يعتبر ملف السجون السرية في جنوب اليمن أحد أكثر الملفات سواداً لما فيه من مشاهد تكشف عن الظلم والقسوة التي تعرض لها الإنسان اليمني، حيث كشفت الشهادات الميدانية والتقارير الحقوقية والإعلامية عن شبكة واسعة من الانتهاكات الجسيمة التي مورست خارج أي إطار قانوني وبعيداً عن أي رقابة قضائية أو إنسانية. هذه الانتهاكات شملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب الجسدي والنفسي، ما يعكس نمطاً ممنهجاً من القمع استهدف المدنيين والمحتجزين اليمنيين بشكل غير قانوني. وتتحمل دولة الإمارات العربية المتحدة والمجلس الانتقالي الجنوبي المسؤولية المباشرة عن إدارة هذه السجون والإشراف على العمليات القمعية التي جرت فيها، بينما كانت الإمارات تبرر وجود هذه السجون والاعتقالات بحجة محاربة الإرهاب والتعامل مع المحتجزين باعتبارهم إرهابيين، وهو تبرير لم يصمد أمام الشهادات الميدانية التي أظهرت أن آلاف المدنيين والنشطاء السياسيين والمعارضين احتجزوا دون أي دليل على تورطهم في أعمال إرهابية، وأن معظم المعتقلين لم يكونوا سوى مواطنين عاديين تعرضوا للاختطاف والاحتجاز التعسفي. هذه الانتهاكات تمثل خرقاً صارخاً للقانون اليمني والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وتؤكد تراكم الأدلة وتعدد الشهادات وتطابقها على أن هذه الممارسات لم تكن تجاوزات فردية، بل سياسة ممنهجة تتطلب تحقيقاً وطنياً ودولياً مستقلاً يفضي إلى مساءلة المسؤولين وإنصاف الضحايا ومنع الإفلات من العقاب، لأن استقرار الدولة وسلامة المواطنين وسيادة القانون لا يمكن أن تتحقق دون عدالة وكرامة إنسانية. شبكة السجون السرية وانتشارها أنشأت الإمارات عدداً من التشكيلات الأمنية والعسكرية في المحافظاتالجنوبية خارج إطار وزارتي الدفاع والداخلية اليمنيتين، وأشرفت على تدريبها وتمويلها لتصبح قوة أمر واقع مسيطرة على مناطق واسعة. ومع مرور الوقت تحولت هذه التشكيلات إلى قوة موازية أقامت نظام احتجاز سري خارج أي رقابة قضائية، استخدم كأداة لقمع المدنيين والمحتجزين السياسيين تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. وكشفت تقارير صحفية دولية وبيانات رسمية يمنية وجود شبكة واسعة من السجون السرية في محافظاتعدن ولحج وأبين وحضرموت وسقطرى، داخل قواعد عسكرية ومطارات وموانئ ومقار حكومية سابقة وفلل خاصة وحتى حاويات شحن تم تحويلها إلى زنزانات مغلقة. في إحدى القواعد العسكرية في المكلا، دخل فريق من هيئة الإذاعة البريطانية إلى ثماني زنزانات مبنية من الطوب والإسمنت، بينها زنزانات صغيرة جداً لا تتجاوز مساحتها متراً واحداً في متر وبارتفاع مترين، كانت تستخدم للعزل الانفرادي. وأظهرت المشاهد أرضيات خرسانية وجدران مطلية باللون الأبيض وأبواباً حديدية سوداء، بينما نقش المحتجزون تواريخ على الجدران في محاولة يائسة لتسجيل الزمن داخل هذه المساحات المظلمة. ظروف احتجاز قاسية توحدت شهادات المحتجزين السابقين حول ظروف احتجاز قاسية جدا، حيث أفاد عدد منهم أن نحو ستين شخصاً كانوا محتجزين في حاوية شحن واحدة في وقت واحد، معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي، مجبرين على الجلوس لساعات طويلة بلا إمكانية للاستلقاء، وإذا سقط أحدهم كان على الآخرين أن يسندوه. وتم تقييد استخدام المرافق الصحية بشكل صارم، مما دفع البعض لقضاء حاجتهم على أنفسهم، بينما كان الغذاء شحيحاً ورديئاً ولا يكفي لسد الجوع. وعلى مدى سنوات، وثقت منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام مثل بي بي سي ووكالة أسوشيتد برس شهادات مشابهة لنمط التعذيب والحرمان، بما في ذلك الصعق الكهربائي، والضرب اليومي، والحرمان من النوم والطعام، والتهديد بالاعتداء الجنسي. تبريرات وهمية لمكافحة الإرهاب.. آلاف المدنيين يقبعون في سجون سرية التعذيب أثناء الاستجواب أفاد محتجزون سابقون أن التعذيب كان يمارس بشكل ممنهج أثناء جلسات الاستجواب، حيث أجبرهم المحققون على الاعتراف بالانتماء لتنظيمات إرهابية. وأخبر أحدهم أنه ظل محتجزاً لمدة عام ونصف، تعرض خلالها للضرب اليومي والاعتداء الجنسي والتهديد بإحضار "طبيب إماراتي" للمراقبة. كما أشار إلى أن الجنود الإماراتيين والمقاتلين التابعين للمجلس الانتقالي كانوا يشرفون على تنفيذ أشكال التعذيب المختلفة، وأن أسوأ ما تعرض له كان الاعتداء الجنسي والضرب المتكرر أثناء التحقيقات، ما دفعه لمحاولات انتحار متعددة هرباً من الوضع المأساوي. شهادات المدنيين والاطفال رغم ادعاءات الإمارات أن الاحتجاز كان لمحاربة الإرهاب، أظهرت شهادات المحامين وذوي المحتجزين أن آلاف المدنيين والنشطاء السياسيين والمعارضين احتجزوا تعسفياً دون أي دليل على تورطهم في أعمال إرهابية. وتروي أم يمنية أن ابنها، الذي كان في سن المراهقة، اعتقل وهو رياضي وعاد من بطولة خارجية، ولم يعد إلى المنزل، وظل محتجزاً لمدة تسع سنوات، تعرض خلالها للصعق بالكهرباء وسكب الماء المثلج والاعتداء الجنسي، بينما عرضت المحكمة تسجيلات صوتية له وهو يعترف تحت التعذيب، في مخالفة صارخة للقانون وحقوق الإنسان. دور وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان أصدرت وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان بياناً رسمياً أكدت فيه تلقيها عدداً كبيراً من الشكاوى والبلاغات بشأن جرائم وانتهاكات جسيمة ارتكبها مسؤولون وضباط إماراتيون وعناصر المجلس الانتقالي. وشملت الانتهاكات الاغتيالات والاختطاف والإخفاء القسري والاحتجاز في سجون سرية وممارسات التعذيب. وأكدت الوزارة أنها تابعت الرصد والتوثيق والتحقيق، وزارت عدداً من هذه السجون ووصفتها بأنها معتقلات لا توفر أبسط الاحتياجات الإنسانية وتتعارض مع الأعراف والقوانين ومبادئ الأخلاق والدين. تقارير دولية وإعلامية داعمة تتطابق إفادات وزارة حقوق الإنسان مع ما وثقته منظمات دولية ووسائل إعلام كبرى مثل هيومن رايتس ووتش ووكالة أسوشيتد برس وبي بي سي، حيث أكدت وجود احتجاز تعسفي واختفاء قسري وتعذيب في مرافق تديرها الإمارات وحلفاؤها. وفي عام 2017، جمعت هيومن رايتس ووتش شهادات لمعتقلين احتجزوا دون تهمة أو رقابة قضائية، وتعرضوا للضرب والصعق بالكهرباء، مؤكدة أن هذه الانتهاكات لم تكن تجاوزات فردية بل سياسة ممنهجة. الأبعاد القانونية والإنسانية تمثل الانتهاكات في السجون السرية جرائم جسيمة بموجب القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك الإخفاء القسري والتعذيب والاحتجاز خارج القانون. وتؤكد الجهات القانونية اليمنية أن هذه الممارسات تتطلب تحقيقاً وطنياً ودولياً مستقلاً يفضي إلى مساءلة المسؤولين وإنصاف الضحايا، لأن العدالة هي أساس استقرار الدولة وحماية المواطنين وسيادة القانون. جانب من السجون الإماراتية السرية في اليمن مشهد من خلف الشباك لجزء من السجون السرية غرفة صغيرة للحبس الانفرادي تغريدة لهيئة حقوقية