المتابع للدبلوماسية السعودية، أو السياسة الخارجية عموما، يجد أن ثمة تحولا كبيرا وأداء مختلفا عن السابق، خصوصا بعد اتضاح كثير من الحقائق التي كانت تخبئها عباءة الربيع العربي، وكثير من المخططات التي كانت تحاك في كواليس بعض الدول الكبرى التي تسعى إلى خلق واقع جديد على الخريطة العربية يتسم بالفوضى وانهيار كل المقومات الوطنية باستخدام عناصر تنفيذية داخلية وخارجية تعمل وفق سيناريو معد بإحكام ودقة. تحركت المملكة بوضوح وقوة في أكثر من مسار، ولعل خطاب الملك عبدالله لبشار الأسد بعد ثورة الشعب السوري كان منعطفا فاصلا في التعاطي مع الأحداث، وبعد ذلك بدأت عجلة السياسة الخارجية تدور بشكل سريع وقوي وحازم في التعامل مع أقطاب اللعبة في الخارج لتصل الأمور حد المكاشفة العلنية مع قوة كبرى كالولايات المتحدةالأمريكية في سابقة أكدت أن المملكة تستشعر جيدا تبعات ما يحدث حولها وتعرف جيدا ماذا يراد من هذه الأوضاع المضطربة، ولعل الموقف السعودي من الثورة الثانية في مصر كان أيضا من أقوى وأوضح الأدلة على رؤية المملكة وفهمها العميق لما يجب أن تفعله لحماية أكبر جزء عربي من الانهيار. ومع ذلك فإن المملكة لم تغفل عن إفرازات هذا الواقع على البيت الخليجي الذي تأزمت بعض علاقاته بسبب مواقف لها تأثير سلبي كبير على استقراره، وليس ثمة حرج في القول إن قطر الشقيقة بالذات انتهجت خطا مغايرا ليس لمجموعة دول مجلس التعاون الخليجي فحسب وإنما لبقية الدول المعتدلة التي تقرأ الأوراق جيدا، وللأسف لم تراجع نهجها حتى بعد أن بدأ التهديد يقترب من الساحة الخليجية عبر تنظيمات إرهابية مختلفة. المملكة تقوم الآن بعد محاولات حثيثة سابقة بأكبر تحرك دبلوماسي لتوحيد الصف الخليجي أمام أخطار كبيرة ومخططات خطيرة، فجولة الوفد الثلاثي الرفيع المكون من وزير الخارجية، ووزير الداخلية، ورئيس الاستخبارات بعد جولة ولي ولي العهد تمثل استثناء في جدية النية لتجنيب المنظومة الخليجية خطر التفكك ومواجهة المستقبل بشكل منفرد مع تسارع الأحداث وتأزمها يوما بعد آخر. هذا الحراك السعودي الكثيف الجاد لا بد أن يتم فهمه على أنه حماية للجميع، ولا بد أن يستثمره ويستفيد منه ويتجاوب معه الذين أصروا على التحليق خارج السرب قبل أن يكون الوقت متأخرا جدا. [email protected]