حالة نفسية عميقة لا تُعلن عن نفسها بضجيج، لا تطلب إسعافًا فوريًا لكنها تتسلل بهدوء إلى حياة الفرد حتى تُفرغها من معناها، وهو ذلك التعب الذي لا يُرى في الملامح ولا يُقاس بعدد الساعات؛ بل يُقاس بثقل الاستمرار والمصاب به يبدو طبيعيًا في عيون الآخرين؛ حيث ينجز ويبتسم ثم يؤدي واجباته بينما في داخله يعيش استنزافًا بطيئًا لا يجد له أي لغة لتفسيره. إنه بالإنهاك الصامت. ينشأ الإنهاك الصامت غالبًا عند الأفراد المسؤولين أكثر من اللازم، والذين تعلّموا منذ وقت مبكر أن يكونوا السند لا العبء. ويتراكم حين يصبح العطاء عادة لا يُعاد النظر فيها، وحين تُقدَّم احتياجات الآخرين باستمرار على حساب الذات. ومع الوقت يتحول التحمل إلى نمط حياة، ويختفي الخط الفاصل بين القوة والإجهاد، فيستمر الفرد بدافع الواجب لا بدافع الرغبة. وتكمن خطورة الإنهاك الصامت في أنه لا يُشخَّص بسهولة. قد يُساء فهمه على أنه فتور وكسل، أو تغيّر مزاجي عابر. لكن الحقيقة أن الجسد والعقل يرسلان إشارات إنذار: فقدان الشغف وضعف التركيز وقد يتحول إلى اضطرابات في النوم، وتبلّد المشاعر، ومع تجاهل هذه الإشارات يبدأ الفرد بفقدان علاقته بنفسه تدريجياً ويؤدي أدواره الحياتية وكأنه حاضر جسديًا فقط. وعلينا أن نفهم أن الإنهاك الصامت ليس ضعفًا، بل نتيجة طبيعية للاستنزاف المزمن دون تعويض، والتعافي منه لا يبدأ بإجازة قصيرة، أو نوم إضافي فحسب بل بمواجهة صادقة مع الذات ويحتاج الإنسان إلى إعادة تعريف مفهوم القوة وفهم أن التوقف أحيانًا شجاعة وأن طلب الدعم ليس فشلًا. كما أن وضع الحدود النفسية ليس أنانية؛ بل ضرورة للحفاظ على التوازن الداخلي. وقد يصبح الإصغاء للذات فعل مقاومة، والاعتراف بالإنهاك الصامت هو الخطوة الأولى للشفاء لأنه يحوّل الألم من عبء خفي إلى وعي قابل للعلاج حين نمنح أنفسنا الإذن بالتخفف، نكتشف أن الحياة لا تتطلب منا أن نحترق كي نُثبت قيمتنا في مواقعنا؛ بل أن نعيش بوعي وأن لا نسمح باستنزاف طاقتنا؛ بل باستثمارها والعيشُ بفعالية أعلى.