الزكاة والضريبة: التحصين شرط دخول المنافذ الجمركية ومقار الهيئة وفروعها    صندوق النقد الدولي يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي في 2022 ويشيد بدور القطاع غير النفطي    وزير الإعلام اليمني يؤكد أن موقف السعودية منع انجرار بلاده نحو الفوضى الشاملة    وزير الخارجية يلتقي قائد الجيش الباكستاني    بطل الصين يُنهي مغامرة عمر عصر في طوكيو 2020    50 لاعبا بأكاديمية الدمام بنهاية 2021    9766 جولة رقابية على المراكز التجارية بمنطقة #عسير    أمير مكة يستقبل رئيسي جامعة الملك عبدالعزيز وجامعة أم القرى    فيصل الخديدي: معرض رحلة الكتابة والخط أبرز جمال الفن التيبوغرافي    طلاب وطالبات هندسة جامعة #الملك_خالد يطلقون مبادرة "بودكاست مهندَس"    "الصحة": تسجيل 1334 إصابة جديدة بفيروس كورونا وشفاء 1079 ووفاة 11 حالة #عاجل    أكثر من 126 ألف مستفيد من عيادات تطمن ب #صحة_الباحة    القبض على شخص تحرش بفتاة داخل أحد المراكز التجارية في أبها    مختص في الأرصاد: درجات حرارة عالية على منطقتي الشرقية والرياض    مجلس جامعة بيشة يقر زيادة القبول في المقاعد الدراسية    الفيصل يناقش تحديات موسم الحج وآليات تلافيها في المواسم المقبلة    وزير الخارجية يبحث التعاون المشترك مع قائد الجيش الباكستاني    دعم وزير الرياضة يُحفز تهاني القحطاني    بعد الألماني والإيطالي.. "بي إن سبورتس" تفقد حقوق بث ثالث دوري كبير    تمديد الإغلاق في سيدني الأسترالية 4 أسابيع إضافية بسبب تفشي المتحور دلتا    لجنة "أوبك+" تعقد اجتماعها المقبل في نهاية أغسطس    الرياض تحتضن اليوم المنتدى السعودي للثورة الصناعية الرابعة.. هذه أهدافه    تشغيل شبكات المياه في 6 قرى ببيش بجازان 12 ساعة يومياً    نائب أمير الشرقية يشيد بجهود معهد الإدارة لتحقيق رؤية 2030    منتخب السعودية يودع أولمبياد طوكيو بالهزيمة من البرازيل    أمير تبوك يدشن مشروعات تنموية بقيمة 187 مليون ريال بضباء    الباحة.. سحر الطبيعة وعبق التاريخ    أكثر من 195 مليون إصابة ب كورونا حول العالم    "ديوان المظالم" يوضح كيفية الاستفادة من خدمة تقديم الطلبات القضائية    تعادل السعودية ضد البرازيل بالشوط الأول    أمير الجوف يقف على مشروع نادي القريات    شركة إمداد الخبرات توفر وظائف مؤقتة شاغرة في جميع مناطق المملكة    رسميا .. الشباب يعلن تعاقده مع البرازيلي باولينيو    ارتفاع أسعار الذهب في السعودية.. وعيار 21 عند 189.68 ريال    واتساب تفعل ميزة الأجهزة المتعددة .. تعرف على طريقة تفعيلها ..!    رسميا.. مانشستر يونايتد يضم فاران    رئيس جامعة الطائف يحصن طالبا ضد فيروس كورونا    صورة تاريخية لشارع الملك فيصل بالرياض تعكس نمط العمارة في المملكة قديماً    فتاة تنشر فيديو لشاب يتحرش بها ويلاحقها في مول بأبها.. و"العنف الأسري" يتفاعل    أرقام 3.8 مليار شخص في خطر.. ما حقيقة تسريب بيانات كلوب هاوس؟    محامٍ: يمكن الوصول لأصحاب الحسابات المسيئة بسهولة ولو حذفوا حساباتهم    قائد كلية الملك عبدالعزيز الحربية يشهد تخريج طلبة القوات البرية السعودية المبتعثين لروسيا    الأرصاد: سحب ممطرة على الباحة ومكة والمدينة    رابح صقر يدعو لزيادة المقاعد في حفلته    عندما ينافح رئيس مجمع اللغة عن العامية!!    الثقب الأسود في العلمانية    تزوير مصادر المعلومات    من وحي عرفة    اعتراض وتدمير صاروخ باليستي ثالث أطلق باتجاه جازان    «الخارجية»: المملكة تقف بجانب كل ما يدعم أمن واستقرار تونس    هكذا استعدت الشؤون الفنية والخدمية بالمسجد الحرام لموسم العمرة (صور)    «الخثلان» يوضح حُكم تأخير صلاة الظهر في شدة الحر إلى قبيل العصر (فيديو)            أمير القصيم يشيد بإنجازات صندوق التنمية الزراعية        «الداخلية» المواطنون الذين سافروا إلى دول محظورة سيمنعون من السفر ل 3 سنوات    وفاة أول رئيس ل "زيتون العلاية"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سلمان زين الدين يحتفي بالكلاسيكية الجديدة
نشر في الحياة يوم 26 - 08 - 2015

يهدي سلمان زين الدين بيتين من الشعر على بحر الوافر إلى أمين الباشا في مطلع ديوانه «ضمائر منفصلة» (دار نلسن 2015) كأنه يؤرخ بحروف حساب الجمل «إلى الباشا الأمين على الفنون/ جزيل الحب من قلب هتون. لقد أغنت قصائده كتابي كما يغني الربيع شذا الغصون». والباشا الأمين، هو أمين الباشا الذي وضع لقصائد الديوان اثنين وعشرين تخطيطاً بالفحم، عدا الغلاف الملون. ولا يمر ذلك من دون وقفة، لا سيما أنّ «جزيل الحب» و «القلب الهتون» عبارتان في النظم لا يشفع لهما الوزن في الشعر. ويعتبر الشاعر هذه التخطيطات بمثابة قصائد على القصائد. رسوم الباشا أولية طفلية أو دادائية وتغلب على الغلاف الأقنعة (أساس التكعيبية)، وهي بالتالي من حيث بدائيتها وطفليتها تظهر كأنها تخطيطات غرافيتي.
هذا الاتجاه في رسوم الباشا يظهر لأول مرة حداثياً، كأنه في تعارض مع روح القصائد الموزونة بعناية والمشغولة بدربة الكلاسيكية، بدءاً من أولى القصائد في ضمير «أنا» على صفحة «الدهر» حتى الأخيرة. ففي قصيدة «على صفحة الدهر» وهي قصيدة الديوان، نَفَس معرّي أو متنبئي من التأمل والحكمة وصيغة فيها الجزالة والتدافع النهري من دون وهن في الصيغة والقوافي: «أنا النهر يجري قد نهضت من الكرى/ ومجراي محفور على صفحة النهر/ ألبي نداءً طالما قضّ مضجعي/ وأمضي على رسلي وأجري ولا أجري. أحن إلى نبعي ولست بقادر/ على عودة تضفي الرماد على جمري». ما يعني أننا أمام شاعر ذي دربة كلاسيكية بيّنة، ومتطورة. فهي، وإن نبعت من ناحية عميقة تعود إلى القرن الرابع للهجرة - العاشر للميلاد (عصر المتنبي والمعري)، إلا أنها تقطع أزمنة الكلاسيكية التالية حتى تصل إلى رومنطيقية أبولو وإيليا أبي ماضي، ما يرمز إلى كلاسيكية الشاعر في حين أن الرسم المرافق هذه القصيدة للباشا هو رسم حداثوي دادائي يمثل شخصاً شبحياً بملامح كهفية يرفع يداً مضخمة كأنه يلقي الشعر، ولعله الشاعر. وعلى هذا تسير القصائد والرسوم. ولست أدري كيف كانت تقنية العمل بين الاثنين. فمن الواضح أن مجرى الرسوم خاص بالباشا ومجرى القصائد خاص بزين الدين. يلاحظ ذلك في قصيدة «وحدة» والرسم المرافق لها. فالكائن البدائي في رسمة الباشا الجالس على بساط تحت شمس قريبة وأمامه ألواح، وفوق رأسه قمر، هو أقرب إلى الإنسان الأول العاري تحت الشمس والقمر والناظر إلى لوح ما كأنه الكتابة على الطين. في حين أن القصيدة (الوحدة) في الديوان إنشاد موزون رومنطيقي: «أنا وحدي ويوجعني الحصار/ فلا أحداً أزور ولا أزار». إنها وحدة إنسان في مجتمع.
مع قصيدة عناق وهي على الخفيف «عانقتني وأوغلت في العناق/ فتجلى على يديها انعتاقي. ربقة الطين أوثقتني طويلاً/ والعناق القصير حلّ وثاقي». وهي لا تخرج عما سبق من نيو كلاسيكية. وترافقها صورة اثنين يعتنقان داخل رسم بيضاوي يشبه الرحم، داخل مستطيل يطفر منه في الأعلى قلب. وترافق قصيدة «ضحكة» ستة وجوه تضحك داخل دوائر.
فكرة مصاحبة التخطيطات والرسوم للنصوص فكرة قديمة. إسلامياً (الواسطي) وأخذت مجرى حداثياً إبداعياً مع السوريالية في فرنسا (إيلويار ودالي). في الحداثة العربية ثمة بعض تجارب لا مجال لذكرها هنا.
ثنائية القصائد
ننتقل من الملاحظة الأولى هذه إلى الثانية في قصائد الديوان. سماها الشاعر ضمائر كانت مستترة في صدر صاحبها، ثم انفصلت عنه لتصبح ضمائر منفصلة. «أنا، أنت، هي، أنت، نحن، هو، هي». وبالدخول مباشرة في المسألة الشعرية نسأل: هل يغامر سلمان زين الدين - الآن - في نشر ديوان ثلاثة أرباع قصائده موزونة مقفاة على أوزان خليلية تامة كالطويل والبسيط والكامل وسواها، فيما البقية شعر حرّ، ولكن بخفر، على أساس التفعيلة المفردة؟ هل يغامر إيقاعياً وهل يغامر في اللحظة الشعرية؟ إذ كيف لهذه اللحظة البارقة الغامضة والمفاجئة (اللحظة الشعرية) أن تعيش في قصيدة من خمسين بيتاً أو ثلاثة وخمسين، مثلاً، يكتبها الشاعر على نفس واحد وقافية واحدة؟
ثم إن الشاعر من خلال ما يغلب عليه من أفكار فلسفية في التقمص والغربة وخطاب البحر وتحولات الماء والنهر والالتباسات الفكرية الأخرى، مندوب كما نرى، إلى صيغ قوية مبتكرة وإلى لمح لغوي أو برق في الصورة في ما يشبه الإصغاء للبحر من خلال المحارة، لا سيما أنّ الشاعر على الأرجح، لا يترك للغة تلقائية الجريان أو بداهة الانفجار، بحيث تأتي الفكرة منزلة في علاماتها اللغوية. ولربما هو يخطط (فكرياً) للقصيدة ما يجعل البداهة (بخلاف رسوم الباشا) تتوارى أمام الصنعة الشعرية، وهو ينحو منحى كان أشار إليه أبو هلال العسكري في كتاب الصناعتين.
أما سؤال اصطياد اللحظة الشعرية فهو يُطرح في الوقت نفسه على شعراء يكتبون قصيدة النثر بعدما فُتح بابها واسعاً كأن ليس من حارس على القصيدة. لا كلا: إذ، ومع الحرية وهي أساس الشعر والتجربة، يبدو أن ما من قصيدة إلا عليها حارسها أو تضمر سؤالها في الإيقاع، من امرئ القيس حتى الجنابي.
قصيدة وإيقاع
هذا الإيقاع الذي يجعل القصيدة خطفاً في اللغة وحيرة في المعنى، ويثير في القارئ ما يثير في الشاعر من شحنة القلق والرغبة في الجمال المؤلم والموت والحب والتأله والانتقام. لنتفق في هذا الصراع حول معنى القصيدة - من خلال تجارب الشعراء المترامية الأشكال والأطراف - على أن القصيدة كتلة شعرية وأن لحمها ودمها وعظامها الكلمات وروحها الموسيقى، فالقصيدة موسيقى قاسية. وأن هذه الكتلة لا يمكن أن نأسرها سلفاً بحجم متصور (صغر أو كبر) بل تقاس بديناميتها. وأننا حين نتكلم على «اللحظة الشعرية» التي شبهها أرشيبالد ماكليش بشبكة لاصطياد روح الكون، فإننا لا نقصد المقياس الزمني الكرونولوجي للحظة، بل قدرتها الفائقة على اختزال الأبدية. لأنه على ما يبدو لا وقت للثرثرة في حضرة الشعر. كذلك حين شبهها أوكتافيو باث بمحارة لاصطياد البحر أو للإصغاء إلى هديره الغامض.
في كلامنا على الإيقاع سنقع فجأة على «الميتافيزيك» لأننا سنقع على الموسيقى أي الشعر. والموسيقى جمع وإن كانت اسم نوع. وهي مسألة غامضة لأنها تخاطب ما وراء الصوت (الميتاصوت).
في الإمكان الإشارة إلى انتظام ما وخلل أيضاً، تكرر أو طباق، مجانسة أو تضاد، تمزق أو محبة... لا يهم. المهم الإصغاء لموسيقى الكتلة وهي موسيقى خيال بمقدار ما هي موسيقى صوت (إليزابيت درو في ترجمة لرأي إليوت حول موسيقى الشعر كونها ليست قضية سطر بعد سطر إنما هي مشكلة كلية النص).
الإيقاع بنية إيقاعية أي كتلة إيقاعية، قصيدة النثر ربما هي اعتلال للانتظام الوزني في الكتلة، لن تعدم بديلاً في الإيقاع الذي سيجعل موسيقى الكتلة حرة عارية مبادهة، ويكاد ذلك يقلب المقاييس القديمة أو يمنحها تأويلاً حداثوياً جديداً، إذ تصبح «طاقة الشعر» إذا صحت العبارة، هي طاقة مفاجآت الكتلة اللغوية سواء كانت موزونة أو نثرية. بمعنى أن الإيقاع سوّى بين رقاب المتنافرات (بعبارة الجرجاني)، فما عدنا نحتاج إلى سؤال حول هذا موزون أو غير موزون بل نتلقى مباشرة الإيقاع – إيقاع الكتلة اللغوية التي وإن دخلت من الأذن أو من العين إلا أنها تقصد العاصمة القلب.
نعم، في هذا الكلام غموض. ولكن هكذا هو الشعر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.