في مدينة دمنهور المصرية وُلد المفكر وعالم الاجتماع المصري عبدالوهاب المسيري، وخلال مسيرةٍ امتدت لأكثر من 70 عاما ساهم من خلالها المسيري في إثراء المكتبة العربية والإسلامية بعشرات المؤلفات باللغتين العربية والإنجليزية، تنوعت بين الموسوعات والدراسات والمقالات، وبطبيعة الحال فإن أبرزها «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد» التي تصنف ضمن أهم الموسوعات العربية في القرن العشرين. ومن كتبه البارزة أيضا «العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة»، و«الفردوس الأرضي»، و«الحداثة وما بعد الحداثة»، و«الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان»، كما ألف عدة قصص وديوان شعر للأطفال، وترجمت بعض أعماله إلى عدة لغات كالفرنسية والفارسية والبرتغالية والتركية. ولأن الرحلة كانت ثرية وحافلة بالتنقلات والأمواج الفكرية والاجتماعية والسياسية والفكرية، كان لا بد من وجود كتاب تجتمع بداخله كل تلك الأحداث فأخرج لنا الدكتور المسيري كتابه الجميل والذي دون من خلاله سيرته الذاتية تحت مسمى (رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر) ومن خلال هذا الكتاب يرصد الكاتب بنفسه تحولاته الفردية في الفكر والمنهج ويؤرخ، فى الوقت نفسه، لجيل بأكمله، أو لقطاع منه. وبإمكان كل قارئ لم يحظ بعد بمطالعةِ أي من كتب المسيري رغم تنوعها وغزارتها أن يطالع هذا الكتاب، ففيه ستلم بوضوحٍ تام ملامح الرجل الفكرية لكافة القضايا والأفكار. ولعل أبرز تلك الملامح ما يعتبر الكثيرون تحوله من الدفاع عن الفكر الماركسي ثم الشيوعي وأخيرا رست مراكبه في مرسى الرؤية الإسلامية للحياة وقضاياها المختلفة. فتحولات صاحب هذه السيرة ليست بأى حال منبتة الصلة بما كان يحدث حوله. ومن هذا المنظور، تصبح أحداث حياة المؤلف لا أهمية لها فى حد ذاتها، وإنما تكمن أهميتها فى مدى ما تلقيه من ضوء على تطوره الفكرى. وقد فهم المؤلف كثيرا من أحداث حياته الخاصة (الذاتية) من خلال نفس الموضوعات الأساسية الكامنة والمقولات التحليلية التى استخدمها فى دراساته وأبحاثه (الموضوعية)، وليس العكس. ولكن هذه الرحلة الفكرية، مع هذا، هى رحلة المؤلف الفردية، فهو الذى تفاعل مع ما حوله من تجارب منذ أن وُلد فى دمنهور ونشأ فيها إلى أن انتقل إلى الإسكندرية ومنها إلى نيويورك ثم أخيرا إلى القاهرة حيث استقر به المقام. فإذا كانت هذه الرحلة الفكرية، سيرة غير ذاتية، فهى أيضا سيرة غير موضوعية، سيرة إنسان يلتقي فى فضاء حياته الخاص بالعام، ولهذا فهو لا يذكر القضايا الفكرية المجردة وحسب، وإنما يشفعها دائما بأحداث من حياته أو اقتباسات من كتاباته تبين كيف ترجمت القضية الفكرية (العامة) نفسها إلى أحداث ووقائع محددة فى حياته الشخصية (الخاصة) وذلك بأسلوب المؤلف السلس والعميق والساخر. وهذه الطبعة الجديدة تتميز بعض الإضافات وأهمهما ملحق صور كبير يتناول رحلة المؤلف ومحطات حياته المختلفة. الكتاب من إصدارات دار الشروق بالقاهرة ويقع في 760 صفحة، تنوعت عناوينه وتمازجت مضامينه لتتكامل في نهايته، وتتشكل لنا صورة هذا المفكر العربي الشهير والذي كان مثارا للإعجاب تارة وللنقاش أخرى.. بدأ فيه الكاتب الحديث عن قريته ومن ثم نشأته وحياته الاجتماعية الخاصة والبيئة التي نما فيها وترعرع، ثم عرج بعد ذلك عن حياته العلمية والدراسية والتي انطلقت من مصر ثم أمريكا ثم عاد بعدها الى مصر مرة أخرى. وقد خصص الجزء الثاني من الكتاب عن إدراكاته ومدارسه الفكرية وحلل ذلك الوضع بشكل موسع. انتقل بعدها للحديث تحدث عن مرحلة الدكتوراة واهتمامه بالصهيونية بعد ذلك والذي أصبح معروفا من خلاله بشكلٍ واسع. تحدث أيضا في فصلٍ كامل عن مشروعه الأبرز والأضحم والمتمثل في «الموسوعة» والذي كرس له جزءا كبيرا من حياته (أكثر من 25 سنة) وقد فصل في الحديث عن مراحله ومن ساعده فيها والصعوبات التي تعرض لها. ثم افرد فصلا للحديث عن أهم محاورها وفصل الحديث عن الجماعات الوظيفية واكتشاف اليهود. ختم بفصل ممتع حول اهتماماته على المستوى الشخصي والتي تملثت في حبه للفنون والسينما والمتاحف والأدب والعمارة. ورغم كل هذه التنقلات الفكرية بين عددٍ من التيارات الفكرية والفلسفية المختلفة إلا أنه ما يميز المسيري هو قدرته الواضحة مذ ذلك الوقت على الاحتفاظ بنفسٍ هادئ الى حدٍ ما ونظرةٍ بدت أكثر تجردا ممن تبنوا تلك الأفكار، ربما ساهمت هذه الامور مجتمعة في وصوله الى هذه القناعات في أواخر حياته وحول هذه التناقضات والتجاذبات التي مرت به يقول ذلك في هذا الكتاب ما نصه: وضعت جهازي العصبي داخل ثلاجةٍ مدة ربع قرن. كُنتُ أتباهى في أثنائها بأنني أنظر إلى وقائع الحاضر نظرة مؤرخ، وأنني يمكنني أن أراقب العمال يُغيِرُون رخام منزلي، وأكتب في الوقت ذاته عن الفيلسوف الألماني أمانويل كانت. وبعد أن تنقل وعايش الكثير من الأفكار في بيوتها الداخلية، ومحصها ودققها ودافع عنها في وقتٍ من الأوقات، بدا المسيري أكثر قناعة في تحوله الأخير وتبنيه للرؤية الإسلامية حتى وصف هذا التوقف عن الارتحال الفكري ما يشبه أنه انتقل من إيمان التقليد الى إيمان اليقين. يقول: إن الإيمان داخلي لم يُولد إلا من خلال رحلةٍ عقلية طويلة، ولذا فإيماني إيمان تأمُلِي عقلي، لم تدخل عليه عناصر روحية، فهو إيمان يستند إلى إحساسٍ بعجز المقولات المادية عن تفسير ظاهرة الإنسان، وإلى ضرورة اللجوء إلى مقولات فلسفية أكثر تركيبية. ويُوضِح أنه اكتشف الدين كمقولةٍ تحليلية، وليس مجرد جزء غير حقيقيٍ من بناءٍ فوقي ليس له أهمية في حد ذاته.. المكون الديني ليس مجرد قشرة، وإنما هو جزء من الكيان والهوية.