يفقد بعض الناس شغفهم بالحياة ذاتها، ولعلّ هذا أخطر أنواع الفقد؛ إذ قد يقود – لا سمح الله – إلى عواقب لا تُحمد. غير أنّ حديثي هنا ينصرف إلى نوع آخر أكثر شيوعًا في أيامنا هذه، وأشدّ خفاءً، وهو فقدان الشغف في العمل. ذلك الفقد الذي لا يُعلن، ولا يُعترف به صراحة، لكنه يظهر في التفاصيل الصغيرة، في الفتور، وفي غياب الهدف، وفي أداء الواجب بلا روح. هذا النوع من الفقد لا يوقف الحياة، ولكنه يفرغها من معناها المهني. كثيرًا ما أصادف في حياتي العملية أناسًا فقدوا شغفهم في العمل، دون أن يملكوا الشجاعة للاعتراف بذلك. أراهم وقد تبدّل شيء في نظراتهم وسلوكهم؛ صاروا أقل اكتراثًا، أقل اندفاعًا، يؤدون ما عليهم ثم ينصرفون، بلا هدف واضح ولا غاية يسعون إليها. ليسوا فاشلين، ولا مقصّرين، بل في الغالب أصحاب خبرة طويلة وكفاءة مشهودة، لكنهم يعيشون فراغًا داخليًا يحاولون تغطيته بتبريرات متعددة: ضغط العمل، سوء الإدارة، قسوة الظروف، أو اعتبار ما يمرون به مرحلة مؤقتة. والحقيقة الأعمق، التي يتجنبون تسميتها، أنهم فقدوا الشغف. فقدان الشغف في العمل لا يحدث على هيئة لحظة فاصلة. لا يستيقظ الإنسان صباحًا ليقول: انتهى كل شيء. بل يتسلل الأمر ببطء شديد، كتآكل صامت، يبدأ حين يصبح الذهاب إلى العمل عادة بلا ترقّب، وحين يتحول الإنجاز إلى فعل آلي لا يصحبه شعور بالرضا. في تلك المنطقة الرمادية، لا يكره المرء عمله، لكنه لا يحبه أيضًا. يؤدي مهامه بإتقان ظاهري، بينما المعنى ينسحب من الداخل دون ضجيج. وغالبًا ما يُساء فهم هذه الحالة، فيُنظر إلى صاحبها على أنه فقد طموحه أو تراجع عطاؤه. غير أن الشغف لا يغيب لأن الإنسان لم يعد قادرًا، بل لأنه لم يعد مقتنعًا. هناك فرق عميق بين تعب الساعي الذي يرى غايته، وتعب المكرّر الذي يعيد الخطوات ذاتها دون أفق جديد. الأول مرهق لكنه حيّ، والثاني مستنزف ولو بدا مستقرًا. ومع الزمن، حين يتحول العمل إلى روتين يومي متشابه، وحين تطغى الضغوط وتتراكم المهام دون فسحة للتجديد أو التعلّم، يبدأ الشعور بالقيمة في التراجع. يزداد الأمر تعقيدًا حين يدخل عامل المقارنة، فينظر الإنسان إلى نجاحات الآخرين فيشعر بأن جهده لا يكفي، أو حين يبذل طاقته كاملة ولا يجد التقدير المادي أو المعنوي الذي يوازي عطائه. هنا لا يضيع الشغف دفعة واحدة، بل يتآكل، حتى يصبح العمل عبئًا نفسيًا لا مصدر تحقيق. والمشكلة أن هذه الحالة لا تنعكس فورًا في التقارير أو تقييمات الأداء؛ فالموظف لا يزال حاضرًا، منضبطًا، ملتزمًا، لكن شيئًا جوهريًا قد غادره. وهذا الغياب الداخلي له ثمن باهظ، إذ تتراجع جودة الأفكار، ويبهت الإبداع، وتتحول الكفاءة إلى تكرار محسوب. المؤسسات لا تسقط فجأة، لكنها تذبل حين يعمل فيها أناس توقفوا عن الإيمان بما يفعلون. ومع ذلك، يخشى كثيرون الاعتراف بفقدان الشغف، لا خوفًا من الفشل، بل خشية من حكم الآخرين. كأن التراجع عن مسار اختير يومًا بحماسة يُعد خيانة لذلك الاختيار. فيُطلب من الإنسان أن يصبر، وأن يكون ممتنًا، وكأن الامتنان يلغي حقه في المراجعة، أو كأن الالتزام يعني الجمود الأبدي. غير أن الصمت الطويل عن فقدان الشغف لا يصنع نضجًا، بل يولّد اغترابًا داخليًا، يجعل الإنسان يعيش عمله بنصف حضور، ويؤدي دوره وهو غائب عن ذاته. وليس المقصود من هذا المقال الدعوة إلى قرارات متسرعة أو قطيعة مفاجئة، فاستعادة الشغف لا تعني دائمًا ترك الوظيفة، بل قد تبدأ بخطوات أبسط: مراجعة الأهداف، وإعادة تنظيم الوقت، وكسر الرتابة، أو حتى الاعتراف بالمشكلة والبحث عن جذورها؛ فالشغف ليس خطًا مستقيمًا يمتد من البداية إلى النهاية، بل رحلة تتخللها محطات، وتجارب، وتغيّر في الأولويات.