لم يعد الدوري كما كان قبل أسابيع قليلة، فالصورة تغيّرت، والفارق تقلّص، والإثارة بلغت ذروتها. ثلاثة تعادلات متتالية للهلال أمام الرياض والقادسية والأهلي أمس، كانت كفيلة بإعادة خلط الأوراق، وفتح باب المنافسة على مصراعيه، بعد أن كان المتصدر يبدو في طريقه لحسم الأمور مبكرًا، الهلال، الذي اعتاد على حصد النقاط بثبات، وجد نفسه يتوقف في محطات لم تكن ضمن الحسابات. تعادلات متشابهة في نتيجتها، مختلفة في تفاصيلها، لكنها اتفقت على أمر واحد: إهدار النقاط في توقيت حساس. ومع ذلك، لا يمكن القفز إلى استنتاجات متسرعة، فالهلال تخلص من أقوى مواجهتين في جدول المنافسة، وواجه فرقًا عنيدة تعرف كيف تُعقّد المباريات، خصوصًا عندما يكون الخصم هو المتصدر، في الجهة الأخرى، كان النصر هو المستفيد الأكبر. انتصارات متتالية، وأداء متصاعد، وثقة انعكست داخل الملعب. وكسب جميع مواجهاته الأخيرة، وعاد بقوة إلى الوصافة، بفارق نقطة واحدة فقط عن المتصدر. الأكيد أن النصر يدخل المرحلة المقبلة بأفضلية نسبية، خصوصًا أن جدول مبارياته يبدو أقل تعقيدًا، حيث تنتظره عشر مباريات توصف – نظريًا – بالأسهل مقارنة بمنافسيه المباشرين. لكن كرة القدم لا تعترف بالورق، وما يبدو سهلًا قد يتحول إلى فخ قاتل إن غاب التركيز، الهلال، رغم التراجع النقطي، لا يزال رقمًا صعبًا. صحيح أنه خسر أربع نقاط على غرار الدور الأول، لكن الفريق يمتلك الخبرة، والنفس الطويل، والقدرة على العودة في الأوقات الحرجة. حديث الدوري لا يزال طويلًا، والمشوار لم يصل إلى منعطفه الأخير بعد. ما يميز الهلال أنه اعتاد اللعب تحت الضغط، وغالبًا ما يُظهر وجهه الحقيقي عندما تشتد المنافسة. القادسية، من جانبه، يزحف بثبات نحو المقدمة. فريق منظم، يعرف ماذا يريد، ويجيد اقتناص النقاط. لم يعد مجرد ضيف عابر في سباق الدوري، بل طرف حقيقي في المعادلة. نتائجه الأخيرة تؤكد أنه قادم بقوة، وأنه قد يكون أحد مفاتيح الحسم، سواء بمنافسته المباشرة أو بتعطيل الكبار. أما الرياض، فرغم خسارته أمام النصر، إلا أنه قدم مستويات تحترم، وأثبت أنه ليس خصمًا سهلًا. فريق يلعب بروح عالية، ويملك القدرة على إزعاج أي منافس، وهو ما ظهر جليًا في مواجهته مع الهلال. الخسارة لا تلغي ما قدمه من عمل فني واضح هذا الموسم. الشباب عاد لشبابه فعلًا. استفاق من سباته، وبدأ يستعيد شخصيته المعروفة، فريق يلعب بثقة، ويتحسن تدريجيًا، وقد يكون أحد أبرز عناصر المفاجأة في الجولات القادمة. كذلك الاتحاد، الذي بدا وكأنه استيقظ متأخرًا، لكنه استيقظ في الوقت المناسب. عودة الروح للاتحاد تعني أن المنافسة لن تكون ثنائية، بل مفتوحة على أكثر من اتجاه. القادم حبلى بالمفاجآت. جولات حاسمة، أخطاء صغيرة قد تغيّر المشهد، وانتصار واحد قد يقلب الطاولة. الدوري هذا الموسم يرفض أن يُحسم مبكرًا، ويصرّ على أن يبقى مشتعلًا حتى الأمتار الأخيرة. وبين طموح النصر والأهلي، وخبرة الهلال، وزحف القادسية، وصحوة الشباب والاتحاد، يبقى السؤال مفتوحًا: من يملك النفس الأطول؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.