لأن السيد «عرقوب» كان في زمنه نادر المثال في خلف المواعيد فقد ضرب به المثل في ذلك المجال، ثم تدهور الزمن فأصبح في كل زاوية وركن عرقوب فحل في خلف المواعيد فما عاد الناس يدرون بمن يضربون المثل في هذا الأمر الجلل، حتى أصبحوا يعدون من يفي بوعده وينجز عهده إنسانا نادرا أمام تكاثر أحفاد عرقوب نسبا أو سلوكا من السادة العراقيب!، وهناك طرفة مشهورة تقدم صورة مبالغا فيها وقد تكون موجودة ولكن طرافتها جعلتها أقرب للمبالغة، وموجزها أن شخصا وعد صديقا له بأن يمر على داره للذهاب معا لقضاء حاجة من الحاجات فقال له: انتظرني في الساعة التاسعة صباحا فإن لم أصل فاتصل بي هاتفيا في الساعة العاشرة فإن لم أرد على الاتصال فانتظرني حتى الساعة الحادية عشرة فإن لم آت فقم بإلغاء الموعد في الساعة الثانية عشرة ظهرا، ومثل هذا المخلوق العرقوبي لا يمكن توقع وفائه بالوعد حتى لو قيل له إن ما يفعله هو إحدى آيات النفاق: «وإذا وعد أخلف» بل إنه يرى في ذلك مزية له على غيره من «المصاقيع» لأنهم من وجهة نظره يحافظون على مواعيدهم بالدقيقة والثانية معلقا عليهم بسخرية قائلا: «عالم فاضية!! وكأن الدنيا طائرة» ولو سألت عما جعله يخلف وعده وما هي المسؤوليات والمشاغل الجسام التي اضطرته إلى ذلك لما وجدت أي سبب قهري أو مهم وإنما هي خصلة النفاق التي تلوب في قلبه وتأبى إلا أن تنعكس على تعامله مع الآخرين، وقد شجع على تكاثر أحفاد عرقوب أن الناس لم تعد تحاسبهم أو تستنكر أعمالهم وسلوكهم غير السوي، بل ربما تحدثوا عن بعضهم بإعجاب يدخل السرور إلى قلوبهم، فقد سمعت من يتحدث عن عرقوب متوسط الحجم يعد خمسة أشخاص في ساعة واحدة من نهار فإذا جاء الأول ذهب معه إلى مشواره وترك الباقين يتلوعون مما فعله بهم، فإن بلغ ذلك مجالس العراقيب وأمثالهم من المجاذيب أبدوا إعجابهم بصاحبهم عرقوب على دهائه وقدرته في خلف المواعيد، وقالوا: يا ليت لنا مثل ما أوتي عرقوب فإذا سمع بما قالوه اهتز رأسه الكبير إعجابا بنفسه وارتياحا من أن له في المجتمع معجبين يتمنون أن يكونوا مثله في خلف المواعيد، أما الذي يحافظ على مواعيده في هذه الأيام فإن قلبه سوف يتضخم من شدة القهر والشعور بالغبن وقد لا يقابل إلا بابتسامات ساخرة: مسكين.. من الصباح ملطوع.. ينتظر عبدالسميع!!.