أسس التجار مسجداً في شمال العاصمة الفيتنامية "هانوي" قبل 114 عاماً، وتحديداً في عام 1323ه؛ ليبقى حتى يومنا الحاضر فاتحاً أبوابه للمسلمين والزوار، يشع نوره في السماء، صامداً أمام حركات التهويد والتنصير، وتقام فيه الجمع والجماعات والأعياد . وأطلق الأهالي على المسجد هناك اسم جامع "النور"، وهو الوحيد في شمال العاصمة الضخمة، أما في جنوبها فيبلغ عدد الجوامع والمساجد والمصليات 100، ويقع "النور" داخل سور محاط به ويرتفع مبنى الجامع ويُصعد إليه بدرج عال، وبداخل السور دورات مياه ومواضئ، وأغلب المباني المحيطة به تجارية، والعاملون بها جلهم من غير المسلمين .
وعلى الرغم من أن جمهورية فيتنام مرت بحروب وكروب واستعمار، واحتلال في القرن الماضي من اليابان وفرنسا والحرب الأمريكيةالفيتنامية الشهيرة، ومع تعدد الديانات في المجتمع الفيتنامي إلا أن المسجد الوحيد في العاصمة هانوي في الشمال الفيتنامي الذي أسسه التجار الهنود سنة 1323ه تقرباً إلى الله بقي شامخاً يذكر ويرفع فيه اسم الله عبر السنين.
يقول إمام الجامع الشيخ حنيفة بن إبراهيم حسنة: تقام في المسجد الفروض الأربعة عدا صلاة الفجر لقلة عدد المصلين، ولبعد سكنه عن المسجد نحو 13 كلم، وعدم وجود مصاريف له شخصية كراتب شهري ونحوه يصعب عليه البقاء فيه، ويصلي في كل فرض ما يقارب (8) مأمومين ينقص عددهم ويزيد قليلاً، وعدد المسلمين في العاصمة لا يتجاوز (60) مسلماً، ما بين رجل وامرأة وطفل ويلاحظ قلة المسلمين من الفيتناميين، وهناك مصلى نساء في الخلف مفصول عن قسم الرجال بستارة خفيفة من القماش، وتشرف زوجته على القسم النسائي.
ويوجد بعض المصاحف باللغة العربية وبترجمة فيتنامية، وبعض الكتب باللغة الفيتنامية، مشيراً أنه حصل عليها من مكاتب الجاليات في المملكة عندما كان طالباً بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .
وأضاف "حسنة": يتوفر بالجامع بعض الأوراق الشهرية التي تحدد مواعيد الصلوات والإقامة وإفطار وإمساكية شهر رمضان المبارك، ومعلق به ساعة توضح أوقات الصلوات والإشراق، ويجتهد مع شقيقه عقب صلاة الجمعة في الإعلان عن إقامة دورات تعليمية وتثقيفية عن الدين الإسلامي الحنيف وتلاوة القرآن الكريم للمسلمين الجدد، وتسجيل أسماء من يرغب لتقوية ارتباطهم بالدين الإسلامي كونهم يعيشون في نسيج متعدد الديانات، فبعض المسلمين ضعيف في أداء الشعائر الدينية حيث تنتشر بين المسلمين المحافظين منهم ممارسات لا تتفق مع العقيدة الصحيحة المنطلقة من الكتاب والسنة، وذلك بسبب قلة العلماء والدعاة الواعظين من جهة أخرى.
ويفيد أنه تقام بالجامع موائد لإفطار الصائمين بشهر رمضان المبارك حيث يبلغ عدد حضور المائدة الرمضانية 100 فرد من المسلمين هناك، ومن أعضاء السلك الدبلوماسي الإسلامي، ويتولى الإشراف على الموائد الرمضانية سفارات الدول العربية والإسلامية وبجوار الجامع "مطعم حلال" في قسم جانبي من الجامع .
وقال الشيخ حنيفة حسنة: إن نسبة المسلمين في فيتنام لا يرتفع بسبب ضعف الدعوة ولقلة الإمكانات لدى المسلمين، ولضعف وضعهم الاجتماعي داخل النسيج الفيتنامي والأديان المختلفة، ولديه الرغبة في إقامة المحاضرات للدعوة والتعريف بالإسلام وإقامة حلقات تحفيظ القرآن الكريم إلا أن الإمكانات المادية المحدودة لا تساعد على ذلك، ومن مبشرات الخير أسلم خلال الأشهر الثلاثة الماضية نحو 11 شخصاً.
وعن حاجة الجامع كي يؤدي أدواره بطريقة أفضل ليصبح نقطة انطلاق الدعوة هناك، أفاد أن سقف الجامع يحتاج إلى إصلاح حيث إن الأمطار مستمرة؛ كون فيتنام دولة استوائية يتسرب إلى داخل المسجد مما يؤثر على الفرش والمصاحف والكتب والأجهزة والأثاث وغير ذلك، والمسجد يحتاج للمساعدة كونه مركز تجمع للمسلمين في العاصمة "هانوي" في الشمال الفتنامي، وكون المسلمين في هانوي لا توجد بينهم اتصالات منظمة، وتضعف معرفتهم بالإسلام وأثر ذلك على تأديتهم للشعائر الدينية الإسلامية.
و قال المواطن إبراهيم بن عبدالرحمن السرحان إنه من رواد جامع "النور" وشاهد على الحالة السيئة التي يعانيها، مناشداً انتشال الجامع من واقعه المرير واستغلال حجم الإقبال عليه من قبل المسلمين، وكذلك الفضوليون من أصحاب الديانات الأخرى .
وأضاف: "النور" يرتاده أعضاء السفارات من الدول العربية والإسلامية والتجار والسواح المسلمون المقيمون في العاصمة "هانوي"، وأخبره إمام الجامع أنه قبل تعيينه كان يتناوب على الإمامة وصلاة التراويح والقيام وخطب الجمع أعضاء سفارات الدول العربية والإسلامية أو من التجار والسواح المسلمين، أما الآن يشرف عليه في كافة أموره من صيانة وإصلاح الإمام وشقيقه، وحسب قول إمام الجامع فإنه يحتاج إلى بعض الإصلاحات والترميمات أو الهدم الكامل لإعادة بنائه من جديد كونه يضيق بالمصلين في الجمع والأعياد، حيث يصلون في داخل السور والشوارع المحيطة، والحكومة الفيتنامية -بحسب الإمام -لا تمانع من إعطاء تصريح لهدم وإعادة بناء الجامع بشرط إثبات توفر المبلغ الكافي.
يذكر أن قصة انتشار الإسلام في جنوب شرق آسيا تُعَدُّ من أعظم قصص انتشار الإسلام في التاريخ، فالمسلمون لم يذهبوا إلى هذه المناطق النائية بجيوش فاتحة، ولم يخوضوا مع أهلها حروباً تُذكر، وإنما ذهبوا إليها كتُّجار يحملون أخلاقَ الإسلام، وهَم الدعوة إلى الله، وذلك بالحسنى والمعاملة الحسنة، فحقَّقوا القاعدة الأصيلة التي تؤكد أن الإسلام إنما يغزو القلوب لا الأراضي أو البُلدان .
وجمهورية فيتنام اشتراكية يحكمها الحزب الشيوعي منذ 1976م بعد توحيدها حيث كانت فيتنام الشمالية وفيتنامالجنوبية، وتقع في جنوب شرقي آسيا، وتبلغ مساحتها 3329560 كم2، وعدد السكان يبلغ حوالي 90 مليون نسمة نصفهم تقريباً من النساء (إحصائية 2013م)، وتصل نسبة عدد المسلمين إلى حوالي 2.5%، وعددهم 100 ألف نسمة من تعداد السكان الكلي، واللغة الرسمية "الفيتنامية"، وبالإضافة إلى الفيتنامية هناك الصينية والإنجليزية والفرنسية والروسية.
وفيما يخص الديانة لا يوجد دين رسمي للدولة، ولا تعترف الدولة بأي دين أو معتقد، ولكن يوجد في فيتنام مجموعة متشابكة من المعتقدات، على رأسها البوذية و"الكونفوشيوسية" والمعتقدات التقليدية المحلية والكاثوليكية، وبالرغم من أن الحكومة الشيوعية لا تشجع ممارسة الشعائر الدينية، فإنها تتسامح مع الجماعات البوذية والكاثوليكية التي تنظمها الحكومة، ومنذ عام 1990م بدأت السلطات في تشجيع العبادات التقليدية.
ويعيش مسلمو فيتنام حالة جهل بأبسط مبادئ الإسلام، كما يعيشون حالة ذوبان واختفاء لهويتهم الإسلامية الحقيقية نظراً لسطوة الممارسات الشيوعية ضد المسلمين وحِدتها، حيث بقي قليل منهم على دينهم واستمروا في المحافظة عليه، فيما ذاب أكثرهم في المجتمع الشيوعي البوذي وتحللوا من كل ضوابط أو معايير إسلامية في تعاملهم وسلوكهم.