انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة اجتماعية وهي "إخفاء الحمل والولادة" وعقد القران والزواج، وأيضا الأحزان من مرض ووفاة! بعضها كأخبار الحمل يتم إخفاؤها ليس عن الأقارب فحسب بل حتى عن الأهل والوالدين! طبعا أصحاب هذه الظاهرة لا عذر لهم عندما واجهتهم بهذا الخطأ العظيم لأنه لا يوجد سبب حقيقي لممارسة هذه العادة، وأعتقد أن السبب الرئيسي لنشوء هذه الظاهرة هو اعتقاد خاطئ لتوهم آمن به هؤلاء ألا وهو أن عملية الإنجاب عملية تخص الزوجين وعيب أن أظهر أو أخبر أحدا بهذا! قلت ذلك استنادا على ما رأيت من مشاهير يتكلمون من هذا المنطلق وهم بالطبع مؤثرون على جماهيرهم، ولا أهمل الأسباب الأخرى المتعلقة بالخوف من الحسد والأمراض النفسية وغيرها لكن تأثير نشر مثل هذه المعتقدات والنظرات بلا شك أنه تأثير عميق في تغيير سلوك الأفراد خاصة مع وسائل الاتصال الاجتماعية الحديثة هذه. واللوم لا يقع على من يتكلم وينشر مثل هذه السخافات، بل اللوم الأكبر على من يرضخ لهم وكأن لا عقل له! فالشخص الواعي لا يعمل بما يسمع دون أن يفكر بعوائده السلبية والإيجابية. ماذا تستفيدون من جعلكم أهاليكم قلقين بشأنكم وتأخر الإنجاب! ما ذنب أبوين ينتظران الفرحة بحفيد؟! ما الفائدة من سلبهم فرحتهم لاستبدالها بصدمة مفاجئة؟! ما الفائدة إذا لم يدعي لك أحد بالسلامة والتهوين؟! الحمل والولادة وإنجاب أطفال أصحاء ليس بشيء غريب أو ميزة تميزت بها امرأة عن سواها من نساء العالمين كي تخاف من العين! حتى وإن تأخرت بالحمل فهناك الكثير مثلها، وحتى لو أن لها أبناء كثرا أو أنجبت جنسا واحدا فقط فهناك الكثير مثلها، وقبل ذلك فهذا كله بيد الله والله يحب أن يرى نعمته على عبده، فالأمر رزق من الله، أيستحي أحد من خلقه! ورزقه! ونعمته! وشريعته! وأنا أجزم أن هذا النوع من الناس لا يخفون ما يجب أن يخفوه وهي مشاكلهم وأسرارهم والأمور الخاصة بهم، ولا أعلم أن أحدا يخفي ما رزقه الله إلا إن كان حراما. ويبدو أن هناك لبسا في مفهوم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "اقضوا حوائجكم بالكتمان"، رزق الله ليس بحاجة لتقضى وإنما نعمة يجب أن يفرح بها وتقدر فهناك الكثير من المحرومين الذين إذا أخفوا عنهم هذا الخبر تضيق بهم الدنيا ويلقى في قلوبهم شيء من الكره والحقد ويظنون لا محالة أن السبب هو الخوف من حسدهم. إن الفرد الواعي إن رأى الناس ينتقدون فعله ورأى أحبابه ساكتين يعلم أن فعله خطأ ويجب تغييره حالا، فإذا كان الناس أحسوا بهذه المشاعر فكيف بالذين يحبونه! لكن حبهم له أجبرهم على السكوت فلا عجب. ختاما: ضعوا أنفسكم بمكان والديكم وأنظروا لأحاسيسكم، فالأقارب والمعارف يشعرون بمشاعر سلبية تجاه من يخفي عنهم هذا الخبر فكيف بالوالدين؟! ومن يحفظ الله يحفظه، فالأذكار والتوكل التام على الله درع حصين وليس الإخفاء، فالإخفاء يجلب الحسد بدل أن يبعده، فكثرة الخوف والاستسلام والعمل على منعه يجذب ما تخشاه، هذا ما يسمى بالتشاؤم الذي أخبر به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فراجعوا أفكاركم قبل أن تسيطر على أفعالكم. هذا بالنسبة لأصحاب الشأن، أما بالنسبة لمن حولهم فإن السكوت على الخطأ يسهم في انتشاره ليصبح عرفا أو ثقافة، فحاوروهم ونبهوهم بسلبيات الفعل وإن لم ينفع فالجأوا لأصحاب الخبرة وهم الأخصائيون الاجتماعيون والنفسيون فقد يكون هناك مرض نفسي أو معتقدات خاطئة يجب أن تعالج. رزقنا الله وإياكم ما نتمنى.