يبرز ملف التحكيم كأحد أهم عناصر النقاش الرياضي، في خضم المنافسة المحتدمة على لقب الدوري، خصوصًا حين يتعلق الأمر بفرق تنافس على البطولات، وفي مقدمتها فريق النصر. ومن اللافت أنه في غالبية مواجهاته هذا الموسم اختار الاستعانة بالحكم المحلي، في خطوة تستحق الإشادة؛ كون الفريق ينافس على لقب محلي كبير، ومع ذلك يبعث برسالة ثقة واضحة في الحكم السعودي وقدرته على إدارة المباريات الحساسة. هذا التوجه يختلف عما نراه لدى أندية أخرى؛ مثل الهلال، الذي اتجه في فترات عديدة إلى طلب الطواقم الأجنبية، رغم تضاعف تكاليف استقدام الحكم الأجنبي لتصل إلى نحو (450) ألف ريال، وهو مبلغ كبير مقارنة بما كان معمولًا به في المواسم الماضية. ومع ارتفاع سقف الطموحات والمنافسة، باتت بعض الأندية ترى في الحكم الأجنبي خيارًا أكثر أمانًا، بينما يصرّ النصر على المضي بخيار الحكم المحلي، وهو ما يُحسب له من حيث المبدأ. غير أن الإشكالية لا تكمن في جنسية الحكم، بل في جودة القرارات وعدالتها، فالمتابع يلحظ أن بعض الفرق التي تواجه النصر، وحين ترغب في جلب طاقم أجنبي، لا تتمكن من ذلك، لتخوض اللقاء بطاقم محلي، ثم تظهر أخطاء تحكيمية مثار جدل، ولن نذهب بعيدًا، فمباراتا الفيحاء أمام النصر في الدورين الأول والثاني تقدمان نموذجًا واضحًا لحالة الجدل التحكيمي. ففي لقاء الدور الأول، كان الفيحاء متقدمًا بالنتيجة، قبل أن تُحتسب ركلة جزاء في الرمق الأخير، بعد احتكاك مثير للجدل من كريستيانو رونالدو، وسط تساؤلات حول مدى أحقية القرار، خاصة بوجود تقنية الفيديو. وفي الدور الثاني، تكررت اللقطات الجدلية، حين تدخل بروزوفيتش على لاعب الفيحاء بلقطة بدت مستحقة للطرد، إلا أن القرار لم يتجاوز حدود التغاضي، دون حتى إشهار البطاقة الصفراء في نظر كثير من المتابعين. وبين إدارة الحكم محمد الهويش في اللقاء الأول، والعويدان في اللقاء الثاني، شعر أنصار الفيحاء بأن فريقهم خسر مكتسبات كانت قريبة، على الأقل الخروج بنقطة تعادل في المواجهتين، وربما أكثر في إحدى المباراتين. هذه الحالات لا يمكن تجاهلها، خاصة حين تتكرر في مباريات مفصلية. الأمر لا يقتصر على مواجهات النصر وحدها، فقد شهدت مباريات الأهلي والاتحاد والشباب وغيرها أخطاءً تحكيمية مثار استغراب؛ سواء من حكام محليين، أو حتى في مشاركات خارجية، كما حدث في إحدى المباريات التي أدارها طاقم سعودي في إندونيسيا بقيادة طيب الذكر ماجد الشمراني، وأثارت قراراته ردود فعل واسعة. ما يعني أن الإشكال أوسع من نادٍ بعينه، وأعمق من حالة فردية، والشمراني تحديداً له أخطاء فادحة، وساهمت في تغيير نتائج، ومع التأكيد الجازم أن هذه الأخطاء غير مقصودة، فإن السؤال المشروع يظل قائمًا… من المستفيد من استمرار هذه الهفوات؟ وكيف يمكن أن تتكرر في ظل وجود تقنية (VAR) التي وُجدت أصلًا لتقليل نسبة الخطأ لا تكريسه!! إن وجود التقنية يرفع سقف التوقعات، ويجعل أي خطأ أكثر حضورًا في الوعي الجماهيري. المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، بل تطوير منظومة التحكيم بما يواكب القفزة النوعية التي يعيشها الدوري السعودي، فنجاح التحكيم هو نجاح للدوري، وعدالته هي الضمان الحقيقي لتكافؤ الفرص، الثقة بالحكم المحلي مطلوبة، كما فعل النصر، لكنها ثقة يجب أن تُدعم بالتطوير والمراجعة والمحاسبة، حتى لا تبقى محل جدل دائم،وفي ظل الطموحات الكبيرة لدورينا، والاستثمارات الضخمة، والحضور العالمي المتزايد، فإن التحكيم مطالب بأن يواكب هذا المؤشر العالي، لأن أي بطولة لا تكتمل قيمتها إلا بعدالة قراراتها، واطمئنان جميع أطرافها إلى أن الملعب وحده هو من يحسم النتائج.