هذا معتمر جاء من بلاده قبل ثلاثين سنة، وطاف بالبيت الحرام وسعى، ثم توجه للخروج من الحرم، فلما وصل إلى بوابة كبيرة رأى على درجها رجلًا نحيف الجسم بلباس الإحرام يبدو عليه التعب مستلقيًا على إحدى الدرجات، فما كان منه إلا أن مد يده إلى محفظته وأخرج منها عشرة ريالات وسلمها للرجل الجالس الذي تفاجأ بهذه البادرة من رجل لا يعرفه من قبل. أخذ ورقة الريالات العشرة وتمتم بهمس لم يسمعه إلا الله سبحانه. فقد كان غارقًا في المفاجأة؛ لأنه في حياته منذ صباه إلى كهولته لم يمد له أحد بصدقة كبيرة أو صغيرة. ولم يدر المتصدق أنه قد وضع العشرة ريالات في يد رجل من أغنى أغنياء المملكة. ذلك أن هيئته وشكله عمومًا لا يوحي إلا بأنه من ذوي الدخل المحدود، أو إن شئت فقل ذوي الدخل المهدود. كانت العشرة ريالات قبل ثلاثين سنة تكفي لشراء وجبة غداء كاملة، أو ساندويتشين للعشاء. مع المشروب. واعتبرها الرجل المليونير هدية من الله في داخل الحرم، ليس له أن يردها. وقد قال عمر بن الخطاب لمن تمنع في أخذ هبة منه: إذا أعطاك أحد عطية لم تطلبها فاقبلها. فإنه قد وقع له مثل ذلك مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما قال للرسول عليه الصلاة والسلام أعطها من هو أكثر حاجة مني، قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: من أعطاك شيئًا دون طلب فاقبل، ولا ترده. أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وهذه العشرة ريالات قد حركت في نفس الرجل المعتمر الثري أشجانًا كثيرة في تفقد أحوال الذين من حوله. فكانت مهمازًا له ليتصدق بمئات الآلاف على المحتاجين والمساكين، ومن كان ليس معه منزل لربما أكرمه بفيلا، ومن كان فقيرًا لربما أجرى عليه راتبًا شهريًا خفيًا دون إعلان أو منّ. وقد سمعت طرفًا طيبًا من سيرته، وأنه كان رجلًا كريمًا. ولا أشك أن العشرة ريالات قد حركت في نفسه من العواطف تجاه الأقارب والفقراء ما لا تحركه موعظة طويلة. فها هي ورقة البنكنوت تتماوج أمام بصيرة رجل لم يعرف الفقر في حياته. وجاءت هذ الريالات القليلة بشجون لم تأت بها ملايين الريالات في البنك ولا العمارات ولا السيارات، التي هي في ملك أخينا الذي انتقل إلى رحمة الله، وترك كل متاع الحياة الدنيا. ولكن بقيت وراءه ورقة بنكنوت عزيزة. وهي ورقة كان ينبغي أن توضع في إطار زجاجي وتعلق في الصالون الرئيسي؛ ليعرف من لا يعرف قصتها.