عن دار رسلان للنشر - دمشق - صدرت مجموعة شعرية جديدة للشاعر العراقي منعم الفقير الذي يعيش في كوبنهاغن، تقع المجموعة في 136 صفحة من القطع المتوسط، وتشكل إضافة شديدة العمق الى مجموعاته السابقة التي كان أولها "بعيداً عنهم" 1983. تتميز المجموعة الجديدة بغنائيتها الرقيقة ودفقها الفلسفي حيث الموضوعات كونية ينحاز اليها القارئ بما يشبه الكشف. تبدأ أغنيات منعم الفقير بقصائد موجزة عن "الغرفة"، الوطن الأول للكائن والسجن الأخير له. "تحكم الغرفة/ إغلاق الباب والنافذة/ هدوئي ينضم الى هدوئها/ لنتفرغ معاً لهذا الصمت". على ان المدهش في قصائد البدء كما الحال في الختام هو تلك الأناقة التي يضفيها الشاعر على الأشياء التي تأخذ انفعالات بشرية لشدة احتفائها بالحياة في مقابل اللامبالاة التي يبديها البشر ازاء العالم النابض بالدهشة، "في الشرفة المتطلعة/ كرسيان صبوران/ وطاولة قنوع/ عليها فنجانا قهوة متوجسان/ الأول ينتهي للتو/ الثاني يستغيث بالرائحة". هذه الحركة لرسم الأشياء التي نظنها جماداً تعبير مأسوي عن هروب الانسان من انفلات رغباته الأكيدة، فالشرفة هي التي تتطلع الى الفضاء، والمتوجس هو فنجان القهوة، والصبر ينداح الى الكرسي، فيما تقبل الطاولة حدود القناعة. والغرفة تحيل الى "المرآة - الجزء الثاني من قصائد من المجموعة - حيث الهوية الأخرى للكائن، أو الوهم الآخر و"التجاعيد" تهمة المرآة". هنا، تصبح المرآة حقيقة الكائن القادر على تدوين اعترافاته حيث "لم تعد المرآة كتومة/ كل صباح/ تُفشي تجعيداً جديداً". ثم تأتي "الطريق" والخطوة الحائرة فيتساءل "أين أعثر على طريق / يحن الى قدمي/ ويحلم بوقع خطاها". إن هذا الالغاء اللفظي للكائن ليس سوى محاولة لرؤية قضايا الكائن التي تعبر بقصائد الفقير عن وجودها الصارخ وألفتها المدهشة، وتستريح لاعترافاته الأبدية الشديدة الصدق "أنا وسيلة/ فيما الطريق غاية". وتومئ بابتسامة موحية حين يقول "كل طريق يطوى بالخطوة إلا ذلك الطريق المؤدي إليّ". أما "الشجرة" فهي أولى علامات الطريق، بها يصبح التحديد ممكناً. "تتقدم مني الشجرة / تقف ازائي / تتحداني/ بورداتها اليانعة/ تنتصر على هزيمتي بالرائحة"، إنها رغبة الشاعر في الحلول في روح الأشياء: الشجر والطريق والشرفة ثم البحر الذي "يحدق بي/ هذا البحر المتحفز/ كأنني مطلوب له بنجاة". بعد ذلك يمضي منعم الفقير الى مناطق الحزن والفرح "أنا منطقة نزاع/ يتنازع عليها/ حزن منزوع أنا عليه/ وفرح منزوع أنا عنه". وهكذا يوغل الى اسرار الموت ويلاطف ذلك "النبيل" الذي يعلن سطوته المطلقة، كل ذلك بصوفية واجدة، صوفية انسانية ليس لها علاقة بالغيبية "أنا الحي الميت/ أينما/ أحيا يحيا/ على حياتي موتي". لعلها نظرة خائفة على "نادراً" لا يمكنها أن ترتوي إلا بالصمت الذي يمارسه قارئ النص وهو يتأمل أناقة الكلمة النافذة الى عمق غايتها، وهذه الأسئلة الكونية الكبرى التي تحاول أن ترى قامة الانسان أمام حقائق وجوده وخطواته العابثة. علّ منعم الفقير ينهض بقصائده الى قمة تحدي الذات ويخرج عليها بالكلمة الساحرة والصورة التي تبعث على الدهشة التي هي محك الشعور بالحياة، منعم الفقير شاعر في حجم القصيدة العظيمة، القصيدة الكونية التي لم كتبها سوى القلة القليلة من شعراء العالم، إنه يهزنا من الأعماق إذ يسير في ثنايا الجميل والموحش النابض بالحياة والذاهب عنها، المتلهف الى لحظة الفرح المسروق من أنصاف الحياة، وهو بمقدار تواضعه يصعد مع كل قصيدة من قصائدة الى حافة الشرفات ويسأل "ما الذي/ يجعل الجبل جبلاً، غروره/ أم تواضع الأرض". لعلّنا نقرأ قصائد منعم الفقير بفرح انساني عظيم واعتراف بشاعر يمتلك حصانة الجمال ونجد له مكانة على خرائط قلوبنا تضاهي الفرح بالقصيدة العالية.