- الرأى - بدرية عيسى - جازان : في جازان، حيث يمتزج عبق التاريخ بإيقاع البحر وصمت الجبال، لا تمرّ بعض الأسماء كأشخاصٍ عاديين، بل تستقرّ في ذاكرة المكان كجزءٍ من حكايته. من بين تلك الأسماء يبرز الأستاذ عمر غورية، بوصفه واحدًا من الروّاد الذين اقترنت سيرتهم بتشكّل الوعي الإعلامي في المنطقة. يُعدّ عمر غورية من أقدم المراسلين الصحفيين في جازان، ومن أوائل من جسّدوا مفهوم صحافة الميدان ممارسةً لا شعارًا. بدأت مسيرته الصحفية الفعلية في مطلع الثمانينيات الميلادية، وتشير الشواهد المهنية إلى نشاطٍ موثّق منذ عام 1983م تقريبًا، وهي مرحلة كانت المنطقة فيها تفتقر إلى التغطية الإعلامية المكثفة وتحتاج إلى عينٍ ترصد وصوتٍ ينقل. ومع التحاقه بمؤسسة عكاظ، أصبح صوت الصحيفة وعينها في جازان، ناقلًا تفاصيل الحياة اليومية والتحولات التنموية من قلب الحدث، لا من خلف المكاتب. اختار طريقًا مهنيًا شاقًا، متنقّلًا بين المحافظات الجبلية والقرى النائية والحدودية، في زمنٍ لم تكن فيه الطرق ميسّرة ولا وسائل الاتصال متاحة كما هي اليوم، مؤمنًا بأن الخبر الحقيقي يُولد في الميدان. تميّزت تجربته الصحفية بسماتٍ جعلت منها علامةً فارقة في تاريخ الإعلام المحلي؛ فقد اتسم حضوره ب التغطية الجغرافية الشاملة، حيث امتدت تقاريره إلى محافظاتٍ جبلية ووعرة مثل فيفا والريث وبني مالك وهروب، ناقلًا احتياجات السكان وقضاياهم الخدمية والتنموية إلى دوائر القرار. كما شكّلت أعماله عبر عقودٍ طويلة نموذجًا ل التوثيق التنموي، إذ تحوّلت تقاريره إلى أرشيفٍ صحفي حيّ يوثّق مراحل التنمية في جازان، من افتتاح المدارس والمستشفيات ومشاريع الطرق والبنية التحتية، وصولًا إلى مواكبة المشاريع الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها نشأة جامعة جازان. ولم يقتصر عطاؤه على البعد الخبري، بل حملت كتاباته بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا واضحًا، انحاز فيه إلى قضايا المجتمع والإنسان، مما أكسبه رصيدًا كبيرًا من الثقة والمصداقية، ورسّخ حضوره في الذاكرة الإعلامية للمنطقة. مهنيًا، ارتبط اسمه بعضويته في هيئة الصحفيين السعوديين، ويُنظر إليه في الأوساط الإعلامية بوصفه من الوجوه التي أسهمت في ترسيخ ثقافة الصحافة الميدانية، فضلًا عن دوره التوجيهي للأجيال الإعلامية الشابة عبر خبرته وتجربته الطويلة. يحظى الأستاذ عمر غورية بمكانةٍ خاصة في المشهد الثقافي والإعلامي الجازاني، تقديرًا لمسيرةٍ امتدت لعقود، ظلّ خلالها شاهدًا على تحولات المكان، وناقلًا لصورة التنمية، وصوتًا للمجتمع. وتمثل تجربته نموذجًا للصحفي الذي تعامل مع المهنة كرسالة ومسؤولية، تاركًا إرثًا مهنيًا وتوثيقيًا يُعدّ مرجعًا مهمًا في قراءة تاريخ جازان المعاصر.