سبب دمج التقاعد والتأمينات ومكاسب متوقعة    التجارة تشهر بفرع شركة باعت مواد غذائية فاسدة بمكة    ارتفاع أسعار النفط اليوم.. و "برنت" عند 74.50 دولار    قمة بين بايدن وبوتين في جنيف    المملكة تؤكد دعمها ومساندتها لجهود المغرب لإيجاد حل سياسي واقعي لقضية الصحراء المغربية    "الأخضر السعودي "يتأهل للتصفيات النهائية المؤهلة للمونديال    "الوطني للأرصاد": رياح نشطة وأتربة مثارة على ينبع    "الوزراء" يقرر دمج "التقاعد" في "مؤسسة التأمينات"    تسجيل 624 موقعاً أثرياً جديداً بالمملكة    أمريكا يحكمها ساستها.. وبريطانيا علماؤها !    دراسة: كورونا موجود في أمريكا منذ ديسمبر 2019    المملكة تتخذ إجراءات استباقية ووقائية لحماية الأشخاص ذوي الإعاقة من كورونا    إصابة 27 فلسطينياً في مواجهات القدس    كوريا الجنوبية تسجل : 545 إصابة جديدة بكورونا وحالة وفاة واحدة    المسحل يزور تمبكتي بعد تعرضه للإصابة    "الزراعة" تواصل تفتيش محلات بيع المبيدات والصيدليات البيطرية بتبوك    معدّل تضخّم أسعار المصانع الصينية في أعلى مستوياتها منذ 2008    ختام بطولة جدة للرياضات اللاسلكية    القصبي يبحث تعزيز العلاقات الإعلامية مع الأردن    إيطاليا لتأكيد بدايتها القوية أمام سويسرا    تطوير 26 محطة وقود في المدينة    وضع أسس الشراكة بين صندوق الشهداء و«هدف»    ورحل العالم الجليل    سمو أمير منطقة جازان يعزي مدير الدفاع المدني بجازان ومدير كهرباء المنطقة السابق    القتل تعزيراً لإرهابي أنشأ خلية مسلحة في الدمام    معالجة الفاقد التعليمي قد تستغرق خمس سنوات    تعثر مشروعات المطارات وجهود توطين الوظائف.. على طاولة الشورى    أمير جازان يدشّن مبادرة «اعرف حقك»    خالد الفيصل يتوج الفائزين في تحدي أيام مكة للبرمجة والذكاء الاصطناعي    واشنطن تؤيد سياسة الرياض تجاه اليمن    القصبي يؤكد حرص المملكة على تنمية علاقاتها في المجالات الإعلامية مع مصر    فيصل بن سلمان يشيد بدور الأمن الصناعي في الحفاظ على المنشآت    القصبي يقترح تحديث الإستراتيجية الإعلامية العربية للتصدي لجائحة كورونا    150 وزيراً ومفتياً وعالماً يؤيدون قرار المملكة تنظيم الحج    عبدالله بوشهري: أخيراً عدنا ل«كان» السينمائي    فتيات سعوديات يتأهلن ل«فن» المكياج السينمائي    صحة مكة تكرم الزميل جبريل    لقاحات كورونا قد تثير مشاعر الغيرة    تأييد عالمي لإجراءات السعودية لحج هذا العام    الشيخ ناصر الشثري.. وداعًا أيها العالم الجليل    أمير تبوك يرفد سوق العمل ب 7071 خريجاً وخريجة    السيسي يدعو أمير قطر لزيارة مصر.. وتسوية الملفات العالقة    عسير : ضبط وافدين بحوزتهما 618 قرص إمفيتامين مخدر    السفير الرويلي يستقبل بعثة الكاراتيه ويهنئ الحامدي    كيف تصبحين أنثى على «تويتر» ؟    أمير القصيم يستقبل قائد قوات الطوارئ الخاصة    فرنسا تفوز علي ألمانيا في أفتتاح مشوارهم باليورو    ولكن أخلاق الرجال تضيق!    عمرة ديجتالية        تدشين مبادرة حقوق الإنسان    اجتماع لدعم أبناء وبنات الشهداء والمفقودين    ( الكاتبة "فاطمة السلمان" تصدر كتابها "الملاب" )    الأمير تركي بن طلال يستمع إلى الاحتياجات التنموية والخدمية والصحية لأهالي مركز العرقين    مليار جنيه إسترليني خسائر الأندية الإنجليزية.. الأكبر في تاريخ الدوري    الصين تتهم حلف الأطلسي بالسعي إلى "خلق مواجهات بشكل مفتعل"    صعب أنسى    أمير تبوك يستقبل المواطنين في اللقاء الأسبوعي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





يا عيد عد بي إلى فرحك !
نشر في عكاظ يوم 13 - 05 - 2021

الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله..
الله أكبر.. الله أكبر.. ولله الحمد..
يا الله.. النّداء ذات النّداء لكن الأيّام غير الأيّام، والزمان غير الزمان، والمكان غير المكان.. والعيد ما هو بذاك العيد الذي ألفناه، وتلمظنا بشغف حلاوة طلاته المباركات..
عد بي ومعي على هودج الذكرى ومطايا النوستالجيا، وتخفف من أثقال الزمن الحاضر، ومثاقيل الواقع المعيش ونحن نعاني القلق والخوف فقد البستنا الجائحة ثوبها الفضفاض وأطفأت فينا روح الفرح والحياة.
تعال معي إلى مكّة المكرمة مسقط رأسي ومرابع صباي.. وقد انقضى من رمضان ثلثاه، تذكرني به (أمي الغالية) بأن لا أنسى إخراج زكاة الفطر، فرمضان على وشك الرحيل هي عادة لازمتها لا تهدأ حتى ترى أكياس الرز والحب وقد تكومت في ركن البيت تجبر كل فرد منا أن يضع يده على كيسه وينوي إخراج زكاة فطره حتى ينجبر صومه. لم يبق إلا الثّلث الذي يحمل في طيّاته إرهاصات عيد الفطر المبارك.. كلّما انقضت ليلة من العشر الأواخر قرّبتنا من فرحة ننتظرها بفارغ الصّبر، وكلّما غابت شمس يومٍ أشرقت على مظهر من مظاهر الإعداد له تعلو البشاشة الوجوه وتلهج الألسنة بالحمد، والتهاني والتبريكات.
في العشر الأواخر، يطلق المكّيون عليها «عشرة الخيّاطين»، وقد تزاحموا عندهم لتفصيل الجديد من الثّياب، لاستقبال يوم العيد الأغر.
ربّات البيوت في شغل دائب وعمل مستمر لتنظيف بيوتهن وأثاثهن، لتظهر في أرقى حلّة، وأبدع منظر.. قدر الدبيازة تفوح منه تلك الرائحة الجميلة وكأنه ذهب يسبك في معمله، الأسواق تشهد حركة دؤوبة وقد طاف الناس بتلك الأسواق يشترون لأبنائهم وجيرانهم وأقاربهم ما يسعدهم في يوم العيد صورة من صور التكافل المكّي الأصيل، لا مكان لحزن، ولا غصّة في هذا اليوم الموعود بالفرح والمطرز بالبهجة.
لم تكن الأسواق تعرف الجاهز من الثياب فكانت تخاط من قبل الخياطين، من سراويل مشتغلة فهذا يحمل رجل الغراب، وهذا شباك حبيبي، وهذا سكة التائهين مشالح مقصبة وشيلان مطرزة وعُقل وكوافي وكبك وأزارير وغيرها من مستلزمات العيد وفرحته.
قبل العيد تتجه حركة البيع والشراء إلى محلات بيع حلاوة العيد، وقد «تبرّجت» المحلات والبسطات بزينة تحملها في مظهرها فرحًا ناطقًا، وقد حوت ألوانًا من اللوزية، والحلقوم، والمكسرات، والشيكولاتة وطبطاب الجنة والتي ما يزال مذاقها عالقًا في الذاكرة، يزري بكلّ صنوف الحلويات المعروضة. كنا في ساحة الكرم المكي، نترقب بشرى الإعلان بميلاد هلال شوال.. حديدو البصر كما أوهمونا يفتّشون في طيّات الأفق عنه حتى قبل أن يولد يعلنون الرؤية فتنطلق البشارة لا ننتظر أن يذاع ذلك من مذياع، أو ينقله لنا ناقل، ولكن نستشعره «طازجًا»، فتحس كأنّك أنت من رأى الهلال، وأنك أوّل من حمل البشرى فطاف بها فرحًا لينقل النبأ السّعيد، ولكن هيهات فقبل أن تتعدى أقدامك ساحة الحرم المكي تتناهى إلى سمعك أصوات المدافع، معلنة العيد تدوي في جنبات مكّة وتبلغ جبالها وتعود إلى دورها بالصدى، وتنطلق من منائر البيت العتيق أصوات التكبير والتهليل والتحميد، قبل أن تسكته الصحوة وتعتبره بدعة ومكروه.
تنشط الحركة فترى المسجد الحرام وقد استعد ليومه المشهود، فها هم خدّامه شرعوا في تنظيف «الجلايل الرومي الحمراء عبر تعليقها ثمّ الضرب عليها ليزيلوا ما علق بها من غبار، وضوّعوا المكان بعبق العطر، والعود وهيأوا المسجد للصلاة (المشهد)».. الجميع يسابق الزمن ليعد العدّة للفرح المنتظر، والفقراء ينالون زكاتهم المفروضة، فيتسع الفرح للجميع..
ها هي مكّة، كأنها لم تنم ليلة العيد، فظلّت مستيقظة بالفرح انبلج فجر العيد، وضّاح المحيا، برّاق الثنايا بالسرور.. من كلّ دار يخرج الجميع بالجديد، والفرح النّاضح من القلوب، ومحيّا كلّ واحد يتلألأ بشرًا وسعادة.. الخُطى مسرعة نحو الحرم حيث صلاة العيد «المشهد»، والطرقات تضجّ بالتهليل والتكبير والتحميد.. ألا ما أبرك اللّحظة وما أجمل العيد في أمّ القرى.. فما إن تنقضي الصلاة حتّى يقبل الجميع على بعضهم بالتحية، يوحّدهم الفرح، ويفتح قلوبهم العيد، تتصافح الأيدي، وتغتسل القلوب من الرّان في نهر التّسامح والتّصافي، وتلهج الألسن بالدعاء: «من العايدين.. وكل عام وأنت بخير.. إن شاء الله من عوّاده».. ويأتيك الردّ في أبهى حُلل السّرور: «إن شاء الله نحن وأنتم وجميع المسلمين».. سيتدافع نحوك الصّغار يطلبون العيدية، فعجّل لهم بما تيسر فدونهم طائفة من الألعاب قد نصبت في الميادين والحارات.. ستطوف كغيرك من أهالي هذه البلدة الطيبة على كلّ البيوت بالمباركة، دون حرج؛ فكأنّما كلّ بيت هو بيتك، وكلّ ساكنيه هم أهلك في يوم الفرح ستنقضي سحابة نهار اليوم الأوّل في الأقربين والجيران، وستعاود الركض في دروب «المعايدة» لمن هم أبعد، فلابد أن تصل الجميع، وتوزّع فائض السّرور عليهم، وتشحن روحك من عميق مودّتهم. كان والدي -رحمه الله- يتركني في صالون المنزل ويترك على الطاولة قلم وبوك ورق وصحن حلاوة وقارورة عطر ليالي باريس أو ثلاث خمسات من يأتي للعيد يكتب اسمه ويأخذ حلاوته ويتعطر ليقوم والدي بزيارته ورد عيده.
ستجتمع مع عائلتك وأسرتك على موائد الإفطار والغداء والعشاء، ستسمع بما يغذّي روحك، ويعمّق من انتمائك.. ستحس بقيمتك، ومعنى أن تكون «مكّي الهوى والعشق» وصوت الست يشدو ياليله العيد انستيتا وجددت الأمل فينا.
ترهقني هذه الذكرى.. فعد بي إلى الواقع الآن.. ها نحن في طريقنا إلى المصلى، كأنّ الصّوت غير الصّوت، والعيد غير العيد، فرح ناقص، وحزن طاغٍ.. نصف وجهي خلف كمامة، ونصفه الآخر لا طلاقة تغشاه، فالمسافة متباعدة بيني وبين مجاور؛ ضرورة واجبة لضمان السلامة، وأخشى على القلوب من هذا التباعد الحسي أن يغدو معنويًا فما عدنا نحسّ بالعيد.. تنقضي الصّلاة بلا أي مظهر من مظاهر الفرح، وتكون محظوظًا لو أقبل عليك أحدهم بالتّحية العابرة، تجرّ خطاك نحو دارك فلا ترى في الشوارع مظهرًا لفرح، أو إثارة لسرور، الأبواب مغلقة والستائر مسبلة وأهل البيوت وكأنهم من أهل القبور تعود الأجساد إلى مضاجعها لتنام أو تنكفئ على ذواتها وعالمها الافتراضي الخاص، وتترك العيد ليجوس وحده في الطرقات، يتيمًا يبحث عن وجهٍ يرسم عليه ملامح فرحٍ عابر فلا يكاد يجد..! كل عيد ووطني والقائمين على أمره والساكنين على أرضه بخير وعافية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.