مثلما برزت مفاهيم جديدة في عالم اليوم كانعكاس لتطورات سياسية واقتصادية دولية كبرى، نشأت "العولمة" بكل ما أحدثته من تباين في الرؤى التي تفاوتت بين القبول والرفض والتحفظ. وبدا أن "دور المستشار القانوني في صناعة القرار السياسي" لأي دولة أصبح محل اهتمام عالمي. وكان أبرز دليل الى ذلك اصدار منظمة الأممالمتحدة مجلداً ضخماً قدم له الأمين العام للمنظمة كوفي أنان أخيراً تحت عنوان "دور المستشار القانوني للدولة ومدى تأثيره في صوغ سياستها". هذا المجلد تضمن 27 دراسة لنخبة من القانونيين في العالم بينهم ستة ينتمون الى دول آسيوية وأفريقية وواحد من الدول العربية هو الدكتور جاسم بن ناصر ال ثاني مدير ادارة الشؤون القانونية في وزارة الخارجية القطرية. وعلم أن رئيس اللجنة القانونية في الأممالمتحدة طلب اعداد هذه الدراسة لمناسبة دخول البشرية الألفية الثالثة. وتنبه الدراسة القطرية الى مشكلات تواجهها الدول الصغيرة أثناء وقوفها أمام محاولات الدول الكبرى للسيطرة عليها، أما باخراج قضايا حقوق الإنسان من مفهوم الشأن الداخلي للدولة الى الحماية الدولية، وأما بنظام الحكم الديموقراطي، وأما بمحاولة السيطرة حتى على الدول عبر المفاوضات، كما هو واضح في عملية السلام في الشرق الأوسط. ولفتت الدراسة التي تولت توثيقها ونشرها الأممالمتحدة الى "بدء عهد جديد من الحكم الديموقراطي في دولة قطر بقيادة أمير الدولة الشيخ حمد بن خليفة ال ثاني. وتناولت الأفكار الرئيسية فيها موضوع "حقوق الإنسان". وقالت إن ميثاق الأممالمتحدة دعا الى احترام حقوق الإنسان والعمل على ممارستها في المقدمة والمواد ال 55 وال 62 وال 68 وال 76. وقد طبقت الدول هذه الحقوق على أساس وجوب الفصل بين ميثاق الأممالمتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948 من جهة، والاتفاقات الدولية التي جاءت تحدد هذه الحقوق خصوصاً اتفاق الحدود المدنية والسياسية واتفاق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، عام 1966 من جهة أخرى. وشددت الدراسة القطرية على أن ميثاق الأممالمتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يذكرا سوى المبادئ، وأن التزام الدول هذه المبادئ مستقل تماماً عن الشكل الذي حددت فيه تفاصيلها، إذ أن الاتفاقات التي تضمنت تفاصيل هذه المبادئ تضمنت في الوقت نفسه قيوداً، على رأسها "الأمن القومي" و"النظام العام". وجعلت تنفيذ هذه الحقوق شأناً داخلياً محضاً، باعتبار أن القيدين المذكورين يعود أمر تفسيرهما الى كل دولة على حدة، والى النظام السائد فيها. وترى الدراسة أن خلاصة القول في هذا الإطار إن الوثائق القانونية الدولية أنشأت حقوق الإنسان، إلا أن ممارسة هذه الحقوق بقيت حتى السنوات الأخيرة شأناً داخلياً يخص كل دولة إلا أن تطوراً حصل في السنوات العشر الأخيرة أدى الى اخراج حقوق الإنسان من مفهوم الشأن الداخلي للدولة الى الحماية الدولية، عبر ربط ممارسة حقوق الإنسان بالأمن والسلم الدوليين، وبكلام آخر فإن الدولة التي تخرق حقوق الإنسان إنما هي تهدد الأمن والسلم الدوليين، لذلك وجب على المجتمع الدولي التحرك لإزالة هذا التهديد. وتقول الدراسة إن هذه المشكلة هي من المشكلات الأساسية التي يرى المستشار القانوني في أي وزارة خارجية لدولة صغيرة وحديثة نفسه عاجزاً أمام التأثير في صانعي القرار للعمل على تطبيق حقوق الإنسان بتفاصيلها كما وردت في الاتفاق الدولي، لسبب بسيط هو أن العمل على تطبيق هذه الحقوق يجب أن يبدأ بدرس العوامل الثقافية والاجتماعية والدينية والعادات والتقاليد في المجتمع، بهدف ايجاد مفهوم عام، يجمع بينها وبين حقوق الإنسان وبكلام أدق فطريق الوصول الى ممارسة حقوق الإنسان لا يمكن السير عليها إلا تدريجاً كما ترى الدراسة. وكان "نظام الحكم الديموقراطي" من أبرز ما تضمنته الدراسة القطرية ويقول الدكتور الشيخ جاسم بن ناصر ال ثاني مدير الشؤون القانونية في وزارة الخارجية "إن ما قيل عن حقوق الإنسان ينسحب أيضاً على نظام الحكم الديموقراطي الذي هو محور كل الحقوق فالنظام الديموقراطي لا يمكن الوصول اليه إلا بالتدرج. وفي هذا المجال لا بد من ذكر ما يقوم به سمو الشيخ حمد بن خليفة ال ثاني أمير دولة قطر الذي يسير بثبات وعزم شديدين، ولكن بالتدرج نحو تطبيق حقوق الإنسان في المجتمع القطري في شكل لا يتعارض مع الدين الإسلامي الحنيف الذي هو دين الدولة. وقال إن أمير الدولة "يسير أيضاً نحو تركيز حكم ديموقراطي أرسى سموه لبنة من لبناته في الأجل القريب، عندما أصدر قانون انتخابات جديد أعطى فيه حق الترشيح والانتخاب للمرأة القطرية في الانتخابات البلدية، واتبعه بقانون شكّل بموجبه لجنة مهمتها وضع دستور مكتوب جديد للبلاد، ومن هنا فإن توجهات القيادة القطرية وجدت طريقها من خلال صياغة هذا المفهوم في قوانين منظمة". وتحدثت الدراسة القطرية التي اختارتها المنظمة الدولية للنشر في مجلد كبير عن "عملية السلام في الشرق الأوسط". ولفتت الى "ان هناك مفارقة واضحة بين الدول الأوروبية في النظرة الى القانون الدولي من جهة والولاياتالمتحدة في النظرة الى هذا القانون من جهة أخرى. فالدول الأوروبية تنظر الى القانون الدولي كمجموعة قواعد محايدة وضعت لتنظيم العلاقات بين الدول، بينما تنظر الولاياتالمتحدة الى هذا القانون كعملية صنع قرار خاصة ومتخصصة. وهذا الفرق بين النظرة المبنية على القاعدة، والأخرى المبنية على السياسة يقود الى اتجاهات مختلفة في السياسة الخارجية كما هو واضح في مقاربة كل منهما لعملية السلام في الشرق الأوسط". وتقول الدراسة إن الدول الأوروبية ترى في القانون الدولي مجموعة من القواعد المحايدة التي يجب تطبيقها على الوقائع المعنية في عملية السلام في الشرق الأوسط، بينما ترى الإدارة الأميركية في عملية السلام عملية سياسية قانونها هو ما يتفق عليه الأطراف المعنيون". وخلصت الدراسة في هذا المجال الى أن لا بد من الإشارة الى أن جزءاً واسعاً من القانون الدولي العام لا يتناول الحرب والسلام وحقوق الإنسان فحسب، بل أن المستشار القانوني في وزارة الخارجية يطبق أيضاً قواعد القانون الدولي في الممارسة اليومية لعمله خصوصاً في مسائل الضرر اللاحق بمواطني الدولة في الخارج، واستقبال الأجانب وأبعادهم، وتسليم المجرمين، ومسائل الجنسية، وتفسير نصوص المعاهدات والاتفاقات التي عقدتها الدولة في شؤون الاقتصاد والمال والتجارة والطيران المدني وغيرها. ويبدو من خلال اهتمام الأممالمتحدة بنشر دراسة من هذا النوع أن دور المستشار القانوني في رسم السياسة الخارجية للدول أصبح أكبر مما كانت عليه الحال في سنوات سابقة، وهذا معناه أن هذه الدراسة تلقي الضوء على صعوبات الانتقال من مجتمعات حددت سلوكها الدولة الوطنية السيدة بقواعد قانونية وضعت منذ 50 سنة أو أكثر الى مجتمع جديد يقوم على أساس المصلحة والتكامل أو العولمة التي يراها بعض الناس أنها ضد الدولة كوحدة وطنية سيدة، كما قال ل "الحياة" مصدر مهتم بهذه القضايا. وعموماً فإن هذه الدراسة التي تنشر "الحياة" أبرز أفكارها تلقي الضوء على مشكلات يواجهها المستشار القانوني في أي بلد لاقناع حكومته بالتعامل مع عالم تنظمه "العولمة" بدلاً من عالم تنظمه قواعد محايدة وضعتها الدولة السيدة منذ سنوات عدة، وتعد أول دراسة خليجية عربية نشرتها الأممالمتحدة مع دخول القرن الجديد ما يؤثر بدوره أيضاً الى طبيعة التحولات الإيجابية التي تشهدها قطر الآن. والتي تتضح من خلال سعي الدول المستمر الى تعزيز المشاركة الشعبية وبناء دولة المؤسسات التي يؤدي فيها القانونيون دوراً ريادياً.