سقطت هيبة الدولة في مصر، وقبل أن نبكي أو نتباكى على بقاء الرئيس أو رحيله، لا بد من أن تتحرك الدول المعتدلة في المنطقة بأقصى سرعة، لملء الفراغ السياسي الذي ستخلفه القاهرة، قبل أن نصحو ونجد أنفسنا مختطفين من قوى متربصة بالجميع، استهدفت في سنواتها الأخيرة دولتين فقط بعد سقوط العراق، الأولى هي «مصر» وقد تحقق لهم فيها ما يريدون، والدولة الأخرى هي المملكة العربية السعودية. الآن وكما يقال أصبح «اللعب عالمكشوف» والقفازات ترمى في وجه الجميع، لا كبير ولا صغير، فالميزان اختل، والعدالة الدولية غائبة عن المنطقة، ولا شرعية إلا للجنرال «أرض الواقع» وهناك من يعيث فينا فساداً بدعم من طوابير خامسة أضحت على ما يبدو منتشرة في كثير من البلدان العربية. إن المتتبع لسلوك المتظاهرين في القاهرة وطريقتهم في التعبير عن أنفسهم لا يحتاج لأي قراءات خاصة، فقد ارتدوا أكفاناً بصورة لم تتكرر كثيراً إلا في فلسطين وعراق ما بعد الانهيار، وجنوب لبنان، واصطفوا بطريقة مدربة، وانتشروا بآلية انتشار عناصر حزب الله نفسها في بيروت «سرعة في الانتشار وقوة في البطش» وكما أن اللبنانيين فوجئوا في الأحداث الأخيرة بوجود عناصر من الحزب في أطراف بيروت وشوارعها الرئيسية، كذلك فوجئ المصريون بالكثافة العددية لهؤلاء الشباب، وبثقافتهم الأمنية المرتفعة، فهم يعرفون جيداً أين يختارون نقاط ارتكازهم، ويدركون آلية الانتشار والتوزيع بصورة تفوقوا فيها حتى على طريقة ارتكاز وانتشار الأمن المصري المدرب والمحترف. لن نبكي كما يقال على اللبن المسكوب، ولن نتهم قنوات بأنها أذرع استراتيجية مهمة في تنفيذ مخطط ليس إسقاط مصر، بل إضاعة هيبة مصر أولاً ومن ثم إسقاطها، والسعي لخلق فوضى قاتلة لما بعد مرحلة السقوط، واللعب بالشارع المصري، يمنة ويسرة كما هو حاصل الآن، وأخذه كلاعب ماهر مرتاح لضعف خصمه إلى نحو ما يريد. السؤال المهم الآن هو «هل حدثت خيانة في مصر؟!» السؤال بصيغة أقرب «هل من حول الرئيس مبارك أطراف في هذه المؤامرة؟» وهو بالمناسبة سؤال يردده كل المصريين بصيغ وبأصوات مختلفة، سؤال تفرضه قراءة الأحداث المتتالية التي ليست في حاجة لانتقائية في اختيار الكلمات، ولا مواراة في استعمالها، بخاصة بعد خطاب الرئيس الأخير، وبعد حالات الاصطدام الحاصلة في الشارع في الوقت الحالي. لا يوجد حتى الآن دليل قاطع على صحة الإجابات التي تؤكد وجود خيانات، أو تؤكد وجود تخاذل في قوى السلطة التنفيذية في البلاد بأطيافها كافة وهيئاتها وتفرعاتها كافة، لكن في المقابل فإن التبريرات المقدمة كافة لدحض هذا الشعور بالتخاذل الواضح والملموس في الشارع المصري لا تستثني أحداً من الإجابة على موقفه بنعم. السؤال مجدداً «هل مدير المخابرات السابق ونائب الرئيس الحالي عمر سليمان لم يكن يعلم أن هناك تحركات خفية في الشارع تسعى لإسقاط هيبة وشرعية النظام؟». هل عمر سليمان بكل ما يشاع حوله من قصص ومن أساطير ومن حكايات تجعلنا نظن أننا في يد «أقوى جهاز أمني في المنطقة والعالم» لم يكن قادراً على احتواء المظاهرات في بداياتها؟ هل رجل المخابرات المدرب على أعلى مستوى في أرقى الأكاديميات لم يكن يستشعر حجم الخطر المحيط بنا؟». سنفترض بطيبة المصريين أن جهاز الاستخبارات لم ينجح في التقاط قراءة متأنية لما عليه الشارع؟ وما يدور في كواليسه؟ وهو أمر منطقي مستبعد، لكننا سنفترضه، السؤال هو ألم يكن سليمان قادراً بعد اندلاع الأحداث على احتوائها؟ لماذا لم تنجح الاستخبارات المصرية، في القراءة الدقيقة لما يدور وتجاربها التاريخية تشير بطريقة أو بأخرى على أنها مرت بمراحل عصيبة أكثر مما عليه الآن؟ إذا وجدنا من يلتمس لها العذر في عدم التقاطها للأحداث قبل انطلاقها، فأين كانت بعد انطلاقها وماذا فعلت؟ وما دورها في مواجهة هذا «الفلتان» في الشارع المصري. ثانياً أداء الجيش المصري الذي هبط إلى الشارع وقد التقط الطعم المسكن الذي نادى بنظافة يده وحياديته، وهي حيادية سلبية، تبدو نتائجها الآن على كل المصريين، المؤيدين للرئيس أو المعارضين لبقائه. لماذا ترك قادة هذه الجيش بعض هؤلاء الشباب يكتبون على آلياته عبارات ساخطة مهينة لقائده الأعلى؟!... لا يمكن هنا تغييب موافقته الضمنية عليها مثل «يسقط مبارك» أو «الشعب يريد إسقاط النظام». أين كان أفراد الجيش الذين تروج حولهم الأقاويل وأنهم القوة العربية الضاربة، وأنهم الدرع الحامي للعروبة؟ أين كانت قواتهم وهي تقف مدعية هذا الحياد غير الحيادي والأحداث تتصاعد بسرعة غريبة؟! نعم هناك أصوات ستقول إنه لم يكن من الممكن الدخول في مواجهات مع المتظاهرين، لكن المتتبع للعقيدة العسكرية المصرية سرعان ما سيكتشف أن الجندي المصري يضحي بحياته من أجل عدم الإخلال بهيبة الدولة، لكن غابت هذه العقيدة حد الكفر بها، ونزل الجيش للشارع ليبدو وكأنه جاء ليكون طرفاً في هذه المهزلة التاريخية، ويوظف من دون أن يدري كأداة في الحرب الجديدة كلياً على العالم، القائمة على التشكيك برموز الدولة إلكترونياً، ومن ثم السخرية منها في الشوارع الخارجية، وانتهاز الفرصة والوقت لانتقالها للداخل على استحياء، ثم التعبير عن نفسها صراحة، بدعم من جهات وقنوات خارجية، دورها قائم على ترويجها وترسيخها. كيف غاب عن الجيش هذا الفخ؟ وأين كان وزيره المشير حسين طنطاوي، ألم يكن يعلم بما يدار ويحدث وهو يتحرك ببراءة شديدة بين جنوده في أحد الأمكنة الداخلية في وسط القاهرة؟ لقد بدا مثل أب حنون يداعب ابناً مدللاً، ولم ألمس أنه قائد عسكري يشد على يد جنوده، وشتان الفارق بين الاثنين، شتان التراخي في أداء الجنود لتحيتهم العسكرية وهو يمر بينهم، والحالة الحرجة التي عليها الدولة، والتي لا تتوافق مع مثل هذا التراخي. الجهاز الآخر الذي لا نعرف حتى اللحظة ماذا حدث له وهو جهاز الشرطة، لقد مر الشارع المصري بمطبات أمنية عدة طوال العام الماضي فقط، بدءاً من العراق وجنوب لبنان، وإيران، حينما تم تحذير الشارع المصري بأن جماعات بعينها ستستهدف الأقباط المصريين وستستهدف دُور عبادتهم، ومع ذلك لم يلتقط أحد هذا التحذير، وكان هناك كسل أمني وعدم رفع حالات التأهب استعداداً لحدث مهم سيحدث في الشارع، وكانت النتيجة تفجير كنيسة الإسكندرية، والاكتفاء في التعبير عن الوطن بظهور فنانات يخرجن ب «أوبريتات» يبكين فيها زيفاً، ويغنين فيها مصر القوة ومصر الحضارة، ليزداد رصيدهن المالي ويقل رصيدهن الإنساني. أين كانت الشرطة المصرية؟ سؤال لا بد من الإجابة عنه، ولا بد أن يكون عنواناً لكثير من الدول العربية الأخرى قبل أن تفاجأ باختطاف شوارعها مثلما حدث في مصر. إن كل الإجابات التي تبرر فرار الشرطة وتخاذل الجيش وتغييب الاستخبارات عن الأحداث، غير مقبولة، الشيء الوحيد المقبول والشيء الوحيد الذي يقره العقل والمنطق أن ثمة خيانة حدثت في المؤسسة المصرية وعلى أعلى المستويات، وليست خيانة فرد أو جهاز بل خيانة أجهزة، حتى التحركات التي قام بها الرئيس مبارك هي الأخرى تؤكد أن المستشارين حوله، لم يكونوا أمناء معه كما ينبغي، ولم يقولوا الرأي صراحة، فكيف له والشعب ثائر وقام بحرق مقار الحزب الوطني كافة، يقدم على خطوة مثل تعيين الأمين العام للحزب الوطني؟ كيف يستثير الناس بهذا الشكل؟ كيف يمكن أن يقدم على إجراء مثل هذا وهو يعلم يقيناً أن غضب الشارع السبب الرئيس فيه هو رموز الحزب الوطني بدءاً من أحمد عز، وانتهاء بابنه جمال، كيف يسمح وهو يعلم أن الشعب في قمة السخط والغضب ليخرج عليهم صفوت الشريف مستخدماً الخطاب التقليدي العقيم نفسه ليزيد الجو التهاباً وغضباً. كل هذا لا يشير إلا إلى شيء واحد وهو أن هناك قوى خفية كانت تتعجل هذا السقوط، وكانت تتعجل الوصول إلى هذه المرحلة التي تحول الشارع المصري فيها إلى غابة وفوضى، لقد نجحت مؤامرة خلق الفراغ وسط 80 مليون إنسان، في خلق فراغ شعبي، فهناك أيضاً غياب واضح ل80 مليون مصري. أخيراً لا يمكننا الآن تحديداً إغفال الدعوة التي أطلقها الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، قبل أعوام حينما وجه نداء إلى كبار الضباط في القوات المسلحة المصرية، يدعوهم فيها إلى التمرد على قياداته، وخلق ثورة شعبية غاضبة تطيح بالرئيس وبمؤسسة الرئاسة، ولا يمكننا الآن التعامل مع مثل هذه النداءات والدعوات بالاستخفاف السابق نفسه، إذا كنا نريد حقاً الاستفادة من الأحداث المصرية، كما لا يمكننا إغفال الدعوة الإيرانية المتعجلة والمرحبة بالتوتر الحاصل في مصر، وبأنها بداية لقيام «شرق أوسط إسلامي» ليعود الأزهر إلى سيرته الأولى، ويجلس على مقاعد العلم فيه أصحاب العمامات، وليدور في الشارع الخطاب الإيراني نفسه، لتغرب مصر العربية، وتبرز مصر الفقيه والملالي، وكأن لسان حالهم يقول «انتهى الدرس يا... غبي». * صحافي مصري. [email protected] إن المتتبع لسلوك المتظاهرين في القاهرة لا يحتاج لأي قراءات خاصة فقد ارتدوا أكفاناً بصورة لم تحدث إلا في فلسطين وعراق ما بعد الانهيار وجنوب لبنان.