غولتين آقين، اسم مهم حمل صوت المرأة وعالمها الى الشعر التركي المعاصر، حيث عدد الشاعرات ليس قليلاً. لكن قلة منهن نجحت في التعبير، فنياً، عن أحاسيس المرأة ونظرتها الى العالم: مهري خاتون نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، فتنت زبيدة ؟ - 1780، ليلى هانم ؟ - 1847، فتنت هانم 1847 - 1911، نيغار هانم 1856 - 1918، ياشار نزيهة بوكولميز 1880 - 1971. لم يكن ينظر باستحسان حديث الشاعرات عن العشق، واللواتي تناولن بصورة سطحية رغبة العيش المتوازن مع الرجل. هذا النوع من الأشعار للأسماء التي ذكرنا، عُبِّر عنه بالمساواة الجنسية في الأدب ونمط الحياة الذي يتحدّى التقاليد، وبالنماذج ذات الأصل الأجنبي. مهري خاتون وحدها أظهرت اقتناعاً بعدم الزواج وكانت من دعاة الأفلاطونية، في علاقات الحبّ وأشعاره. لم تستطع النساء اللواتي كتبن الشعر باللغة التركية أن يكسرن الإطار الذي حدّد الموضوعات التي تناولنها في العشق الإلهي، والمهام الاجتماعية وحب الوطن. وعندما نضيف الى ذلك عدم الاعتراف للمرأة بإمكانية التعليم ونمط الحياة الذي همّش دور المرأة، لكانت العقبات أمام ابداع المرأة في الشعر واضحة. غولتين آقين، هي واحدة ممن ولدوا وكبروا في ظل الإمكانيات التي أرستها الجمهورية في مجال التعليم. ان حمل هذه الفترة التوازن الى السنوات التي كان الشعر التركي فيها يشهد تحديثاً، والانفتاح الذي وفّرته البيئة على الثقافة الأناضولية المتنوعة، كانت عناصر ضمنت، دون أدنى شك، النجاح لغولتين آقين. حكاية عمر ولدت غولتين آقين عام 1933 في يوزغات وسط الأناضول، في بيئة حملت امكانية تطوير المواهب الشعرية. تقول آقين "أبي كان من باليوز أوغلوغيل وأمي كانت ابنة الخوجا نوري أفندي. أمي كانت من عائلة نبيلة لجهة الأم. خوجا نوري أفندي تلقى العلم في مدرسة. وكان رجل دين متنور أتمّ علمه في اسطنبول. وإذ كان يتلقى "العلوم الدينية"، أصبح مديراً لمكتبة المحافظة مع اعلان الجمهورية. كان محباً للقراءة. وعاشقاً لمولانا جلال الدين الرومي وليونس الشاعر والصوفي التركي يونس أمره، وإذ استمر عشق جدي لأمي الصامت للطبيعة والعلم والفن والشعر، فقد كان منزل والدي يضجّ بالحياة والصخب. أحد أجدادي، وخالي وعمي كانوا يكتبون شعراً. وكان كل واحد في المنزل يتحدث باحترام عن اهتمامات هؤلاء. وكان كل شيء في محيطنا ينضح بالشعر". بدأت علاقة غولتين آقين بالشعر باكراً، وهي التي دخلت المدرسة في سن مبكرة جداً عندما كان عمرها خمس سنوات: "عندما بدأت بالكلام، وجدتني أقرأ الشعر وأنا صغيرة جداً. لم يكن يوافق كثيراً على قابليتي للشعر، لكن هكذا كنتُ وأنا صغيرة. كنتُ أعرف نفسي، وأعمل على قول الشعر بكل وعي. أعتقد أن هذه الموهبة لم تكن وليدة المصادفة. كانت نتيجة إيلاء أهمية كبيرة للشعر في منزل أهلي. عرفتُ نفسي وسط مناخ الأدب الشعبي الأناضولي بأقواله ومعانيه والهياته وأشعاره وحكاياته الدينية، في السنوات التي تعلمت القراءة والكتابة، كنتُ أتعرف على نتاجات مختارة من الأدب. وقد قرأت وأنا صغيرة جداً ما كان غير ممكن لأشخاص كثيرين قراءته. كنتُ عاشقة قراءة. لأنه كان يوجد أخوالي الذين أنهوا التعليم وكانوا يذهبون الى أنقرة للقراءة. وكانت الصناديق القديمة التي تركوها بقيمة الخزينة. كتب من العشرينات والثلاثينات والأربعينات. أنتولوجيا الأدب الديواني، الأنتولوجيا الأولى لشعرنا الجديد. أشعار ناظم حكمت. عندما جئنا الى أنقرة كنتُ في الصف الأخير من المرحلة الابتدائية. كنتُ أظن أن التوتر الأخير الذي يتوصل اليه كل من يقرأ ويكتب الشعر، هو الشعرية. في تلك السنة كتبتُ قصيدتي الأولى. أظهرتُ شجاعة في التخلص، بأربعة أبيات، من وظيفة "الكتابة الجميلة" التي أعطاها المعلّم، "كان تأثيرها في الصف في الواقع مثيراً". الفترة التي أمضتها غولتين آقين من سنوات الجامعة حيث نشرت أشعارها الأولى كانت ممتلئة بالمصاعب: "أمي كانت غالباً مريضة، وكان عدد اخوتي كبيراً، كنا نأخذ الخبز بالبطاقات، رغيفا خبز في اليوم. نمضي صباحات دون فطور، سنوات الدراسة والعمل مرت في مجاعة. أنهيت الثانوية، لكن من جديد بدأت المصاعب والرواتب لم تكن تكفي. وبحثت حينها عن عمل. سقطتُ في امتحان الدخول الى كلية الطب. لكن نجحت في امتحان دار المعلمين العليا. كنتُ سأدرس الأدب. لكن لم أستطع الذهاب. تسجّلتُ في كلية الحقوق. ثم وجدتُ عملاً في وزارة الداخلية، وخلال العام كنتُ أدرسُ مساءً وأستفيد من فرصة نهاية العام لأتقدم الى الامتحانات". القصائد التي كانت تنشرها غولتين آقين في مجلة "فارليق" فتحت أمامها طريق اختيارها شاعرة العام من جانب قراء المجلة. ونشرت كتابها الأول في العام الذي تزوجت فيه من ياشار جانكوتشاك، أي عام 1956، "ساعة الريح". عاما 1957 و1958، أصبح عندها صبيين: مراد وجان. كان زوجها قائمقاماً. آراؤه التقدمية ونظرياته السياسية كانت سبباً لتعيينه في أماكن بعيدة عن أنقرة: "كنا بين 1956 و1959 في أنقرة. ثم كل عام أو عامين كنا ننتقل الى قضاء في الأناضول حتى العام 1973". الفقر الذي شاهدوه في الأقضية التي جالوا فيها، والأولاد الذين أنجبتهم بعد ذلك: آقصو، أونور، دينيز، أثّرت في حياتها وشعرها: "زوجي انشغل بالقائمقامية وأنا بالتدريس، وإذ أتيحت لي الفرصة اشتغلتُ في المحاماة. وقد عملتُ على الجمع بين أمومة خمسة أولاد وما تعلمته من الشعب وأولادي ومن الكتب. ويمكن أن أقول أنني عملت حتى الستينات على أن أعبّر في شعري عن الأحاسيس الفردية لكن، وبسبب الأمومة، أيضاً عن الأحاسيس التي يتقاسمها المسحوقون. لقد اهتميت سابقاً بحياتي الشخصية. عيناي كانتا في داخلي، وُلد أبنائي، كنتُ أريدهم وكنت أحبّهم. ما ان دخلوا الى حياتي، حتى كسرتُ عزلتي التي كنتُ أهربُ اليها وأخفيها. وأضيف شيئاً ضرورياً وهو أن تلك السنوات، كانت السنوات التي عشتُ فيها في أقضية الأناضول، حتى العام 1973. خرجتُ من القضايا الشخصية وتوجهت الى شعبي". الكتبُ الثلاثة الأولى لغولتين آقين، يمكن أن يوصف بأنها "نتيجة وجهة نظر الفعل والعمل": "ساعة الريح" 1956، "قصّيتُ شَعري الأسود" 1960، "في السطح" 1964. هذه الكتب تعكس مشاهد متنوعة من حياة مركزها ال"أنا". لكن تبع ذلك عدة كتب عكست آلام الناس وحبهم وعشقهم، الذي أخذ مكان ال"أنا": "القرنفل الأحمر" 1971، "ملحمة مراش وأوككيش" 1972، "المراثي والأغاني" 1976، "ملحمة سيران" 1979. عكست غولتين آقين في "المراثي والأغاني" أحداث الطلبة عام 1968 والشبان الذين سقطوا خلالها، وعادت الى هذا الموضوع بعد انقلاب 12 أيلول سبتمبر 1980. بدأت محاكمة ابنها مراد جانكوتشاك في المحكمة العسكرية التي حكمته بالإعدام. واكتسب شعر غولتين آقين صفة جديدة، كأم ومحامية، بالمحاكمات التي تم الاحتجاج عليها عبر الاضرابات عن الطعام، ومذكرات المدافعين عن حقوق الإنسان والتي شاركت فيها جميعاً غولتين آقين، فكان صوتها صوت الأمهات المدافعات عن الأبناء والبنات وضد الضغوط والقمع، فكان كتابها الشعري "إلهيات" 1983 وكتابها "اليوم الثاني والأربعون" 1986 الذي روى الاضرابات عن الطعام والزنازين، من الشواهد المهمة على تلك الفترة. وفي العام 1991، نشرت غولتين آقين كتابها "الحب هو الباقي" ضمن المجموعة الكاملة لأعمالها التي أعطتها اسم "سيران" نزهة. وفي العام 1997 نشرت كتاباً بعنوان "ها أنذا أخيراً قد كبرت". نالت غولتين آقين ثلاث جوائز أدبية مهمة "جائزة الشعر من مجمع اللغة التركية" 1956، "جائزة يدي تبه للشعر" 1977، و"جائزة سادات سيماوي" 1992. شاعرة الواقعية غولتين آقين، اضافة الى أشعارها، لها كتابات كثيرة متصلة بالشعر والقضايا الشعرية، أضاءت، كما الأدب الجمهوري، كذلك ما كتبته هي من قصائد. وهي تعرّف نفسها بأنها "شاعرة الواقعية" وتؤمن بضرورة توحّد الشعراء بالناس: "التوحد مع الشعب هو القاعدة الأولى التي تتطلب من كل واحد يجد في نفسه قوة أن يكون مؤثراً ليس فقط في مجال الثقافة الخالصة والكتابة والشعر، بل كذلك في كل مجالات الحياة". وتبعاً لأقين فإن الشرط الأول هو في استفادة الأدب الاجتماعي من الأدب الشعبي: "ان جذر الأدب والشعر الاجتماعي التركي هو أدبنا الشعبي، وشعرنا الشعبي وسائر نتاجاتنا الفولكلورية. موضوعنا هو حياة الناس وحياتنا التي هي جزء من حياة الشعب، والوقائع التي نعيشها. أما هدفنا فهو النهوض، بصورة جدلية، بالأشكال والخصائص الموجودة لدى شعبنا، وإذ ننهض بشعرنا، فإننا نساعد على رفع حياة الشعب وأنماط معيشته". تعرف غولتين آقين الشعر الشعبي، جيداً، بمقدار معرفتها بالشعر المعاصر. واستفادت، في بعض الأحيان، في شعرها، من البنى الموجودة في الملاحم. وتعبّر عن استخدامها هذا بالقول "لقد قمت باختيارات سواء من الأدوات المستخدمة في تركيا عموماً أو من الأدوات الشفوية المحلية. إذ استفدتُ من العناصر الطبيعية واللغوية، فأنا لم أستخدم ولم أكتب الشعر الشعبي، لقد ذهبت أبعد الى المصدر الذي يمتد اليه الشعر الشعبي. أنا لم أقتبس القوالب ولا العبارات. أحياناً ربما أستخدم جملة أشعار، لكنها قليلة جداً". غولتين آقين، شاعرة كتبت، بعين الناس، القضايا التي حملتها، بصفتها امرأة، في المجتمع التركي. شعرها، هو الشعر الذي يتكىء على تقاليد الشعر التركي والقيم الحياتية للشعب. لهذا، فهي ليست شاعرة - امرأة، بل شاعرة معاصرة مهمة.