فيصل بن فرحان يلتقي وزير الخارجية المصري على هامش الاجتماع الوزاري الرباعي    الندوة العالمية تفتتح مدرسة ابتدائية تُنهي معاناة طلاب "أوزغين" في قيرغيزيا    «موانئ» تمدد إعفاء الحاويات الفارغة بمينائي الملك عبد العزيز والجبيل    نائب أمير نجران يلتقي مديري الجهات الرقابية والشرعية بالمنطقة    أمير جازان يستقبل قائد قوة أمن المنشآت بالمنطقة    الأمم المتحدة تشيد بدور المملكة الريادي في استعادة النظم البيئية وتعزيز العمل الجماعي لاستدامة الموارد الطبيعية    الاتحاد الآسيوي يحسم الجدل بشأن مصير نونيز    جامعة الإمام عبدالرحمن تسجّل حضورًا عالميًا في تصنيفات QS للتخصصات لعام 2026    فواز بن سلطان يدشّن النسخة الثانية من الملتقى العالمي للورد والنباتات العطرية بجامعة الطائف    السجل العقاري يبدأ تسجيل 14,750 قطعة عقارية في منطقة مكة    وزير الخارجية يصل إلى إسلام آباد للمشاركة في الاجتماع الوزاري الرباعي    البحرين:اعتراض وتدمير 174 صاروخا و 391 مسيرة منذ بدء الاعتداء الإيراني    الاحتلال الإسرائيلي يواصل إغلاق المسجد الأقصى لليوم الثلاثين على التوالي    برعاية محافظ القطيف..انطلاق مهرجان النباتات والزهور في الرامس    سوريا تتصدى لهجوم بمسيرات على قاعدة التنف    أسلوب رفض الخاطب يؤثر على تقبل القرار    بلاغات الحماية الأسرية تظهر مشكلات نفسية وسلوكية وتربوية    دفع 50 ألفا ولم يستعد حسابه    معدن سام في الخبز والكروسان    عصير الكرز يحسن النوم    صيدلية حية تحت الجلد    وزير الصحة يثمن جهود الهلال الأحمر    مطر الخير يعم المملكة    أرقام جديدة تكشف.. تحول العمل التطوعي بالمملكة إلى قوة مجتمعية    أمن وأمان وعقيدة واطمئنان    بعد البيعة.. عصر جديد في ظل ولي العهد    رحلة في أفياء الشعر والشعراء    العيد ومفهوم السعادة في الماضي والحاضر    "الثقافة" تطلق الزمالات السعودية البريطانية للأبحاث الثقافية    الأخضر (B) يخسر ودية السودان    خطيب المسجد الحرام: احذروا آفات اللسان    إمام المسجد النبوي: لا تبطلوا الأعمال الصالحة بالمعاصي    حسام حسن: لم أتوقع الرباعية    الذهب يرتفع 3 % وسط ترقب المستثمرين لتطورات التوتر في الشرق الأوسط    غاب الجسد وبقي الأثر    "سدن" توقّع مع مستشفى الملك خالد الجامعي    نجاح استخراج «سماعة جوال» من معدة رجل بمجمع الدكتور سليمان الحبيب الطبي بالعليا    المنتخب السعودي (B) يخسر لقاء السودان الودي في معسكر جدة    جامعة الإمام عبدالرحمن تعايد منسوبيها    1.7 تريليون أصولاً احتياطية للمركزي السعودي    موجز    ختام ناجح لقمة ميامي..الرميان: الوضع الاقتصادي والمالي للسعودية قوي ومستقر    الاتحاد يعين نور والمنتشري مستشارين لشؤون كرة القدم    إنتر ميامي كرمه بمدرج يحمل اسمه.. ميسي يحارب استغلاله في المنتجات المقلدة    بيتارش يرفض دعوة بونو لتمثيل المغرب    عراقجي يشكك في جدية واشنطن: تناقضات أمريكية تعقد مسار الاتفاق    توسع محتمل للصراع.. غارات إسرائيلية تستهدف منشآت نووية إيرانية    عبر المنصات الرقمية في رمضان.. 366 مليون مشاهدة لمحتوى الشؤون الدينية بالحرمين    وصفه ب«الصديق الرائع» و«الرجل العظيم».. ترمب: ولي العهد.. قائد حازم وشجاع يحمى بلاده    وزارة الدفاع ونظيرتها الأوكرانية توقِّعان مذكرة ترتيبات في مجال المشتريات الدفاعية    رئيس جمهورية أوكرانيا يغادر جدة    «ثار» تسجل أعلى كمية ب 27,4 ملم.. 24 محطة ترصد هطول أمطار في 6 مناطق    ديوانية خوجه تقيم حفل معايدة    نائب أمير منطقة تبوك يعزي وكيل إمارة المنطقة في وفاة شقيقته        انطلاق مهرجان الشعوب في الجامعة الإسلامية بالمدينة    رئاسة الشؤون الدينية تصدر جدول البرنامج العلمي الدائم بالمسجد الحرام لشهر شوال 1447ه    بلدية الظهران تحتفي بعيد الفطر بفعاليات ترفيهية مميزة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الليبرالية الموشومة

كان برتراند راسل قد أشار إلى المأزق المعرفي حول مصطلح (الليبرالية) وكونه مصطلحاً فوضوياً يعني عدداً من الأشياء وفي الوقت ذاته يعني الشيء ونقيضه، وهو عرضة للاستغلال البراجماتيكي، وذلك منذ ولادته الحزبية السياسية وكان أول رصد تاريخي لهذه الولادة هو ظهور حزب في أسبانيا عام 1810 يحمل اسم الليبرالية ويتوسمها معنىً وشعاراً له، ثم توالت التسميات في أوروبا عند أحزاب لا حصر لها تمنح نفسها اسم الليبرالية، ومن تحت التسمية تتم ممارسة السياسة حسب شروط اللعبة السياسية، وهذا نزع من الكلمة بعدها الفلسفي والمعرفي لتكون سلوكاً سياسياً أكثر مما هي تصور مثالي أو مفهوم فكري، والناخب الأوروبي يتجه للاقتراع تحت ما تحمله الكلمة من وعد سياسي وخطط تنموية تمس المصالح المباشرة للناس، والصوت هنا يتجه للممارسة الإدارية وليس للتصورات الفكرية والأخلاقية.
هذا جعل الكلمة عنصراً في المعجم السياسي، وحولها إلى ما يوصف في الألسنية بالكلمة الموشومة، وذلك حينما تحمل الكلمة معنى ظاهرياً جميلاً أو محايداً ولكنها تنطوي على معنى آخر سلبي ومناقض للمحايد، ويلتقي هذا مع مصطلح (النسق المضمر) حينما يحدث التناقض الدلالي بين معنيين ينسخ أحدهما الآخر وتكون للمعنى المبطن سطوة أقوى من الظاهر المباشر.
نستطيع تتبع ذلك في سيرة الأحداث الكبرى التي تنتهجها السياسة المباشرة تحت معنى الليبرالية، ومثال على ذلك قانون (صون العلمانية) في فرنسا، وهو قانون يقوم على الفرض والقسر بمنع فئات من الشعب من ممارسة خياراتها الثقافية والسلوكية الفردية، وإجبارها على تمثل شروط الجماعة بعيداً عن أي اختيار، ولقد كان مونتسكيو قد حدد منذ منتصف القرن الثامن عشر معنى الحرية بأنها الحق في عمل كل ما لا يضير الآخر، وهو معنى فلسفي وأخلاقي جوهري، غير أن الممارسة السياسية لليبرالية ظلت تخالف هذا المفهوم متوسلة بحيل لا تحصى في لعبة التأويل والتبرير، ومن ذلك مفهوم العدو، الخارجي والداخلي، والعدو هنا بمعناه السياسي هو المخالف والمختلف، وكل مخالف أو مختلف يدخل في إطار المعنى العام للعدو أو الخصم، وهنا تصبح الليبرالية دكتاتورية، وتفعل الكلمة الموشومة فعلتها في تمثل نسقي متعالم ومتعال. ومثال أمريكا ماثل فعلاً حيث التحقق السياسي هو للطبقة الفضلى ويحرم منه سائر الطبقات، وكذلك يظهر النفاق التاريخي للديموقراطية حيث تكون خاصة بالبلد ولا تتمثل في السياسة الخارجية لأمريكا ولا في السياسة الاقتصادية، وهما معاً ديموقراطيتان في الداخل ودكتاتوريتان في الخارج، أي ضد المخالف والمختلف.
هذا مأزق فلسفي وأخلاقي ضخم لم تبرأ منه الليبرالية قط، وعندنا مثال مؤلم فعلاً ونتجنب ذكره وترداده، وهو عن مفكر عربي مرموق جداً ونموذج للفكر الحر والليبرالية الثقافية، ومَنْ أكثر من طه حسين في هذا الشأن، وهو الرجل الحر والمفكر المبدع، ولكنه مع هذا تصرف ضد مخالفيه والمختلفين معه تصرفاً لا يقل دكتاتورية عن أي طاغية آخر، وذلك فيما فعله بزملائه في الجامعة: زكي مبارك ومحمد غنيمي هلال، وقد فصلهما من العمل، ومثلهما كان له موقف صارم مع محمود شاكر، وكل ذلك ناتج عن اختلاف الرأي، في تفسير تحايلي على معنى الحرية حسب مونتسكيو، حيث صارت الحق في عمل ما كل ما تشاء حتى وإن صار ذلك في الإضرار بالآخرين.
لقد كنت قد أثرت في كتابي (النقد الثقافي) نظرية المعارضة النسقية، مشيراً إلى المعنى الفلسفي الذي يقول إن السلطة تخلق معارضة مماثلة لها، وتتسم بالعيوب ذاتها، وكل سلطة قمعية تتولد عنها معارضة قمعية على نفس الدرجة، والوقائع تؤكد ذلك، وهنا نقول إن الليبرالية في الثقافة العربية المعاصرة تعاني من العلة النسقية ذاتها، والمعارضات العربية معيبة بعيوب لا تختلف عن عيوب المؤسسات المهيمنة.
قادني إلى هذا الكلام ما شاهدته على الشبكة الليبرالية، وهي شبكة تتسمى باسم الليبرالية تماماً مثل الحزب الاسباني العريق، وتقول بحرية الرأي والتفكير وحقوق الفرد والانفتاح، ولكنها مع هذا قد نشرت في صفحتها الأولى قبل أيام مقالة تدعو الشيخ سلمان العودة إلى إغلاق برنامج (البيان التالي) ومنع عبدالعزيز قاسم من تقديم مثل هذا البرنامج، ووصفت صاحب البرنامج بصفات تعزز بها دعواها، وختمت المقال بالقول: إننا في زمن الانفتاح ولذا يجب حجب هذا البرنامج.
ولو تمعنا في المخالفة النسقية هنا وترجمناها إلى اللغة المباشرة لوجدنا أن الشعار سيكون كالتالي: بما إننا في زمن الانفتاح فلا بد لنا من الانغلاق، والمنفتح هنا هو المنغلق في آن واحد، وهذه صيغة تنتمي للحيل الثقافية التي أشرت إليها من قبل وذلك حينما يسير الشعار ضد دلالته المعلنة، ويأخذ المعنى السياسي (والنسقي هنا) حقه مبعداً المعنى الفلسفي والأخلاقي، وتكون المعركة معركة من أجل الهيمنة وكسب الميدان، وتتناقض مع جذرها الأصلي في تأسيس المفهوم وفي تسويقه.
ما جرى من الشبكة الليبرالية ليس نشازاً ولا مثالاً فريداً ولكنه نمط ثقافي له تاريخ وله واقع ملموس، ومصطلحات من مثل الثورة والحرية والاستقلال والاشتراكية قد مرت في ثقافتنا المعاصرة لتؤسس لدلالات مناقضة لظاهر المعنى ولقد كانت الثورة عربياً مجرد انقلاب عسكري وكانت الاشتراكية مجرد فوضوية اقتصادية، وويلٌ لمن بحث عن الحرية والوحدة حينئذ، وهذا كله معجم نسقي طاغ، ويحتاج إلى مواجهة نقدية ثقافية لا هوادة فيها لكشف الخلل وتسمية الأشياء بأسمائها، والطريقة المنهجية لكشف سيرة النسق هي أن نفحص طريقة تعامل المثقف مع خصمه المخالف له، وهذه هي اللحظة التي نتبين بها مدى ديموقراطية الذات من دكتاتوريتها.
لقد دعوت من قبل إلى مفهوم (الناقد منقوداً) حتى لا يتحول الناقد إلى سلطة مطلقة ونهائية، وأن أكبر وأهم مشروع ثقافي هو في نقد الذات، وفي قدرة الذات على التعامل مع النقد الموجه لها، وعلى تعاملها مع المخالف والمختلف، ونحن كلنا معيبون في هذا الشأن ولذا يجب الدفع باتجاه مساءلة الخطاب الثقافي وكشف عيوبه والتصريح بذلك، ومنها قضية الليبرالية عندنا، وما لم نفعل فإننا سننتج ليبرالية دكتاتورية متسلطة وعمياء، وكم هو صعب ومثالي أن نجد مقولة مونتسكيو متحققة بأن الحرية هي الحق في عمل كل ما لا يضير الآخر، وهو الآخر المختلف والمخالف، وكيف تعامله وتضمن له حقه في الوجود والرأي والتعبير، مثلما تطلب ذلك لنفسك، وإذا كان المرء يعطي نفسه الحق في نقد غيره أفراداً ومؤسسات فما باله يضيق من نقد غيره له أو اختلافه معه، وهل نقول بالانفتاح ثم نبادر بالدعوة لإغلاق الصوت الآخر..؟؟؟
على أنني وكختام أقول إن عبدالعزيز قاسم قد أثبت قدرة إعلامية خاصة ونموذجية في محاورة كافة ألوان الطيف الاجتماعي دون تحفظ أو قمع، وما يفعله هو صورة ثقافية للحوار الوطني في مرحلتنا هذه، ولم تؤثر قناعاته الخاصة على خطة برنامجه، وأنا أعرف أن البرنامج قد جلب جمهوراً عريضاً كل يوم جمعة، وهذا نجاح احتفل به وأدعو إلى استمراره، وأنا مستعد لسماع كل خصومي من كل الاتجاهات، عبر هذا البرنامج وعبر غيره، وهذا امتحان ذاتي أمارسه مع نفسي بكل تأكيد، وكلما تقبلت رأي غيري بي تعززت عندي ثقتي في أن أقول رأيي في كل شيء دون تأنيب ضمير أو احساس بالتناقض بين الذات والمقولة، وكم أحاذر أن أقع في غلطة كغلطة طه حسين أو حماقة صون العلمانية - كما هي نسقية فرنسا وتناقضها مع ذاتها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.