الفصل الأخير من فيلم ستيفن سبيلبرغ المبكر "مبارزة" يصوّر شاحنة ضخمة تتعقب رجل أعمال صغيراً في سيارة حمراء قديمة، وتتقدم نحوه بكل قوتها على طرق جبلية ملتوية. في حيرته وخوفه يكسر رجل الأعمال دنيس ويفر حاجزاً خشباً، وينطلق فوق مرتفع تراب ممتد. تلحق به الشاحنة التي لا نرى سائقها، لكنه ينقذ نفسه بالخروج من سيارته في اللحظة الأخيرة. انها اللحظة التي تدرك فيها الشاحنة أنها خسرت المعركة، اذ تفاجأ بهوة سحيقة تلي حافة ذلك المرتفع، فتهوي الى القاع مثل وحش أدرك موته. ديناصور هلك وهذه هي أصوات أنفاسه الأخيرة. رمزيات كثيرة أطلقت على تلك الشاحنة وضحيتها: انها السلطة ضد المواطن البسيط، قال البعض. بل هي الشيطان ضد الانسان، قال البعض الآخر. وأكثر انها المجتمع بأسره وهو يسحق المواطن - الفرد، بحسب بعض ثالث. وكله ممكن لكن هناك تفسيراً آخر: تخيل الشاحنة هوليوود، ودنيس ويفر المشاهِد، وابقِ على الجبل والهوة وقعر الوادي... تجد أمامك صورة لما يحدث الآن في مدينة السينما... هوليوود تنتحر، قد لا يبدو عليها ذلك، لكنها وصلت الى حيث لا تستطيع المضي الا بإلقاء نفسها في الوادي. وإلى ثقل ما تجسده من صناعة وتسويق، وحجمها الكبير، فإن اصطدامها سيخلف ضجيجاً كبيراً وغباراً عالياً، بل قد يحدث، على غرار ما في بعض الأفلام، بحركة "السلو موشن" التصوير البطيء اي أنه قد لا يتبدى هذا العام، لكن دلالاته بدأت بالتأكيد، وهذا الصيف تحديداً. الأول لأيام فقط منذ مطلع الصيف، الفصل الذي تنتظره هوليوود على أحر من الجمر لتقدم خلاله كل ما لديها من انتاجات تجارية، فيلمان فقط تمسكا بالمرتبة الأولى أكثر من أسبوع، هما "المومياء تعود" و"بيرل هاربور". في الأسبوع الأول حقق فيلم المخاوف من كل شيء مصري 84 مليون دولار، وفي الثاني هبط حجم الإقبال عليه الى النصف تقريباً 41 مليوناً و721 الف دولار، وفي الثالث اضطر إلى مغادرة الموقع الأول لمصلحة الفيلم الكرتوني "شْرْك"، ليكون مجموع ما حققه، حتى الآن، في الولاياتالمتحدة 201 مليون دولار، ونحو 240 مليون دولار عالمياً. "بيرل هاربور" حط بقوّة أعلى، فسجل في الأسبوع الأول 89 مليون دولار، ثم خسر 55 في المئة من زخم المفاجأة في الأسبوع الثاني، فسجل 40 مليوناً، لكنه بقي في المركز الأول. اما في الأسبوع الثالث فهبط الى المرتبة الثالثة، ليحل "سووردفيش" التشويقي في المرتبة الأولى. ومجموع ما حققه الفيلم الحربي - الرومانسي أميركياً حتى الآن 194 مليون دولار، وعالمياً 185 مليوناً. باقي الأفلام التي احتلت المركز الأول في الايرادات الأميركية هذا الصيف، مثل "شرك" و"سووردفيش" و"لارا كروفت: غازية التابوت" و"ذكاء اصطناعي" و"قطط وكلاب" و"شقراء قانونياً" و"جوراسيك بارك 3" وسواها، فعلت ذلك أسبوعاً واحداً فقط، قبل أن يأتيها غازٍ جديد يطيحها سريعاً ويحتل مكانها، على غرار الحركات الانقلابية في الستينات. ليست السيولة في أزمة حادة. فالايرادات في نهاية المطاف هي أعلى من تلك التي سجلها الصيف الماضي بنسبة 20 في المئة، على ما تورد إحصاءات مبكرة، والكثير من الأفلام نفذ من خانة الخسارة، ماراً بخانة المقبول، الى خانة الربح الأكيد. لكنها المرة الأولى في تاريخ العروض الأميركية تفشل الأفلام، في معظمها، في الحفاظ على مكاناتها بمثل هذه السرعة... كما لو أن الجمهور يقلب صفحات المجلة التي يشتريها مكتفياً بمشاهدة الصور. لا شيء يرسخ، ولا شيء يدعو إلى التأمل، ولا شيء يعجب. الوهلة الأولى هي كل شيء، لأن الثانية هي النهاية. واحد، إثنان... ثم لا شيء. الأنجح في التاريخ ليس ارتفاع كلفة صنع الأفلام ما دفع هوليوود إلى محاولة التوفير في الإعلان عنها. على العكس، فالإعلان في الصحف وعلى شاشات التلفزيون لا يزال شديداً، وهناك عشرات الملايين من الدولارات تتكبدها كل شركة عاملة في هوليوود في هذا المجال وحده، كل عام. وحتى بعد عرض الفيلم في الصالات، تحاول شركات الأفلام ابقاء شعلة الاهتمام به متقدة، ملاحظة في اعلاناتها أن الجمهور بات يقبل على الأفلام الكبيرة أحياناً لمجرد أنها كبيرة، بصرف النظر عن قيمتها، او هل هذا الكبر - كما هي الحال في الواقع - مجرد تخمة لا تحتوي شيئاً قيّماً. هذا الأسبوع، الإعلان عن فيلم "ساعة زحام" يصرخ: "أكبر افتتاح لفيلم كوميدي في التاريخ!". "أكبر افتتاح لأي فيلم في آب اغسطس". اما الإعلان عن "كوكب القردة" الذي خسر 60 في المئة من حجم الإقبال عليه في اسبوعه الثاني فحمل العبارات الآتية على صفحتين: "أكبر ثلاثة أيام خارج العطل في التاريخ" اي أنه حقق أعلى ايراد في أي ثلاثة أيام خارج أيام الأعياد. "أكبر افتتاح في الأرجنتين هذا العام". "أكبر افتتاح في البرازيل في التاريخ". "أكبر افتتاح في السويد هذا العام". وهذه ليست سوى نماذج لفيلم سجل في ثلاثة عشر يوماً 164 مليوناً و894 الف دولار، لكنه لم يستطع المكوث على القمة أكثر من أسبوع. ما يحدث هو أكثر من مجرد منافسة تطيح فيلماً وتعزز وضع آخر. في الماضي غير البعيد، كان الفيلم الناجح يمكث أسابيع كثيرة. صحيح أن حالات الاستبدال السريعة كانت تقع، لكنك تجد، اذا ما عدت الى الوراء عاماً او اثنين، أن عدداً لا بأس به من الأفلام تصدر المركز الأول أكثر من ثلاثة أسابيع متوالية. ولكن أن تخسر الأفلام الأولى أكثر من نصف حجم الاقبال عليها، وهي لا تزال في نهاية الأسبوع الأول، فذلك غريب حتى على فهم محللي الصناعة هنا، وهم يراقبون الجمهور كما لو كان حشداً من المهاجرين يتجه إلى فيلم واحد فقط في الأسبوع، هو الذي يحظى بالمقدار الأكبر من الاهتمام، ثم يتركونه الى فيلم آخر... وهكذا من دون أن يسعى كثر في الأسابيع اللاحقة إلى مواصلة الزحف في اي إتجاه. مشاهد غير عابئ صنعت هوليوود الوحش الذي أرادت: جمهور مشبع بالحاجة إلى استهلاك غرائزه المسطحة. جمهور يعيش على المؤثرات البصرية الضخمة، حركة الكاميرا السريعة، الإيقاع المتوتر، الخدع الأكبر حجماً من السابق، القصة التي لا تتوقف لتبرير حدث بل لطرحه كما لو أن التبرير يستدعي التفكير، والتفكير هو الأمر الثمين المفقود. ما صنعته هوليوود على امتداد سنوات، بفضل رجال أعمال عاملوا السينما مثل اي بضاعة تسويقية تغزو الأسواق التجارية - أو أقل من ذلك احياناً - هو تكوين مشاهد لا يعبأ للبحث عن صلة أخرى للفيلم سوى الاستمتاع. الغاية لم تعد التسلية فقط، بل دونها. انها استخدام كل ما يمكن الفجاجة في الدراما، التهريج في الكوميديا، العنف في الأكشن، المؤثرات التقنية في كل شيء لجذب دولاراته من جيبه الى "شباك التذاكر". قطع تذكرة، صرف مال أكثر لشراء "البوب كورن" و"الكولا"، ثم دخول عالم يصفعه برداءته حال معظم الأفلام الكبيرة فلا يبالي. في "الويك إند" المقبل هناك فيلم جديد من النوع نفسه سيذهب لمشاهدته. في الميزان ايضاً ما هو أكثر أهمية بالنسبة إلى هوليوود من غياب الارتقاء بالنوعية. ففي مطلع آب أغسطس الجاري، أعلنت إحدى شركات الصالات الكبرى في أميركا الإفلاس رسمياً هناك 33 الف شاشة عرض سينمائي عام في الولاياتالمتحدة، وأحد الأسباب التي أوردتها أن "الأفلام الجديدة تتوالى سريعاً ما يجعل من المُكلف استخراج ربح كاف منها". وبكلام آخر، فإن ما يحدث هو الآتي: حين يحط فيلم جديد في الأسواق الأميركية، فإن شركات التوزيع - الإنتاج أو الاستوديو اختصاراً، تأخذ نسبة قدرها 60 في المئة في الأسبوعين الأوليين. في الأسبوع الثالث والرابع تنخفض نسبتها الى 50 في المئة - اي بالتساوي مع نسبة الصالة العارضة. في الأسبوع الخامس وما بعد تنخفض النسبة الى 40 في المئة، بينما ترتفع عائدات الصالة الى 60 في المئة. عندما يتم تقليص عمر الفيلم لأن هبوطه السريع من المركز الأول بعد اسبوع واحد من اطلاقه ليس سوى تمهيد موجز لاختفائه في شهر أو نحوه، فإن حصة الصالات تتقلص، بينما يحظى الاستوديو بحصة الأسد من كل تلك الملايين المسجلة. أيضاً هناك العامل المهم الثاني: كل هذه الملايين المسجلة لا تعني أن الاقبال اساساً أفضل منه من الأعوام السابقة، ولو تجاوز مجمل ايراد نهاية العام الجاري مجمل ايراد كل عام سابق، لأن سعر التذكرة قفز من سبعة دولارات الى عشرة و12 في نيويورك. هذا يعوّض ما بدا ملحوظاً في السنوات الخمس الأخيرة من تقلص رغبة قسم كبير من المشاهدين، خصوصاً الذين تجاوزوا سن المراهقة، وتعريض أنفسهم لأفلام هوليوود. صنع في أميركا عالمياً، المشاهد الذي يرتدي الآن البزة نفسها التي حاكتها هوليوود لمشاهدها المحلي ويقبل عليها، معتبراً نفسه يعيش عصره على أفضل وجه، لا يشعر بحجم ما يدور كما يشعر به غيره. من بعد، تتكوّن الصورة على شكل أفلام اميركية تغزو العالم من كولومبيا الى باكستان ومن بيروت والقاهرة الى باريس وواغادوغو. الموزعون المحليون هم ايضاً يبغون استثمار هذا الاهتمام ما يعكس السبب الذي من أجله لا يشاهد رواد السينما العرب الا أفلاماً أميركية هذه الأيام. حتى الاقبال على الأفلام الهندية، التي كانت منافساً حقيقياً للأفلام المصرية، هبط وانحصر في جمهور، معظمه من العمّال الهنود في منطقة الخليج العربي. أما الأفلام المصرية نفسها، فالنجاح بينها هو مهمة فردية ذات احتمالات متباعدة، أكثر مما كانت في أي وقت مضى. باريس لم تحظ هذا العام بفيلم فرنسي تبوأ المركز الأول الا مرات معدودة. حتى فيلم "طارد الأرواح" إعادة عرض للفيلم الذي أخرجه ويليام فريدكن في السبعينات احتل المرتبة الأولى في باريس، أسبوعين متواليين هذا العام. في لندن، الحال أسوأ. فقط على نحو متباعد يمكن ملاحظة فيلم من صناعة محلية يخطو الخطوة الأبعد احتمالاً فيحط في المركز الأول. وهذه الأيام تحديدا، فإن كل ما هو معروض في الأسواق الكبرى باستثناء اليابان والصين، أميركي. انه "قبلة التنين" في باريس، و"كلاب وقطط" في لندن، و"جوراسيك بارك" في برلين، و"مفكرة بردجت جونز" في سيدني، و"سوردفيش" في جوهانسبرغ. الأفلام العشرة الأولى في باريس، الأسبوع الماضي، ضمت تسعة أميركية وفيلماً فرنسياً واحداً. والعشرة الأولى في المانيا احتوت تسعة أميركية وفيلماً المانياً واحداً. اما العشرة الأولى في لندن فكلها أميركية. ولا عجب أن تورد الأنباء أن صناعة الفيلم البريطانية متوقفة تماماً هذا الشهر، ليس بسبب الإجازات مطلقاً، بل لحال من عدم الوثوق من جدوى إنتاج محلي مكلف، ولا يثير اهتمام اي موزع كبير حتى ضمن سوقه هو. السلاح القاضي من ناحية هو نجاح ثابت للسينما الأميركية، ومن ناحية أخرى، وبالربط مع ما يحدث هذا الصيف من حالات انتحار متوالية، هو مشهد ما قبل الإنفجار، عندما ينتفخ الوحش الى أكبر مقدار يستطيع قبل أن ينفجر. في السينما، رأينا هذا المشهد مراراً ولا شيء يمنع الآن، وقد وصلت هوليوود الى حيث لم تعد تستطيع الاستمرار، الى هذه النقطة. كلفة الانتاج ترتفع في استمرار، والاقبال مهزوز في استمرار ايضاً. الأفلام الكبيرة لا تستولي على زبائن أكثر من اسبوع واحد او قل "ويك أند" واحد، ما يهدد الأفلام بخسائر فادحة. فيلمان او ثلاثة لشركة كبيرة مثل "فوكس" او "وورنر" او "يونيفرسال" ليس ذا شأن، لكن خمسة منها كافية لطرد كبار رؤسائها. أكثر من ذلك قد يهددها بالضمور. في طيات كل ذلك، يحلو للبعض محاولة معرفة اي من الممثلين الذين حققوا الاقبال الأعلى هذا الصيف. والجواب هو: سام نيل عن "جوراسيك بارك 3"، مارك وولبرغ عن "كوكب القردة"، براندون فريزر عن "المومياء تعود"، بن أفلك موجود الآن في المصح من كثرة الشرب عن "بيرل هاربور". لكن ما من ناقد او منتج او مجرد مراقب يدري أن لو جده كان بطلاً لأي من هذه الأفلام لحقق الفيلم رواجاً، اذ أن الناس، في غالبيتها المسيّرة، توجهت إلى مشاهدة البطل الحقيقي المشترك فيها جميعاً: مؤثرات الكومبيوتر. هذا هو السلاح الذي شهرته هوليوود على مشاهديها لترفع حصصها منهم، وهو السلاح نفسه الذي سيرتد ليصيب حامله.