يسير الفنان التشكيلي المصري محسن أبوالعزم نحو تجسيد القصة المصرية بالمصطلح البلدي «جدعان مصر»، الذين من خلالهم برزت السينما المصرية بريشته، خلاف ما يسير عليه فنانو الجيل الحاضر بأساليبهم الحديثة والأكثر تطوراً. محسن أبوالعزم أحد المصريين العشاق لمصر القديمة بكل حذافيرها، بقصص الحي الشعبي وحكاياته التي غزل منها نسيجاً لتاريخ «أم الدنيا» بطريقة فكاهية تقطع الأنفاس بهجة. لوحاته تلف بالذاكرة يميناً ويساراً، يراها «الستيني» فيضحك، محدثاً نفسه ب«أيام زمان»، أما الجيل الحاضر فينظر إلى لوحاته بنوع من الانبهار والطرافة، لينبت سؤال أساسي: «هي مصر كانت كدا»؟ يستحضر أبوالعزم أفكاره الواقعية بالنزول للشارع المصري، والأحياء الشعبية، والقرى والحواري، يقول في حديث إلى «الحياة»: «هناك رائحة للقصص التي وجدت فيها عشقي، رائحة ذكريات مصر، من هناك ألتقط المفردات، وأصورها في ذاكرتي، أعود لمرسمي، وتحت أنغام الموسيقى يبدأ مشروع لوحة جديدة أرسمها في قالب كوميدي». ويرى في المرأة «مركزاً» لأعماله، ويعتبرها «مصدر الدفء في الحياة»، ويمقتها «حين تتحول عاطفتها إلى قسوة»، فيما كان أبرز داعميه وملهميه والدته، عن ذلك يقول: «تلقيت الدعم من والدتي، لأنني فتحت عيني على الحياة برحيل والدي، فكانت والدتي هي الأم والأب معاً، ووجدت في من يكبرني سناً هيبة ووقار الأب». وعلى رغم بزوغ موهبته في سن باكر، إلا أنه كان مصراً على صقل موهبته بالدراسة، «التحقت بكلية الفنون في القاهرة، بعد أن شاركت في مسابقات عدة، من خلالها كنت أجد دعماً في الحصول على الأوراق والخامات، وكان إصراري على دراسة الفنون سببه الرغبة في تعلم الأساليب الحديثة، وكانت والدتي تشجعني كثيراً على ذلك، لذا تعتبر صاحبة الفضل علي، في إتمام مسيرتي الفنية». من يطّلع على لوحات أبوالعزم يشاهد قصة مسلسل عن حي شعبي لا تنتهي، «قصصي من التراث الشعبي حيث ربيت، ولكوني شديد الحرص والمراقبة، علقت بعض المفردات في ذاكرتي التي ترسم من وحي ما تتذكر أو من خلال مشاهدة الأفلام القديمة، وليس من خلال الصور الفوتوغرافية، فوجدتني أميل لها عشقاً ولا يستهويني سواها، وهو السبب الذي جعلني حتى الآن لا أخرج من عباءة الماضي، فالقديم عشق بالنسبة لي، فيما لا أجد ميلاً للأساليب الأخرى، فالمجتمع يميل لمشاهدة العمل الفني، ولو تناول نقداً ما بطريقة فكاهية جاذبة». وسافر أبوالعزم بعد نيله الشهادة للعمل في ليبيا والسعودية، لكن الأخيرة لها نصيب خاص في خريطة قلبه، إذ عمل في مدينة تبوك معلماً في الكلية المتوسطة. ويضيف: «صحيح أنني طوال فترة عملي هناك لم أقم أي معرض تشكيلي، لكنني لم أكن أنفك عن الرسم، وأقيم معارضي الشخصية أثناء عودتي لمصر». ويحسّ مع كل لوحة يبيعها ب«حزن على رحيل قطعة مني». باع أول لوحاته ب300 جنيه، وأغلاها في مطلع العام الحالي ب10 آلاف جنيه، وهي تعبّر عن مطرب شعبي فاشل أقام الناس ثورة ضده. لكن ما يميز عاشق «أم الدنيا» عن سواه من تشكيليين أن مرسمه خالٍ من أية لوحة، «كل لوحاتي بيعت نظراً للطلب عليها، والسعر ليس مهماً كأهمية الرغبة في اقتنائها». ويرى التشكيلي المصري أن تسويق الفن التشكيلي يرتكز على التقدير وطريقة التسويق، ويتابع: «طرق التسويق والتقدير الذي تحظى بها اللوحات يختلف من بلد إلى آخر، فسعر اللوحة في مصر على سبيل المثال يختلف عن سعرها في أميركا». وعلى رغم كل هذه النجاحات والتميز إلا أنه لم يُقم أي معرض شخصي خارج مصر، لأن الأمر يحتاج إلى اتصالات على حد قوله، معتبراً أنه «غير جيد في مثل هذه الأمور». وزاد: «كذلك الصحافة تلعب دوراً، فالتقدير الذي تمنحه للفنان يحلق به عالياً، وأتمنى أن تنال أعمالي مكانها في دول الخليج، لكونها مهتمة بالفن التشكيلي، وفي فرنسا وإيطاليا عالمياً». واعتبر الفنان الغارق في الشعبية - الذي شارك في كوكبة من المعارض التشكيلية، وقدم تسعة معارض شخصية - حال التشكيل في مصر «متراجعاً»، عازياً ذلك إلى «الظروف القاهرة التي تمر فيها مصر». وأضاف: «لربما تحسنت الظروف مستقبلاً، ليعود الفن التشكيلي إلى مجده كأيام الستينات»، مطالباً ب«إعادة النظر والاهتمام بمراحل التربية والتعليم منذ الفترة الابتدائية، والاهتمام بالموسيقى والتربية البدنية التي بدأت تتراجع في ما بعد، بسبب الزيادة السكانية والظروف التي آلت إلى ذلك». لكن الحظ لم يرافق محسن دائماً، الذي يطمح إلى تمثيل مصر في المحافل الدولية، والعرض في دول الخليج، فبعد أن عرض عليه الفنان حسين بيكار، مشروع كتاب يتحدث عن مسيرته، إلا أن بيكار وافاه الأجل قبل أن يظهر المشروع للنور، ليبقى معلقاً. ويستعد أبوالعزم لمعرضه التشكيلي الخاص ال10 «سيتضمن 11 لوحة من قصص الأحياء الشعبية بأفكار جديدة في قالب ساخر»، لافتاً إلى أن «الصالات الخاصة بدأت تنظر للمكاسب المادية، وغفلت عن نوع الفن الذي تقدمه»، في إشارة منه إلى أن «الأساليب الحديثة الأخرى أثرت سلباً في مسيرة الفن التشكيلي، الذي صار متاحاً للجميع، وليس كما السابق حين كان يضع المضمون في الأولويات».