جهات إعلامية مصرية تدعو لوقف السجالات الإعلامية وتعزيز العلاقات مع الدول العربية    أدوار المسجد الحرام.. توسعة هندسية متقدمة تعزز انسيابية الحشود    تراجع أسعار النفط بعد مكاسب حادة.. وبرنت عند 102.75 دولارًا    تنسيق خليجي لوقف اعتداءات إيران    الرياض تستضيف مساء اليوم اجتماعا وزاريا تشاوريا لوزراء خارجية مجموعة من الدول العربية والإسلامية    دعماً للتنمية وتحفيزاً للاستثمار.. 3177 ملياراً.. تمويلات مصرفية للقطاع الخاص    المسارات اللوجستية    تباطؤ التضخم بالمملكة لأدنى مستوى في عام مع استقرار أسعار الأغذية والمساكن    جولات مكثفة ل «التجارة» قبل العيد    نائب أمير المدينة يزور المسجد النبوي ويشارك الأئمة إفطارهم    قائد ملهم وأيقونة لشباب الوطن    فيصل بن خالد يطلع على أعمال "جوازات الشمالية"    واشنطن تدعو لتصنيف الحرس الثوري وحزب الله إرهابيين    شهيدان وإصابات في خروقات الاحتلال لوقف إطلاق النَّار بغزَّة    الرئيس العليمي: الاعتداءات الإيرانية زعزعة للاستقرار الإقليمي والدولي    الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بعرقلة الاتفاق.. طريق مسدود أمام تبادل الأسرى    في نصف نهائي كأس خادم الحرمين الشريفين.. قمة مرتقبة تجمع الأهلي والهلال.. ومهمة تاريخية للخلود أمام الاتحاد    استعرضوا انعكاسات مستجدات الأوضاع الراهنة على الأمن.. وزير الداخلية يبحث مع نظرائه الخليجيين تعزيز الاستقرار    في إياب دور ال 16 لدوري أبطال أوروبا.. برشلونة وليفربول يسعيان لتخطي نيوكاسل وغلطة سراي    تخسير ماليزيا مباراتين يرسل فيتنام إلى النهائيات    طريق ممهد لبايرن وأتلتيكو.. وبرشلونة وليفربول في مهمة صعبة    10 ملايين ريال لمستفيدي بر الأحساء خلال رمضان    أكد تطوير المنظومة.. الصمعاني: العمل التطوعي العدلي يدعم مستهدفات رؤية 2030    المملكة تعزز الأمن الغذائي في الدول المحتاجة والمتضررة    أمانة مكة تشدد جولاتها الرقابية استعدادًا لعيد الفطر    يمزق جسد زوجته ب17 طعنة بمحطة الحافلات    أمانة الشرقية تطلق مبادرة "رفقاء الخير" لتمكين الباعة الجائلين تقنيًا ضمن"بسطة خير 2026″    3 ملايين زائر لفعاليات رمضان في جدة التاريخية    جامعة سطام تحقق ثلاث ميداليات في جنيف    القرآن إيجازٌ كلّه    أمر ملكي يرسي نقلة نوعية حضارية للفنون    «السلم والثعبان 2: لعب عيال» أول أيام العيد    400 فعالية ب«بينالي الدرعية» تعزز حضور الثقافة    موجز    مُحافظ الطائف يستعرض استعدادات إدارة المساجد لصلاة عيد الفطر    جموع المصلين يشهدون ليلة ختم القرآن في الحرمين.. منظومة استثنائية لذروة روحانية    240 موظفًا لخدمة ضيوف الرحمن في الحرم    "مكافحة التدخين" في القصيم ينظم 50 معرضاً برمضان    TikTok ينصف المستقلين وSpotify يصنع النجوم أولا    %58 يتأثرون بالذكاء الاصطناعي رغم ضعف الثقة به    27.49 % تراجع التداولات اليومية في سوق الأسهم    في قرار تاريخي.. الكاف يعتبر السنغال خاسرة ويمنح لقب كأس أمم إفريقيا 2025 للمغرب    ذكاء اصطناعي يفك النقوش    التوت البري يعزز صحة القلب    المقلاة الهوائية تفسد سطح المطبخ    تحويل البلاستيك لعلاج عصبي    تشكيل الهلال المتوقع أمام الأهلي في الكلاسيكو    أمير الرياض يعزي في وفاة رجل الأعمال حمد الجميح    تشكيل الأهلي المتوقع في الكلاسيكو أمام الهلال    ختم القرآن الكريم بجامع الشيخ عبدالله أبوعامرية في بيش وتكريم الأئمة والمؤذن    «الحناء» في حياة المرأة السعودية.. رمز للجمال عبر الأجيال    جولات رقابية لسلامة الغذاء    أمانة نجران تستعد لإطلاق فعاليات عيد الفطر في موقعين    المملكة تعزي إثيوبيا في وفيات الفيضانات    هي أشياء لا تشترى    المحكمة العليا تدعو إلى تحري رؤية هلال شهر شوال مساء يوم الأربعاء ال29 من شهر رمضان لهذا العام 1447ه    محمد بن سلمان صمام الأمان    أمير نجران يلتقي رئيس محكمة التنفيذ بالمنطقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبدالنور.. مؤسس الصناعة الفندقية في البحرين
نشر في عكاظ يوم 22 - 12 - 2019

تعددت أسماء المكان الذي يقيم فيه المسافر خارج وطنه. فقديما أطلقوا عليه مسمى نزل، وبانسيون، وأوتيل، وهوتيل، ومسافرخانة، لكن الاسم الأكثر استعمالا وشيوعا هو «فندق»، المختلف عليه لجهة الأصل والجذر اللغوي.
تاريخيا يعود ظهور الفنادق الى زمن الحضارة الإسلامية في الشام والعراق ومصر، حيث وجدت الخانات والبيوت غير المسكونة في الطرق ليأوي إليها الغرباء وعابرو السبيل وطلبة العلم ويضعوا فيها أمتعتهم. وكان يُنفق عليها من أموال الزكاة طبقا لبحث أعده الدكتور راغب السرجاني بعنوان «الفنادق والخانات في الحضارة الإسلامية» والذي ذكر فيه أيضا أن الظاهرة تتفق مع مضمون الآية الكريمة الواردة في سورة النور ونصها «ليس عليكم جناح أنْ تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم». ويضيف السرجاني موضحا أن أمر الفنادق في الحضارة الإسلامية تطور بعد ذلك إذ لم يقتصر قاصدوها على التجار وطلبة العلم وعابري السبيل فحسب، وإنما صار بعض الخلفاء ينزلون بها أيضا في أوقات سفرهم لتفقد الثغور.
أما في الغرب فقد أقيمت خانات المسافرين قبل ظهور وتطور الفنادق كمؤسسات تجارية خلال القرون القليلة الماضية. ففي الولايات المتحدة مثلاً كان موقع الفنادق مرتبطا دوما بتوفر النقل. وأثناء الاستعمار البريطاني وُجدت مجاورة للموانئ، وعند نهاية القرن 18، عندما زاد سفر المهاجرين إلى أمريكا، بدأ العديد من الخانات تعرض خدماتها للسكن على طول الطرق السريعة. وبعد بناء الخطوط الحديدية في القرن 19، ظهرت فنادق أكبر بمواصفات حديثة وراقية بالقرب من محطات السكك الحديدية. ومن الفنادق التي اتصفت بالفخامة فندق «أستوريا» القديم في مدينة نيويورك، و«قصر براون» في دينفر بولاية كولورادو. وبعد الحرب العالمية الأولى ازدهر العمل الفندقي وزاد حجم بناء الفنادق كثيراً بسبب تزايد رحلات العمل، وكانت أكثر الفنادق الجديدة واقعة بالقرب من مناطق العمل في مركز المدينة. وفي العشرينيات، صارت الفندقة صناعة، وبالتالي ظهرت مدارس ومعاهد محترفة لتخريج المتخصصين في إدارة الفنادق وتهيئتهم لتطوير هذه الصناعة، كما ظهرت أيضاً مدارس ومعاهد تقنية لتدريب المستخدمين المهرة والطباخين وفنيي التركيبات ومهندسي ديكور الفنادق ومناهلها المتنوعة.
عربيا يعتبر «فندق ميناهاوس» في القاهرة أحد أقدم الفنادق التي أقيمت بالمواصفات الحديثة المعروفة. إذ تم تشييده في القرن 19 ليكون مكانا لاسترخاء الخديوي إسماعيل بعد رحلات الصيد وزيارة الأهرامات. كما أن تشييده جاء متزامنا تقريبا مع افتتاح قناة السويس ومجيء الإمبراطورة أوجيني وحاشيتها إلى مصر حيث أقاموا به واستمتعوا بجماله وروعة تصميمه الهندسي. والمعروف أن اسم «مينا هاوس» لم يطلق على الفندق المذكور إلا في عام 1883 حينما اشتراه الثري الإنجليزي «فريدريك هيد» الذي استهواه الاسم باعتباره يرمز إلى الملك الفرعوني «مينا» موحد القطرين.
أما على مستوى دول الخليج والجزيرة العربية فيعود تأسيس أول فندق إلى 1925 في محلة أجياد بمكة المكرمة، وذلك بسبب خصوصية مكة كمدينة تستقبل حجاج بيت الله الحرام من كل أصقاع الدنيا. كما عرفتْ مدينة جدة، باعتبارها ميناء وصول الحجيج ومدخلهم إلى مكة، أوائل الفنادق الخليجية التي كان يطلق عليها وقتذاك «أوتيل»، حيث ظهرت أوتيلات تحمل أسماء مثل: حجاج، الجوخدار، خميس، بقش، محمد نور تركي، أبو زيد، جدع وغيرها طبقا لما كتبه الباحث السعودي سامي خُميّس في صحيفة عكاظ (2/8/2013). غير أن أول فندق كبير عرفته جدة كان «أوتيل الحكومة» لصاحبه عثمان باعثمان. ثم توالى ظهور الفنادق فعرفت جدة فنادق: التيسير، التوفيق، السعادة، قصر السقاف، قصر قريش، قصر الكندرة، النهضة. والفندقان الأخيران أحدثا نقلة نوعية في الخدمات الفندقية في السعودية من حيث التصميم والخدمات والديكورات. أما في الكويت فإن أقدم فندق بني فيها هو «فندق شيرين» نسبة إلى صاحبه «يوسف شيرين» من عائلة البهبهاني المعروفة، وكان مكانه في ساحة الصفاة. وكانت خدماته متواضعة، لذا كان سعر المبيت للشخص الواحد مع الطعام هو 30 روبية تضاف إليها عشر روبيات نظير تشغيل مكيف هواء يعمل بالماء (طالع صحيفة القبس الكويتية 24/10/2012).
أما مدينة الخبر السعودية فلم تعرف الفنادق إلا في منتصف الخمسينات حينما بنى مواطن من الحجاز ممن أثروا من العمل في شركة أرامكو النفطية يدعى محمد عبدالمطلوب «فندق المطلوب»، وكان موقعه في قلب شارع الملك خالد، وكان الفندق يتميز ب«تراس» يطل على الشارع ويتجمع فيه الناس مساء لشرب الشاي والقهوة والمرطبات وتدخين شيشة الجراك الحجازية المتميزة بخرطومها الطويل. وتقول إحدى الدعايات المنشورة عن الفندق في صحيفة «أخبار الظهران» السعودية القديمة: «بشرى سارة للمواطنين الكرام.. فندق المطلوب بالخبر.. أول فندق توجد في غرفه حمامات بمياه باردة وساخنة». غير أن أول فندق ضخم بالمواصفات العالمية المعروفة عرفته الخبر، بل عرفته المنطقة الشرقية بأسرها، كان «فندق الخاجة» لصاحبه التاجر البحريني المرحوم عبدالله حاجي علي خاجة. وقد تحول مبنى الفندق لاحقا إلى «مستشفى الدكتور محمد فخري». والمفارقة هنا أن «فندق المطلوب» هو الآخر تحول إلى مستشفى للولادة والأطفال قبل أن يُعيده البحريني «أحمد شاه» في مطلع السبعينات إلى فندق متواضع تحت اسم «فندق البحرين».
في ما يتعلق بالبحرين فإن المصادر التاريخية والشفوية تقول إنه لم توجد فيها فنادق إلا في مطلع الأربعينات أي قبل دولة الكويت، بدليل أن الطبيب الهندي المعروف «بندركار» حينما جلبته الحكومة للعمل في البحرين من بمبي لم يجد مكانا يقضي فيه ليلته الأولى إلا مبنى مهجورا تركه صاحبه ليستعمل كنزل سبيل. وكان مثل هذه المباني الخالية من الماء والكهرباء والمسماة «مسافرخانة» منتشرة وقتذاك في البحرين ليستخدمها بحارة السفن من الأشقاء العمانيين وغيرهم للإقامة ليلة أو ليلتين دون مقابل، ودون أن يسألهم أحد عن صفاتهم. وأغلب هذه المباني كانت مكونة من طابقين وكان أكبرها يقع في شارع المهزع مع وجود مبنى آخر عند مدخل سوق المنامة جنوب مبنى المحاكم، طبقا للمؤرخ البحريني الأستاذ خليل محمد المريخي في مقال بجريدة أخبار الخليج (26/4/2016). ويضيف المريخي نقلا عن المرحوم عبدالرحمن فخرو، أحد رجالات الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة حاكم البحرين والمسؤول عن ماليته، أنه في بداية الثلاثينات، وبسبب عدم وجود فنادق في البلاد، كان رجال الحاكم يستضيفون ضيوفه القادمين للحصول على «الشرهات» في مبنى إدارة النواطير في المنامة الذي كان يقع شمال غرب بلدية المنامة القديمة، فيما كانت تأتيهم وجبات الطعام من بعض المطاعم المجاورة. وقد استمر الحال على هذا النحو حتى منتصف الثلاثينات الذي شهد ظهور أول فنادق البحرين العصرية.
وهذا يقودنا إلى السؤال عن صاحب هذا الفندق الأول في تاريخ البحرين، وموقع الفندق، والتطورات التي مرت به.
يمكن القول، بشي من التجاوز، إن الشيخ عبدالنور محمد البستكي هو مؤسس الصناعة الفندقية في البحرين، بدليل أن بحرينيين كثرا لا يزالون يطلقون على فندقه الأول من نوعه في البلاد اسم «فندق عبدالنور» بدلا من اسمه المعتمد رسميا وهو «فندق البحرين».
يقول المؤرخ المريخي نقلا عن «إسحاق محمد هادي» ابن خال عبدالنور وزوج ابنته وساعده الأيمن إن الشيخ عبدالنور بنى فندقه المذكور في بداية الأمر من 18 غرفة موزعة على طابقين مشيدين من الخشب بشارع الحكومة في الموقع الذي كان يحتله «مطعم أمين» القديم للتكة والكباب. وكان أغلب زبائنه من موظفي شركة أرامكو النفطية السعودية الذين كانوا يأتون إلى المنامة من مدينة الخبر بواسطة عبارات خاصة لشراء لوازمهم التي لم تكن متوفرة في الأسواق السعودية في تلك الحقبة المبكرة من اكتشاف النفط في شرق السعودية.
بعد ذلك، وكنتيجة لتزايد الطلب على الغرف الفندقية من قبل موظفي أرامكو وغيرهم، نقل عبدالنور فندقه إلى مكان أرحب، هو المكان الذي شُيدت عليه لاحقا عمارة الشيخ مبارك بن حمد آل خليفة في مواجهة فندق دلمون الحالي بشارع الحكومة. حيث شيّد في هذا الموقع 24 غرفة مختلفة الأحجام مع تزويدها ببعض المستلزمات العصرية، علاوة على بناء مطعم كبير الى جانب الفندق لتزويد المقيمين في الفندق بالطعام والشراب.
واستمر هذا الفندق يعمل ويسكنه الضيوف من أرامكو وبعض زائري البحرين من كبار الشخصيات الخليجية الى عام 1940، وهي السنة التي قرر فيها عبدالنور توسعة فندقه مرة أخرى، فاشترى قطعة أرض من محمد القصيبي بمبلغ 16 ألف روبية، وبدأ في تشييد فندق البحرين الحالي، الواقع في نهايات شارع التجار، من أربعة طوابق خصصت ثلاثة منها للغرف التي بلغ عددها 21 غرفة. أما الطابق الرابع فكان أقل حجما وخُصص جزء منه للسكن والجزء الآخر للتخزين.
في سياق الحديث عن مواصفات الفندق الجديد والمواد التي استخدمت في بنائه، ذكر إسحاق محمد هادي أن جميع الأبواب كانت من خشب التيك الهندي المتين، وجميع الأرضيات مبلطة بالرخام الفاخر المستورد من إيطاليا. وأضاف قائلا إنه التحق بالعمل في الفندق وقتذاك عدد من الشباب كإداريين ومشرفين، منهم إسحاق صفي، وعبدالرحمن راشد يعقوبي. وقد استمر هذا الفندق في تطور مستمر، مستقبلا ضيوف وزوار البحرين بجانب ضيوف الحاكم من المسؤولين العرب وذلك خلال فترة الأربعينيات، علما بأن الافتتاح الرسمي تمّ على يد عظمة حاكم البحرين وتوابعها المغفور له الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة (ولد 1894 وتوفي 1961) في 21 مايو 1951. ومما أخبرنا به إسحاق محمد هادي أيضا أن مستشار حكومة البحرين البريطاني «تشارلز بلغريف» (ولد 1894 وتوفي 1969) كان يولي مشاريع عبدالنور الفندقية اهتماما خاصا، وكان يزوره باستمرار لتقديم الإرشادات حول راحة ضيوف الحاكم المقيمين في الفندق. وبالتزامن مع مشروع عبدالنور الفندقي، ظهرت في الخمسينات فنادق أخرى، محاولة منافسة فندق البحرين إلا أنها لم تحقق النجاح المطلوب، إذ استمر فندق البحرين وحده هو سيد الفنادق طوال سنوات ذلك العقد. وظل هذا الوضع حتى عقد الستينات من القرن العشرين الذي شهد انتشار فنادق أحدث بناء وأرقى خدمة وأكثر تنوعا لجهة الخدمات مثل فندقي «دلمون» لصاحبه الوجيه راشد الزياني وأولاده، وفندق «مون بلازا» لصاحبه غلام أختر زاده. وفي عقد السبعينات تراجعت شهرة وأهمية فندق البحرين أكثر فأكثر بظهور سلسلة فنادق الخمس نجوم العالمية الراقية، وكان أولها فندق الخليج الذي فتح أبوابه مع إشراقة السبعينات ودخل تاريخ البلاد الحديث كمكان استضاف في العام 1970 بعثة التقصي الأممية التي جاءت إلى البحرين في تلك السنة برئاسة الدبلوماسي الإيطالي «فيتوريو ويسبير جيوشياردي» (ولد 1912 وتوفي 1995) للوقوف على آراء ورغبات شعب البحرين في ما خص مستقبل بلادهم السياسي.
صاحب فندق البحرين هو الوجيه الشيخ عبدالنور بن محمد بن عبدالمجيد بن محمد بن عبدالرزاق بن أحمد بن عبدالواحد بن إسماعيل بن حسن العباسي الهاشمي، الشهير باسم الشيخ عبدالنور البستكي.
ومثلما يشير لقبه فهو من «البستكية»، ومفردها «بستكي» نسبة إلى حاضرة بستك التي تعتبر واحدة من المدن القديمة ذات الذكر المتكرر في التاريخ كمكان كانت تستخدمه القوافل التجارية للاستراحة والتموين في الماضي، علما أنها تبعد عن ميناء لنجة بنحو 170 كيلومترا.
وتقع بستك اليوم ضمن محافظة هرمزكان في جنوب فارس العربي الذي كان حتى العام 1868 تحت إدارة الإمبراطورية العمانية الممتدة من سواحل شرق أفريقيا حتى سواحل بندر عباس، علما بأن بعض البستكية، يلحق اسمه بلقب «العباسي» على اعتبار أنهم من ذرية الخلفاء العباسيين ممن نزحوا إلى بستك من بغداد عام 1670م هربا من مجازر هولاكو.
وفي العصر الحديث هاجروا على دفعات من بستك عبر لنجة إلى الضفة الشرقية العربية للخليج، هربا من التمييز المذهبي والاضطرابات السياسية التي شهدتها مناطق فارس الجنوبية على إثر انتهاء حكم القواسم وحلفائهم من القبائل العربية لتلك المناطق. وهكذا نزح بعضهم إلى الكويت والبحرين ودبي والشارقة، والقليل منهم نزح إلى شرق السعودية وسلطنة عمان. ومن أشهر هؤلاء الشيخ مصطفى بن عبداللطيف بن عبدالمطلب العباسي الهاشمي البستكي، الذي قرر في الثلاثينات الميلادية تركيز نشاطه التجاري في بر دبي بديلا عن لنجة للاستفادة من انتعاش التجارة وحركة الاستيراد والتصدير وانخفاض الضرائب في دبي، قبل أن ينتقل إلى البحرين ويتمدد إلى الهند. وكان قد سبقه إلى ذلك في مطلع القرن العشرين بستكي آخر هو محمد فاروق محمد عقيل عرشي، وهو علم من أعلام المال وتجارة اللؤلؤ في الخليج العربي والهند وأوروبا، وبلغ من الثراء حدا لم يبلغه أحد من معاصريه في ذلك الوقت. وفي سلطنة عمان برز من البستكية المؤرخ والمترجم والسياسي محمد أمين بن عبدالله البستكي (ولد 1915 وتوفي 1982).
البستكي من محسني البحرين
- ولد الشيخ عبدالنور حوالى سنة 1896 في مدينة بستك، ثم انتقل إلى البحرين وهو في ريعان الشباب برفقة خاله الشيخ محمد هادي بن محمد شريف العباسي حيث افتتحا مخبزا في مدينة المحرق.
- وبعد أن فتح الله عليهما افتتحا مقهى في المنامة سنة 1936م وكان يرتاد هذا المقهى العديد من كبار الشخصيات. وفي فترة الحرب العالمية الثانية كان عدد من الأمريكيين التابعين لشركة أرامكو يرتادون مقهاه بصورة مستمرة، فاقترحوا عليه إقامة فندق كي ينزلوا به أثناء زيارتهم للمنامة. وهكذا اختمرت الفكرة في رأس عبدالنور، وشرع ببناء الفندق المطلوب بدءا من أواخر الثلاثينات بمساعدة قريبه الشيخ إسحاق بن محمد هادي العباسي على نحو ما أسلفنا.
- ومما لا شك فيه أن قيادته للصناعة الفندقية في ذلك التاريخ المبكر، علاوة على استفادة الحكومة من خدمات فندقه لجهة استضافة كبار ضيوفها وإعداد الولائم الرسمية لهم، جعله من الأسماء التجارية المعروفة ومن أصحاب المكانة الاجتماعية المرموقة بدليل العلاقة الوطيدة التي ربطته بحاكم البحرين في تلك الحقبة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، ثم بدليل تقلده عددا من المناصب الحكومية مثل تمثيل الحكومة في مجلس بلدية المحرق سنة 1950، ناهيك عن دعوة المستشار بلغريف له في مارس 1951 ليكون ضمن مؤسسي الغرفة التجارية.
- كما أن بروزه وثراءه تضاعف مع تأسيسه لمؤسسته التجارية الخاصة تحت اسم «شركة عبدالنور محمد البستكي» للتجارة العامة، والتي انخرطت في استيراد مختلف أنواع السلع والبضائع مثل الملابس والجلود ومعدات الطباعة وغيرها، من عدة بلدان كبريطانيا والولايات المتحدة. هذا ناهيك عن انخراطه في العديد من المشاريع العقارية والإنشائية والترفيهية في البحرين.
- يعد الشيخ عبدالنور البستكي، المتوفى سنة 1961 عن عمر ناهز ال65 عاما، من محسني البحرين، حيث كانت له العديد من المساهمات الخيرية طبقا لقوائم المتبرعين التي دأبت على نشرها جريدة البحرين لصاحبها المرحوم عبدالله الزايد. فقد تبرع للجنة إسعاف فقراء الحد عام 1942، وتبرع لفقراء المحرق عام 1944. كما تبرع لتسليح الجيش المصري عام 1955 بمبلغ 4000 روبية. وورد في جريدة البحرين بتاريخ 20 يوليو 1943 اسمه ضمن قائمة المتبرعين برابع أكبر مبلغ للمجهود الحربي ضد النازية (700 روبية). إلى ذلك ساهم الرجل مع غيره في التبرع لبعض المسرحيات الهادفة، ناهيك عن تبرعه بقطعة أرض وبناء مسجد عليها باسم مسجد الشيخ عبدالنور بن محمد البستكي، مع تخصيص منزلين من أملاكه كوقف دائم عليه.
* استاذ العلاقات الدولية في مملكة البحرين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.