كم من فرصة طرقت أبوابنا، ولكنْ كثيرون لم يفتحوا لها بابا، والقليل بادر باغتنامها قبل فواتها، وستجد هؤلاء يتمتعون بقوة الاهتمام والاستبصار، والتحفز والمبادرة. وأصل الفرصة في معجم لسان العرب النوبة بين القوم يتناوَبُونها على ماء البئر، وتشير إلى المبادرة كذلك. ويعد مفهوم فرص الحياة Life Chances من المفاهيم المهمة والمحورية في الدراسات الاجتماعية الحديثة، ويشير هذا المفهوم عند ماكس فيبر Max Weber إلى: فرصة الأفراد في استغلال قدراتهم وإمكانياتهم في تحقيق أهدافهم في المجتمع، أو فشلهم في ذلك، ويتضمن هذا المفهوم فرصة الأفراد في الوصول إلى الموارد الاجتماعية الكامنة في البناء الاجتماعي. وفرص الحياة في المفهوم الإسلامي لا تنحصر في الدنيا فحسب فهناك الآخرة التي ينبغي للإنسان أن يغتنم فرصة حياته الآن للظفر بنعيمها. قال تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } سورة النساء: (134) ويرشدنا الرسول- صلى الله عليه وسلم - إلى اغتنام فرص الحياة قبل رحيلها عنا فيقول: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» صحيح الجامع. إن استغلال فرص الحياة يُحدث بالتأكيد تغييراً جذرياً في حياة الإنسان سواء كان في الجانب الشخصي أو الاجتماعي أو المالي أو الأخروي. وستجد الأشخاص الذي حققوا نجاحات مبهرة كانوا ممن يحسنون اغتنام الفرص التي يداولها الله بين الناس. والسر في ذلك لا يعود إلى الحظ ؛ ولكن من خلال قيمة الجهد، فالفرصة – كما قيل - تأتي متنكرة في ثياب الجهد الشاق. تصور لو أتيحت لك فرصة مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يلبي لك حاجة من حاجاتك فكيف تتصرف؟ انظر ماذا فعل رَبِيعَة بْن كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ رضي الله عنه، حيث يقول: «كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: سَلْ، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» رواه مسلم، إنه لا يريد الجنة فحسب بل أن يكون رفيقا للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد طلب منه أن يجتهد في صلاته ليحظى بمرافقته. وهناك خطوات تساعدك على الاستثمار الناجح للفرص فيما يعود عليك وعلى مجتمعك بالنفع العميم: 1 - التأكد من مشروعيتها، فالفرصة، لا بد ان تتحلى بالبعد الاخلاقي والقانوني والشرعي، واصطياد الفرص ليس ضرباً من القرصنة والانتهازية لحقوق الآخرين. 2 - الاختيار الراشد للفرصة المناسبة فهناك فرص قد تضيع على الفرد فرصا أفضل منها، فلابد من تقييم الفرصة من حيث أهميتها وجودتها في تحقيق الهدف. 3 - مراعاة مناسبة الفرصة مع احتياجات الفرد وإمكانياته المادية والمعنوية.، وإلا سببت له حرجا، وفي الحديث: (لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه: يتعرض للبلاء لما لا يطيق) صحيح الجامع. 4 - أخذ زمام المبادرة وهي استراتيجية كل الناجحين، فأي تقاعس أو تردد عاقبته ضياع الفرصة ذاتها. 5 - البحث عن فرص بديلة، فلا فائدة من التباكي على أطلال الفرص الضائعة، أو اجترار حسرات الندم، وقل:{عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ} سورة القلم (32). 6 - صناعة الفرصة، عندما لا تجدها قم بصناعتها كما قال برنارد شو Bernard Shaw: «الناجحون في الحياة بحثوا عن الفرص المناسبة، ولكنهم حين لم يجدوها صنعوها بأنفسهم». وما دمنا نتحدث عن فرص الخير فبين أيدينا أعظم فرص الحياة، إنها ليلة القدر التي دعينا إلى تحريها: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر) رواه البخاري، خمس ليال فقط من الاجتهاد في الدعاء والصلاة وأعمال البر... ومن العجيب أن بعض الناس يلهث وراء فرص العروض المخفضة في العشر أو متابعة الفضائيات الهابطة مضيعا فرصته الذهبية في الاجتهاد لموافقة الليلة الألفية. والرسول - صلى الله عليه وسلم- يتقدم بك خطوة أرقى ليقول لك اصنع انت فرصة خيرا من ليلة القدر في أي وقت وأي مكان، فيقول: (موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود) صحيح الجامع. كأن تكون جنديا في ساعة حراسة الحدود أو داعيا في ساعة دعوته لمحرومين من الإسلام أو متطوعا في ساعة إغاثة المنكوبين، أو عالما في ساعة إبداع لنهضة أمته..