تعودنا أن نلقي مشاكلنا «مفرودة» على أقصر جدار موال.. والسلام التام.. ثم تنفس عميق.. عميق، زفير طويل، و«وناسة»..! ولاحظت أننا نختار، دورياً، بعناية وبعاطفة جياشة، الجدار الأقصر.. جاءت حقبة من الدهر، فتح أشاوس الحرب الليبرالية النيران على هيئة الأمر بالمعروف والنهي على المنكر، وألقي على جدارها كثير من المشاكل، وكثير من التهم وكثير من المختلقات وتعميمها بالذم (مجاناً ولوجه الله) واستغلال اخطاء الهيئة وتضخيمها، لأسباب كثيرة أبلغها تصفيات حسابات نفسية وفكرية لا أكثر. واضطرت الهيئة أن تعيد هيكلة نشاطاتها ونشطائها وأن تعلي جدارها كي لا تناله عوالقنا. وقد اتخذ رئيسها الشيخ عبداللطيف آل الشيخ قرارات شجاعة لإعادة الهيئة إلى مهماتها الصحيحة وهيبتها، وهو لا يزال يجاهد في عقلنة الهيئة و«ركادتها». لكن الجدار القاصر القصير، وهو «الموالي» دائماً، ونرمي عليه كل مشاكلنا كلما أردنا التنفيس عن أي من همومنا، هو «المناهج التعليمية». والمناهج، بالمناسبة، جدار قصير في كل مكان في العالم تقريباً، فالألمان يشكون من سوء مناهج الدراسة لديهم، وقد شكت المستشارة أنجيلا ماركيل بلوعة حراقة من بلادة المناهج في ألمانيا، وكذلك يفعل البريطانيون والأمريكيون، بينما نحن جعلنا الشكوى «مواويل» و«سامري» و«طيران» يهيجه ضرب الدفوف ويزيده نشوة وجنوناً. إذا ما تسبب شاب بحادث قلنا السبب المناهج، وإذا انفرط حياء وانسكب ماء وجه شاب وساء أدبه، قلنا: لم تؤدبه المناهج، وإذا كثر العاقون لوالديهم قلنا ذلك إنتاج المناهج الرديئة. وإذا تردت الروح والغيرة الوطنية لدى شاب قلنا: إن المناهج لم تزرع في خلجات المهج بهاء الوطن وروعته. حتى بدت المناهج وكأنها «إكسير الحياة» و«فيتامين» كل شيء. وهي كذلك في قديم الزمان، قبل أن يهرع بيل غيتس وموالوه في وادي السليكون «لغزو» جدران المحميات ويهدموها، وقبل أن تنتحر الحدود في فضاء الأثير. وفي الحقيقة فإن المناهج والمدارس وحدها لا تفعل شيئاً، في عصر شبكات التواصل الاجتماعي، إذ لا يمكن لمدرس محكوم بالرسميات والتقييدات وبالبيروقراطيات، وبأنواع من المديرين، أن يعظ سريعاً طالبا يتثاءب في فصل مكتظ، وليس من الوارد أن تصارع موعظة يتيمة مئات أو آلاف التغريدات الملونة ذات الجاذبية الفتاكة، إذ ينهمك الشباب في الاستغراق الطقوسي في رومانسياتها وحكمها وعبقرياتها وحتى «هبلها» وجنونها، وهم يترشفون قهوة في «كوفي شوب» يعبق بروائح الهال. وتر إذ أزفت مهد البيد.. أسدل جدايله وعصى.. وشد وثاقاً من عزم وصبر.. وأطلق قدميه لخافقات الحصى. ليلتقي سيدة الحفا وروابي لا تبوح بأسرار الدهناء للآل والضِح.. إذ أنوار أقمار وأنجم سهارى، خمائل ضياء وقصائد شعر.. [email protected]