الملك سلمان يوجه باستضافة الخليجيين العالقين بمطارات السعودية    الملك يوجه باستضافة كافة العالقين في مطارات المملكة من الأشقاء الخليجيين مواطني دول مجلس التعاون    تحت رعاية ولي العهد.. إحسان تنظم حفل تكريم المحسنين الجمعة القادمة    كيف يمكن أن يؤثر الهجوم على إيران على سوق النفط العالمي والاقتصاد    البحرين: الدفاع الجوي يتصدى لهجمات إيرانية جديدة ولا ضحايا أو مصابين    القيادة المركزية الأميركية: لا خسائر في قواتنا بالمنطقة    إيران تضلل العالم وتستهدف مواقع مدنية في هجماتها على دول الخليج    شباك الخليج تنهي جفاف بيريرا    النصر يعلن إصابة راغد النجار بالرباط الصليبي    مانشستر سيتي يضغط على آرسنال بفوز ثمين في معقل ليدز    حراك استثنائي يرسم خارطة جازان في أسبوع    تفعيل العربات الإسعافية الكهربائية في المدينة    طائرة مسيرة تستهدف مطار الكويت الدولي    وصول الطائرة الإغاثية السعودية ال 82 لإغاثة الشعب الفلسطيني في غزة    حين كانت القرية تكبر في قلوبنا قبل أن تكبر في العمران    الكويت: وقوع إصابات ل 3 من منتسبي القوات المسلحة في القاعدة الجوية    جمعية نالا لفنون السرد تطلق أعمالها ونشاطاتها    ولي العهد والرئيس الفرنسي يبحثان الأوضاع الخطيرة بالمنطقة    الخطوط السعودية: إلغاء عدد من الرحلات لأسباب تتعلق بالسلامة الجوية    *لقاء مفتوح يجمع رجال وسيدات الأعمال في أولى فعاليات "ديوانية غرفة تبوك" بموسمها الثاني*    أمانة تبوك تخصص 18 موقعًا لبسطة خير السعودية 2026 تخدم 164 بائع    "اجاويد في عيون العالم" بنسختها الثانية في اجاويد٤ بمحافظة سراة عبيدة.    العويران: القادسية يصنع الفارق.. وموسمه الرمضاني لوحة إبداع    المملكة تعرب عن رفضها وإدانتها بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة والجبانة التي استهدفت منطقة الرياض والمنطقة الشرقية وتم التصدي لها    أوبك بلس تعتزم دراسة زيادة الإمدادات بعد قصف إيران    ولي العهد يجري اتصالات هاتفية بقادة الإمارات والبحرين وقطر والكويت والأردن    البيئة تطلق أسبوع المياه السعودي الأول أبريل المقبل    سوريا تغلق الممرات الجوية الجنوبية أمام الطيران    الخطوط السعودية تلغي عددا من رحلاتها نظرا لتطور الأوضاع في المنطقة    كيف ابتلع نسيج نزار صالح بوقري    الجمعية الخيرية ببلسمر تطلق مبادرة تفطير الصائمين    وزارة الشؤون الإسلامية تنفّذ برنامج خادم الحرمين لتوزيع التمور في ملاوي    فهد حكمي ابتسامة الوطن التي لن تنطفئ    في أمسية طبية.. ديوانية أجاويد 4 بسراة عبيدة تناقش آلام الظهر وسبل الوقاية منها    التوقيت الزوالي في المسجد النبوي.. امتداد تاريخي لعناية المسلمين بالمواقيت    تركي آل الشيخ يعلن مواجهة أوليكساندر أوسيك وبطل الكيك بوكسينغ ريكو فيرهوفن على لقب الوزن الثقيل    «سلمان للإغاثة» يوزّع (1,000) سلة غذائية في محلية الروصيرص بولاية النيل الأزرق بالسودان    الجبيل الصناعية تحتضن معرض «آيات.. بلسان عربي مبين»    "مدرك"… من فكرة توعوية إلى قصة وعي مجتمعي تتجدد للموسم الثالث في جازان    200 مستفيد ل"عمرة القادسية الرمضانية    إفطار رمضاني يجمع المسؤولين والأهالي في قوز الجعافرة… وجولة ميدانية تعزز دعم مراكز النشاط    ذكرى يوم التأسيس .. صور مضيئة لجذور تاريخية راسخة و أمجاد حضارة    تقنية جديدة للتحكم في سلوك الحيوان عن طريق الذكاء الاصطناعي    جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل تُطلق مبادرة "صحتك في رمضان"    "الغذاء والدواء" تُحذّر من عدد من منتجات حليب الأطفال لشركة "نوتريشيا دانون"    ديوانية أجاويد تحتفي بالموروث الشعبي في أمسية ثقافية تربوية بسراة عبيدة    فجر جديد من الأمن والوحدة    جمعية اقتصاديات الطاقة تُعلن تشكيل مجلس الإدارة    نفحات رمضانية    حكواتي التلفزيون..!    الأميرة سارة بنت خالد بن مساعد تكرّم بيت الشاورما تقديرًا لدعمه جمعية إنسان ورعاية الأيتام    أمير جازان ونائبه يشاركان قادة ومنسوبي القطاعات الأمنية إفطارهم الرمضاني في الميدان    ولي العهد يعزي ولي عهد الكويت    تصعيد ميداني في غزة والضفة.. هدم واعتقالات شمالاً وقصف مستمر جنوباً    19489 طالبة وطالبة يتأهلون ل«أولمبياد نسمو»    مفاوضات تختبر فرص التهدئة.. جولة حاسمة بين واشنطن وطهران في جنيف    إفطار العطيشان    صحة جازان تُحيي ذكرى "يوم التأسيس" وسط أجواء رياضية وتثقيفية ببطولة "مدرك"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رواية (الأثير ) ل (إإيمان بقاعي ) (31- 16 )
نشر في جازان نيوز يوم 19 - 02 - 2021


الحلقة 2 أضغط (هنا)
شعرَتْ ببردٍ يأتي من صوبِ البحرِ، وحاولَتْ تفاديهِ بلفِّ شالِها الذي تستخدمُه عادةً لدَرْءِ أضرارِ هواءِ مكيفِ سيارتها حولَ رقبتِها صعودًا إلى ذقنِها فأنفِها. ثم تذكَّرَتْ كِمَامَتها، فأخرجَتْها من جيبِها وارتدتْها. وفوجئَتْ برائحةِ عطرِهِ عليها، وتذكرَتْ أنها مرَّتْ براحتِهِ ثم جيبِهِ قبل أن تستعيدَها، فابتسمَت ابتسامَةً واسعةً، مُتَغاضِيَةً، لضروراتٍ صحّيَّةٍ، عن كونِها- في لحظاتٍ البردِ هذه- تتنفسُ عطرَ فارِضِ العُقُوباتِ.
وتذكّرَتْ أنَّ اهتمامَه بحياتِها الأكاديميةِ التي لا يوليها عادةً إلا لمن يملك من المثابرةِ حدودَها القصوى، لم يمنعْهُ من مدِّ يدِ العوْنِ العائليّة عندما كان يحسُّ بحاجَتِها الماسَّةِ إليها، حتى لو لم تعترفْ بتلك الحاجةِ، نأيًا به عما تعتبرُه خصوصياتِ كلِّ عائلةٍ، وربما خوفًا من أنْ ينفّرَ الاقترابُ هذا الشّخص إذا ما وصلَ إلى حدِّ إبصارِ عيوبِ تفاصيلِ سَيْرِ الأحداثِ داخلَ جدرانِ بيتِها، بدءًا بقضيةِ شقيقِها الذي يصغُرها بسبعِ سنواتٍ، والذي شُلَّ بسببِ حادثِ سيارةٍ بينما كانَ عائدًا من معهدِ الموسيقا الذي يدرِّسُ فيه البيانو مُذْ تخرجَ من معهدِ الموسيقا، فانكفأَ في غرفتِهِ لا يقابلُ أحدًا لأكثرَ من سنتينِ إلا هي وأمّهُ وطبيب العلاجِ الفيزيائيِّ، فالطّبيبُ النّفسيُّ، ما أصابَ الأمَّ الأرملةَ بكمَدٍ لم تخرُجْ منه إلا تدريجيًّا عندما فتحَتِ ابنتُها لهما بيتَها ليكونا في دائرةِ اهتمامِها القريبةِ، فإذا بها تصارعُ- شبهَ وحيدةٍ- مُشْكلةً أكبرَ من عمرِها، وكادَتْ أن تكونَ أكبرَ من احتمالِ استيعابِها لولا وقوفُه إلى جانبِها، داعِمًا بمهارةٍ لا نظيرَ لها، بتفكيرِهِ غيرِ التّقليديِّ، نظريةَ نيتشه القائمةَ على أن المفكِّرَ الحقيقيَّ هو ذلك القادرُ على اعتبارِ الأشياءِ أبسط مما هي عليهِ.
ووقفَ داعِمًا حتى حينَ أضيفَتْ إلى مشكلةِ أخيها وأمِّها مشكلةُ ألزهايمر عمَّتها (فريدة)، إذ تبرَّعَتْ نظريًّا بإيصالِها إلى دارِ العَجَزَةِ، لكنها "خطفَتْها"، مُنقذَةً إياها- بفخرٍ- من قرارٍ "وضيعٍ" اتّخذَتْهُ عمَّتُها الأصغر (مفيدة)، التي تُقَدِّمُ نفسَها في أحاديثِها التي تدلُّ على أنَّها لا تفهَمُ كثيرًا ولكن تتحدثُ في كلِّ شيءٍ، مسؤولةً- كَذِبًا- عن قرارتِ العائلةِ مذ توفي شقيقُها الأكبرُ، آخذةً بعينِ الاعتبارِ الحفاظَ على هدوءِ بيتِها- بعدَ أن سافرَ كلُّ أولادِها- من الانهيارِ تحت ضرباتِ فوضى وجودِ شخصٍ مريضٍ يكبِّلُ حركتَها ويجلبُ الأصدقاءَ والأقاربَ لعيادتِهِ، هي الحريصة على تحصينِه بأبوابٍ موصَدَةٍ ومفاتيحَ مخبأةٍ في أدراجٍ لا تُفْتَحُ حتى في المناسباتِ السّعيدةِ أو الحزينةِ.
ورغمَ أنَّ العمة (مفيدة) سبقَ وأعلَنَتْ تكفُّلَها بكلِّ ما يلزمُ من مصاريفِ إِقامةٍ وعلاجٍ في الدّارِ؛ فقد سحبَتْ عرضَها بشكلٍ نهائيٍّ ردًّا على فعلِ ابنةِ أخيها "المتهوِّرِ" و"غيرِ اللَّائقِ"، بل "المُشينِ" الذي يظهِرُها "على حقيقتِها"- كما تقولُ ابنةُ أخيها- بمظهرِ الأختِ الأنانيةِ التي تريدُ التّخلصَ من عِبْءٍ ثقيلٍ مُقابِلَ أيِّ بديلٍ مادّيٍّ رغمَ ما يُعرَفُ عنها من حِرْصٍ، فأقسَمَتْ ألا تدوسَ عتبةَ بيتٍ تسكُنُه حتى لو كانَتْ أختُها المريضةُ فيه، وألا تصرِفَ عليها قِرْشًا عقابًا لمَن قرّرَتْ ونفّذَتْ.
ورغمَ أنَّه كانَ ضدَّ "خَطْفِ" العمَّةِ، ولم يدرِ بالعمليَّةِ إلا بعدَ تنفيذِها بأيامٍ، فقدِ اقترحَ عليها القيامَ بمحاولةِ إجراءِ مفاوضاتٍ ماليَّةٍ مع العمةِ (مفيدة) المنسحبةِ من مسؤولياتِها، تحسُّبًا لما قد يطرأُ في حالِ تفاقَمَتْ حالتُها الصّحيَّةِ؛ إذ لن تستطيعَ وحدَها التّكفُّلَ- بمعاشِها البسيطِ- بما قد يستجِدُّ فيتطلبُ مبالغَ لا يُستَهانُ بها.
بيدَ أنه استسلمَ أمامَ إصرارِها على إكمالِ مُهَمتِها تجاهَ مَن تعتبرُها أمَّها الثّانيةَ، مُستغنيَةً عن قَبُولِ أيةِ مساعدةٍ ماديّةٍ من عمَّتِها التي تدعوها ب"هادم اللّذات"، والتي- إن حصلَتْ- ستجرُّها وأفرادَ عائلتِها إلى تدخُّلٍ يوميٍّ سافرٍ في شؤونِهم، قائمٍ على كثيرٍ من التَّبَجُّحِ والتَّعَظُّمِ والغَطْرَسَةِ وتضخُّمِ الأنا. وإذ قبّلَ بحنانٍ جبينَ المريضةِ بعد أسبوعٍ من "خطفِها"، التفَتَ إلى ابنةِ أخيها متمنّيًا عليها ألا ترهقَها بأي سؤالٍ يحتاجُ إلى جوابٍ، معتبِرًا أن عبورَ الجسرِ من المعتَني بمريضِ الألزهايمر إلى المريضِ هو سِرٌّ من أسرارِ تسهيلِ التّعاملِ معه فيما بعد. شارحًا، وهو يحملُ لها الكتبَ العلميَّةَ والرِّواياتِ الواقعيَّةَ عن المرضِ وتطورِهِ بعدَ أن يقرأَ معظمَها ويضعُ آثارَهُ من سطورٍ تحتَ الأفكارِ المُهِمةِ أو تلخيصٍ على هامشِ الكتابِ، أنَّ من السُّخفِ وصْف مرضى الألزهايمر بالأطفالِ الصِّغارِ؛ فالبالغُ أبدًا لا يعودُ طفلًا، إذ ينمو الطِّفلُ بطبيعتِه إلى الأمامِ، ويكتسبُ قدراتٍ جديدةً، بينما يفقِدُ هذا المريضُ قدراتِهِ متراجِعًا. ومن هنا، فما عليها إلا استخدامَ الخيالِ معها، فهو- حسب ما قرأَ ويقرأُ- يخففُ شدَّةَ التّعقيدِ النّاتجةَ عن فقدانِ القدرةِ العقليةِ. وإذ طمأنَها إلى أن العنايةَ بعمتِها تحتاجُ بشكلٍ رئيسٍ إلى عنُصِرَيِّ الحُبِّ والصّبرِ، لم يُخفِ حقيقةَ أنَّ سنواتِ المرضِ "غيرِ المميتِ" قد تطولُ فتصِل إلى عشرينَ سنةً. فأومأتْ برأسِها ومنحَتْهُ ابتسامةً مسؤولةً، فاعتصرَ كفَّها بحنانٍ وكأنَّهُ يقدِّرُ كلَّ ما تفعلُه من أجلِ عائلتِها المختصَرَةِ بهؤلاء الثَّلاثةِ، كما تقفُ أمٌّ تجاهَ أبنائِها.
وردَّ على ابتسامتِها بابتسامةٍ حزينةٍ تُظْهِرُ- كالعادةِ- تعاطفَهُ الإنسانيَّ الثّريَّ مع كلِّ حالاتِ المرضِ والموتِ، أتبعَها بقوله::
--"في لحظةٍ، ستأخذُ عمتُكِ نفَسًا لن يتبعَهُ آخَر"!مستخدِمًا هذه العبارةَ التي قرأها لكاتبٍ ألمانيٍّ سردَ قصتَه مع أبيهِ المريضِ بالمرضِ ذاتِهِ. ثم أزاحَ عينيهِ عن وجهِ العجوزِ غاصًّا، فمقترِحًا- في الوقتِ نفسِه- عليها الانتقالَ معها ومع شقيقِها وأمِّها إلى بيتِ جدِّها لأبيها في بلدتِها الشّوفيَّةِ السّاحليَّةِ التي تبعدُ حوالي عشرين كيلو مترًا عن جنوبي بيروتَ بدلَ أن تنقلَهم معها من بيتِ إيجارٍ إلى آخَرَ تدفعُه من راتبِها الضّئيلِ في العاصمةِ وراتبِ والدِها التّقاعديّ، خاصّةً وأنَّ البيتَ مهجورٌ منذ سنواتٍ، وحولَهُ حديقةٌ كبيرةٌ قد تساهمُ بطريقةٍ ما، لا يعرفُ ما هي، في تسريعِ شفاءِ شقيقِها.
لكنها أجَّلَتْ تنفيذَ الفكرةِ إلى ما قبلَ سبعِ سنواتٍ من اليومِ، لم يكن فيها موجودًا على مسرحِ حياتِها، فكانَ بيتُ جدِّها الحجريُّ الذي لا تتجاوز مساحته أربعمائة متر نصفها مساحة الحديقةِ المحيطةِ، والذي تقيم به اليومَ هو الوحيدُ الذي لا يعرفُ خريطته، فيما كانَ أولَ مَن يدخلُ إلى كل بيتٍ تنتقلُ إليه وسطَ العاصمةِ حاملًا نبتةً خضراءَ، وداخلًا بقدمِهِ اليمنى تفاؤلًا، كما كانَ يقولُ، مردِّدًا نظريَّةَ جدَّتِه ومبتسمًا ابتسامتَهُ الحيويَّةَ، ثم مضيفًا إلى أحدِ الجدرانِ لوحةً من هنا، أو مُزيحًا أريكةً من هناك، أو مقترِحًا تغييرَ ستارةٍ من هنا، أو طاولةٍ من هناك، ودائمًا يعلِّقُ خلفَ سريرِها لوحةَ قصيدتِه النّحاسيّة الوحيدةَ التي لم يمنَّ الإلهامُ عليه بغيرِها- كما كانَ يقولُ ساخِرًا- والتي يتحدثُ فيها بعاطفةٍ رقيقةٍ عن حبِّهِ لها، طالبًا منها أن تحافظَ عليها "برموشِ عينيها"، فقد خرجَ شيطانُ شعرِهِ مرةً من وادي عَبْقَرَ وتلاها عليه، واختفى تاركًا إيّاهُ بين مساطِرِهِ وأدواتِه الهندسيَّةِ وألوانِهِ.
تتذكرُ الآنَ كم بسَّطَ مشاكلَها، وإن لم يستطعْ أن يبسِّطَ مشكلتَهُ الأبويَّةَ التي ظلَّتْ، رغمَ إحاطتِه إياها بهالةٍ من الكِتْمانِ، تؤرّقُهُ حتى لو ادَّعى أنَّ رأيَها، في تلكَ المرةِ الوحيدةِ التي طرحَها عليها فيها، والذي اختصرَتْه بأنّها تطمَئِنُّ- في حالاتِ فراقِ الآباءِ- إلى وجودِ الأبناءِ في كنَفِ أمهاتهم، هو رأيٌ مهمٌّ.
فقد كان من النّوعِ الذي يستغرقُ فيه الخروجُ من مشاكلِهِ وقتًا يسمحُ نظريًّا لا عمليًّا لأحَدٍ باجتزائِهِ، رغمَ ظهورِه بمظهرِ المُصغي والمهتمِّ والمنتظِرِ بابتسامةٍ تَلَقُّفَ حلٍّ ممَّن ينصحُه؛ لذا فقد اعتادَتْ في تعامُلِها معَه أن ترسمَ كثيرًا من الخطوطِ الحمراءِ تتوقفُ عندَها، تاركةً إياهُ يُنهي بِحريَّةٍ تامَّةٍ آخرَ ثواني مُهَلِهِ الزّمنيّة التي لا تلاحقُ تفاصيلَها أو أسبابَها حِرْصًا على احترامِ خصوصيتِهِ.
والغريبُ أنها كانَتْ تعتقدُ أن السَّنواتِ الثَّمانيةَ الأخيرةَ من ضمنِ المُهَلِ المعطاةِ له كما كثير من مُهَلٍ استغرَقَتْ شهورًا، واستُكْمِلَتْ كأنّها لم تنقطعْ بمجردِ أن تلتقيه في الشّارعِ صِدفةً أو في مقهى، أو- كما قالَ لها اليوم- بإرسالِها كتابًا أو مقالًا إلى حيثُ يتواجَدُ، تترُكُه عند السّكرتيرةِ وتنسحبُ كَلِصٍّ، فيما اعتبرَه ضاحِكًا ضحكَتَهُ التي تحبُّ: "حَرْكَشَةً" موصوفةً لا تزعجُهُ، بل تعجِبُه. وهو، وإن أشارَ في عَجَلةٍ- صباحَ اليومِ- إلى استغرابِه كفَّها عن هذه "الحَرْكَشَةِ" طوالَ سنيِّ قرارِهِ "القاسي"؛ لم يُشِرْ إلى إعلانِ استهجانِهِ اختفاءَها هي شخصيًّا من أي مكانٍ كانَ يراها فيه بمحضِ الصِّدفةِ، أو قَصْدًا بناءً على قراراتٍ فرديَّةٍ متفرِّعَةٍ عن قرارِهِ الأساسِ الذي اتّخذَهُ ونفَّذَهُ، وذلكَ عندَ مرورِه مرارًا قربَ بيتِ جدِّها وصفِّ سيارتِهِ قُبالةَ شبَّاكِ غرفةِ نومِها المطلَّةِ على ساحَةِ بلدتِها ومبنى المحكمةِ.
ورغمَ توقُّفِهِ لمراتٍ تفصلُها شهورٌ أو سنواتٌ لشراءِ ماء الزَّهرِ والوردِ أو بعض البقولِ والكشكِ والزَّعترِ من المطحنةِ القريبةِ من بيتِها، أو لشراءِ "المَرْصَبانِ" المصنوعِ يدويًّا من قِبَلِ سيداتِ البلدةِ والمُباعِ في دكَّانٍ صغيرِ المساحَةِ، أنيقٍ، مع مرَبَّياتٍ يصنعنَها في مواسمِ قطْفِ فاكِهَتِها، أو المرورِ بعضَ أيامِ دوامِها قربَ بوابةِ المدرسةِ التي انتقَلَتْ إليها بدلَ مدرسةِ بيروتَ، والواقعةِ بينَ المحكمةِ ومبنى البلديةِ المُلحَقِ به ملعب التِّنِس، لعلَّهُ يراها خارجةً مشيًا على الأقدامِ إلى بيتِها القريبِ، فلم تحدُثِ الصِّدفةُ ولا حدَثَ القَصْدُ. فكأنها كانَتْ، مع قرارِ إِقفالِها كل وسائلِ التّواصلِ الاجتماعيِّ الخاصِّ بها لسنواتٍ قاربَتْ نصفَ عَقْدٍ، قد أقفلَتْ طيفَها أيضًا، أو لبِسَتْ طاقيَّةَ الإخفاءِ أثناءَ تنقُّلِها.
ومع ذلكَ، كانَ يشعرُ بالطُّمأنينةِ الثّريةِ كلما مرَّ أو توقَّفَ، اشترى أو لم يشترِ، رآها أوْ لم.
فجأةً، علَا زعيقُ أبواقِ السّياراتِ خلفَها، فتنبهَتْ إلى أنَّها كانَتْ شاردةً عندما تحوّلَ الضّوءُ الأحمرُ إلى أخضرَ، ونالَتْ شتيمةً بذيئةً من تحتِ كِمَامَةِ سائقِ تاكسي منفوشِ الشَّعرِ، أبيضِه، بَرِّيِّ العينينِ، كأنَّهُ لصٌّ أو قاطعُ طريقٍ عتيقٌ، وقد ألحقَها بشتيمةٍ ذكوريةٍ متطرّفَةٍ:
- الله ... كل مَن يعطي امرأةً "دفتر سواقة"!
ولم تُلْقِ إليه بالًا، إذ تُغْفَرُ لعَنَاتُ شعْبٍ لفظيّةٌ إذا ما قورِنَتْ باللَّعَناتِ العمَلِيَّةِ المصبوبَةِ على رأسِهِ من دونِ أن يحظى بهُدْنةٍ، وآخرُها حيثُ أوقَفَتْ سيارَتَها يمينًا على رصيفِ كتفِ "مرفإِ العِزِّ" الذي (استُبْدِلَ "قبضاياتُهُ") بالسُّفَّلِ مِن عديمي الشَّرفِ وأغنياءِ الدَّناءة؛ واسْتُبْدِلَ محبُّوهُ بالحاقدين الأَخِسَّاءِ؛ واسْتُبْدِلَ أهلُ كَرَمِهِ بالطّمّاعينَ؛ تمامًا كما اسْتُبْدِلَ متيَّمو سلامِهِ وطُمأنينتِهِ بأُثَماءِ الشَّرِ ولصوصِ الحرب، فأُشْعِلَ؛ وأُحْرِقَ البشرُ قبلَ الحجَرِ.
وفكَّرَتْ بوجَعٍ حاولَتْ عبثًا أن تمزُجَهُ ببعضِ أملٍ، أنْ: قدْ يُعادُ بناءُ ما تهدَّمَ، وقدْ تُرمَّمُ الأَبنيةُ التُّراثيَّةُ المُخلَّعَةُ، ويَغسِلُ البحرُ الأَرصفةَ الملوَّثةَ بجشعِ جماعاتِ "هل مِن مزيد"؛ غير َأنَّ الفرحَ الكئيبَ، لآباءٍ وأُمَّهاتٍ وزوجاتٍ وأولادٍ شَيَّعوا بدمعِ القهْرِ أُذُنًا، ذِراعًا، عظْمَةً محروقةً- أو ربَّما مسْحُوقةً- لحبيبٍ مرَّ مِنْ هُنا؛ سيظلُّ جمرًا يتلظَّى، متوثِّبًا تحت حُرْقَةِ أنَّ الحبيبَ "لَنْ يَعودَ"!.
وفكَّرَتْ- كما يُفْتَرَضُ بأيِّ فَردٍ من أفرادِ هذا الشّعْبِ أن يفعلَ- بليبراليَّةٍ كلاسيكيَّةٍ، يُفتَرَضُ أيضًا ألا يخشى صاحبُها أنْ يُبعَدَ بسببِها إلى منفًى ظروفه أسوأ من هذا المَنْفَى الذي يعيشُ فيه ما أبشعَ أن تُحْكَمَ مِن وَحش سُلْطَةٍ، كلَّما اعتقدْتَ أنَّه ماتَ، أو أنَّهُ على وشكِ أن يموتَ، قهقَهَ برعونةٍ قائلًا: "أنا هنا، أبقى هنا، تموتُ أنتَ ولا أموتُ!".
وعادَتْ إلى سيّارتِها وقد بورِكَتْ رئتاها بتنفُسِ ذرّاتِ مَن رقَدَ في سماءِ هذا المكانِ ناظِرًا إلى مَن بقيَ حيًّا على هذه البُقعَةِ بشفَقَةٍ من فوقُ.
وتابعَتْ سيرَها نحوَ شارعِ الحمراءِ، مكتشفَةً أهميةَ "العَجْقةِ" التي أتاحَتْ لها فرصةَ تفكيرٍ فريدةً لم تكنْ لِتخطُرَ على بالِها.
وتمديدًا لهذه الفرصةِ، وتكريسًا لها، توقفَتْ بعد أمتارٍ يمينًا لاحتساءِ كوبٍ كبيرٍ من القهوةِ من دونِ أن تأبهَ إن كانَتِ العربَةُ التي تبيعُه نظيفةً أم لا، وإن كانَت يدا البائعِ مغطاتَيْنِ بقُفازاتٍ معقَّمَةٍ أم لا، أو كانَ قد حرّكَ القهوةَ بملعقةٍ مسحَها بمريولِهِ القذرِ، فقد نسيتْ- في غمرةِ المفاجأةِ الصّاعقةِ- تمامًا هلَعَ كورونا وأخواتِها.
ولم تنتبهْ إلى أن مظهرَ القَهْوةِ الخفيفَ ومذاقَه أقربُ إلى طعْمِ خليطِ عَكَرِ زيت الزّيتون ممزوجًا بطعْم الحُلْبةِ الكريهِ، بينما رائحتُه كرائحةِ حِلْتيتِ صيدليَّةِ جدَّتها إلا حين اقتربَتْ من تجرُّعِ آخرِ نِقَاطٍ في قَعْرِ الكُوبِ، فكفَّتْ عن الشُّربِ، وندمَتْ إذ أزالَتْ طعْمَ نصفِ القُبلَةِ اللّذيذِ الممزوجَ برائحةِ عطرِهِ بهذا السّائلِ القاتلِ.
لكنَّها ظلَّتْ واقفةً تتأملُ من شبّاكِ سيارتِها المفتوحِ ثراءَ المدينةِ الذي افتقدَتْهُ مذِ انتقلَتْ إلى بلدتِها، فالتقطَتِ ابتساماتِ أطفالٍ مع أمهاتِهم يمشونَ على أرصفةِ الشَّوارعِ، وقد أزاحوا كِمَامَاتهم الملونةَ عن وجوهِهم رافضينَ حواجزَ كبْتِ الضَّحكِ.
كما التقطَتْ ضحكاتِ شحادتينِ جلستا تتسامرانِ غير آبهتينِ بمارَّةٍ لا يلقونَ إليهما نقودًا، فقد كانتا مشغولتينِ بأكلِ منقوشتيِّ زعترٍ بالخضارِ وقد حضّرتا قنينتي مياهٍ لما بعد الأكلِ. وبدا واضحًا من الكيس الموجودِ قربَ إحداهما أنه مليءٌ بمؤونة البسكويت وبعض الشّطائرِ المعدَّةِ في بيتهما؛ لأن دوامَهما طويلٌ، وكدحَهما لا يُستهَانُ به.
وثمةَ بائعُ كتبٍ قديمة على الرّصيفِ، وبقايا سادةٍ "مثقّفين" يحتسونَ القهوة في مَقَاهٍ على ناصيتي شارعِ الحمراءِ المكتظِّ، وسيدات يتأملْنَ واجهاتِ ما بقيَ من محالّ لم تقفلْها الأزمةُ الاقتصاديَّةُ بعدُ، ويفكرْنَ بما قد يستطِعْن شراءَه قبل مزيدٍ من ارتفاعٍ مجنونٍ متوقَّعٍ لصرف الدّولار بعد أن عَرقَلَ مساعيَ تأليفِ حكومةٍ لن يكون وجودُها بأفضلَ من عدَمِه لُهاثُ الزّعرانِ مِمَّن غُمِسَتْ أيديهم منذ أيامِ الحربِ الأهليَّةِ، في السَّبعينيات، بدماءِ النّاسِ، وما زالوا متجذرينَ وفروعَهَم في مفاصلِ السُّلطَةِ، قادرينَ على كَمِّ أفواهِ مَن يعترض حتى قبلَ أن يعترضَ، خائفينَ من أقلامٍ كُسِرَتْ ودُفِنَتْ بمبارَكَةٍ منهم خوفَ قاتِلٍ من شبحِ مَن قتَلَه، محميينَ ممَّن يُعتَقَدُ أنهم أبعدُ ما يكونون عن ملفاتِ الفسادِ، وليسوا كذلك!
وتوصلَتْ وهي ترقُبُ الوجوهَ، إلى نتيجةٍ مفادُها أن سُكنى المدينةِ يبعدُ شبحَ رعبِ هجومِ الجائحةِ التي يشعرُ بها سكَّانُ المناطقِ الهادئةِ القليلِ عدد ناسِها كما هي حالُ بلدتِها التي لا يتجاوزُ عدد سكانِها ألفَ نسمةٍ بما فيهم الوافدينَ إليها، والمقتصِر نشاط تجارتِها على دكَّان هنا وصيدليّةٍ هناك، وفرنٍ هنا، ومحل تشريجِ هواتفَ هناك. والتي يترصَّدُ سكانُها، مساءَ كل يومٍ، أسماءَ مَن أصيبَ مِن الأقاربِ والجيرانِ تُنْشَرُ على صفحةِ البلديةِ الإلكترونيَّةِ، فيختبئونَ موصِدينَ أبوابَهم خشيةَ هجومٍ فايروسيٍّ بربريٍّ يقتربُ أكثرَ فاكثرَ، خاصةً إن أُغلِقَتِ البلدةُ أسبوعًا تلاهُ أسبوعٌ ثانٍ أو ثالثٍ، فأصيبَتْ سمعتُها الصّحيةُ بما يشبه المَقْتَل.
وحتى لو آثرَ أهلُ مَن ماتوا- بسببِ الجائحةِ- أن يلملموا الموضوعَ ويدفنوا، من غيرِ طقوسٍ، ميتهم ويدفنوا معَهُ أسبابَ موتِهِ الحقيقيِّ، وإن كانَ لا يُخْفى على أهلِ البلدةِ خافيَةٌ، ينشرُها العجائزُ من الرِّجالِ خاصَّةً، أولئكَ المنتشرونَ في النَّهارِ على أدراجِ مبنى البلديةِ، أو الحاملون إلى الحديقةِ الصّغيرةِ المقابلةِ لها كراسيَهم التي تُطوى وتُفتَحُ لتستقرَّ ساعاتٍ على عشبِ الحديقةِ المشذَّبِ بحجةِ ملاحقةِ أشعَّةِ الشَّمسِ حينًا، أو انتظارِ بناءِ مغارة الميلادِ التي بدأ الإعدادُ لها في هذا الوقتِ من السّنةِ، وتستغرقُ- مع تزيينِ الشّجرةِ- حوالَيْ شهرٍ كافٍ للتَّشهيرِ بأهلِ من ماتِ "متكَورِنًا"، مدّعينَ، كذبًا، أنَّ المرَضَ ليسَ عيبًا؛ بل يجبُ تعريف أهلِ البلدةِ بمنْ حملَهُ وماتَ أو لم يَمُتِ اتّقاءَ شرِّ العدوى، وإلا فإنَّ عودتَهم إلى بيوتهم التي أصلحوها بعدَ تهجيرٍ طويلٍ وبعد أن هُدِمَ معظمُها بسبب عصاباتِ الحربِ بالمالِ الذي قدمَتْه لهم وزارة المهجّرينَ، سوفَ تفنيهم عن بكرةِ أبيهم، فيقدرُ فايروس حقير على ما لم تقدرْ عليه مخططاتُ أهلِ الشَّرِّ.
ومرةً جديدةً زعقَ بوقُ سيارةٍ خلفَها، وطالبَها سائقُها بمغادرةِ مكانِ وقوفِها ما دامَتْ لا تنوي شربَ مزيدٍ من القهوةِ، لتفسحَ المجالَ لعُشّاقِ قهوةِ الحُلْبةِ والحِلْتِيتِ بتذوُّقِ ذلكَ الطَّعمِ النَّادرِ؛ فغادرَتِ المكانَ وهي تشعُرِ بشماتَةٍ شرّيرةٍ بالسّائقِ الذي قطعَ عليها شريطَ مشاهداتِها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.