته ورقم البطاقة التموينية وبطاقة السكن وغيرها، وفي حال التأخير عن موعد التسليم نحتسب غرامة تأخيرية بسيطة". وفيما يرى أحد الباحثين ان توجه الشباب العراقي الى تقنيات المعرفة المتطورة، دليل على ان "التطور التكنولوجي يفرض نفسه مهما تعاظمت أساليب الحصار في عزل العراق"، ويقول آخر "أصبحت عمليات بيع أجهزة وأقراص الCD وشرائها ظاهرة في العراق، وأخذت المكاتب تنتشر في شكل كبير. وهي خطوة جيدة إذا ما استخدمت في شكل صحيح وفرضت على المكاتب تعليمات صارمة في البيع والاستنساخ والتأجير، ولكنها تكون في غاية الخطورة إذا استخدمت عكس ذلك وروجت لمسائل غير أخلاقية، وتضر بالمجتمع". سوق الاسطوانات المضغوطة لا يتضمن البيع أو الشراء بل التبادل أيضاً، فإنك قد تأخذ ما تحتاج اليه في مقابل اسطواناتك التي ترغب في تجديدها، والمكان الذي يحتضن السوق هو في "الباب الشرقي"، أبرز معالم العاصمة العراقية والمكان الأكثر ضجيجاً فيها، ويرى أحد الذين يتجولون في السوق لمعرفة هذا العالم "الالكتروني" العجيب والغريب عليه "هناك ناحية جيدة في وصول التكنولوجيا الى بلادنا، ولكن من ناحية أخرى، أخذت تطغى مكاتب بيع الاسطوانات على محال بيع السلع الغذائية والمنزلية، فقد تحول مخزن بيع المواد الغذائية في منطقتنا الى مكتب لبيع الاسطوانات، وهذا سهل في لهو الشباب وانصراف طلاب المدارس عن واجباتهم، وتبديد المصروف اليومي على أفلام الرعب والاثارة". "أفلام الإثارة وبعض البرامج السياسية التي لا تتوافق مع الخطاب الرسمي العراقي، تطاردها أعين الرقابة"، ويؤكد أصحاب المكاتب "نحن نعمل وفق أنظمة وتعليمات ولدينا اجازة عمل ونلتزم الضوابط الاجتماعية والأخلاقية في مجتمعنا، ولن يجد المفتشون عندنا ما يسيء الى المجتمع والذوق العام"، لكنه يشير الى "أشخاص طارئين على المهنة" يبيعون "الأفلام التي تخدش الحياء العام في كل يوم على الأرصفة". ويتمثل دور الرقابة في جولات التفتيش الدورية على مكاتب بيع الاسطوانات وتأجيرها، وفي حال العثور على مواد فيلمية مخالفة، يغلق المكتب ويغرم صاحبه مالياً وأحياناً يحال الى القضاء. الاخصائي في البحث الاجتماعي الدكتور عباس فاضل يشدد على دور الرقابة مؤكداً ان "أي ضعف في الرقابة أو تهاون يجعل من هذه الوسيلة المهمة للبحث والمعرفة اسطوانات CD أداة هدامة في المجتمع. كذلك أحذر من الاستخدام الخاطئ لهذه الأجهزة من خلال جلب أفلام تسيء الى أخلاق المجتمع وتهدم الأسرة". عراقيون في عمان ينصحون الباحث عن الاسطوانات الرخيصة والجيدة بالاتصال مع سائقي السيارات العاملة على خط بغداد - عمّان، وبالقليل من الدنانير الأردنية يمكن الحصول على موسوعات في اللغة العربية وأمهات كتب التراث، وآخر الانتاجات السينمائية والموسيقية، ولا يتطلب أمر الحصول على مثل هذه الاسطوانات، غير الانتظار لأسبوع هي الفترة التي سيعود فيها السائق من بغداد محملاً بما تريد من الاسطوانات الرخيصة. المصادر الأصلية للأسطوانات تصل من تركيا، ايران، والامارات، ويتكفل مهندسون عراقيون في "استنساخ" الاسطوانة الأصلية الى آلاف النسخ المقلدة اعتماداً على سعر مخفض للأسطوانة الفارغة الخام. كما يسعى مهندسون آخرون الى تطوير تقنيات يمكن عبرها خزن المراجع العلمية المعتمدة في الدراسة الجامعية الأولية والعليا، حيث يمكن تقليب صفحات تلك المراجع عبر جلسات مع الكومبيوتر، الذي يظل هو الآخر رخيص الثمن مقارنة مع الدول المجاورة، فأجزاؤه معفاة من الضرائب، وهو يستورد اجزاءً وهذا ما يجعل كلفته أقل مما لو كان جهازاً متكاملاً ومن انتاج شركة معينة. وعلى رغم مخاوف الباحث الاجتماعي الدكتور عباس فاضل مما يوفره رخص ثمن اسطوانة الليزر المضغوطة من وسيلة سهلة لوصول الأفلام الإباحية ومواد التسلية غير البريئة الى قطاعات الشباب العراقي، إلاّ ان مواطناًَ عراقياً من الذين "أدمنوا" الوقوف والتمحيص في جنبات سوق الاسطوانات في "الباب الشرقي" يقول ان "الشباب العراقي وخصوصاً المثقفين والمتعلمين منهم يهتمون بالاطلاع من خلال ما توفره هذه التكنولوجيا المتقدمة، لزيادة ثقافتهم"، مؤكداً ان "ما يتنافى مع الأخلاق موجود في المجتمع أكان مع هذه الاسطوانات أو من دونها".