في لحظات التحول الكبرى، تميل الدول إلى سن مزيد من الأنظمة واللوائح، رغبة في الضبط وتسريع الإنجاز. غير أن هذه الكثافة التشريعية، حين تتجاوز حدها، تتحول من أداة تنظيم إلى عبء يثقل كاهل الدولة والاقتصاد. هنا يظهر ما يمكن تسميته بالتضخم التشريعي؛ حالة تتزايد فيها النصوص وتتشابك، حتى يصبح الوصول إلى الحكم النظامي السليم مهمة معقدة، ويغدو الامتثال مكلفا، وتتراجع القدرة على الابتكار. التضخم التشريعي لا ينشأ فجأة، وإنما يتكون عبر تراكمات متتابعة. كل جهة تعالج إشكالا محددا بإصدار لائحة أو تعديل، فتضاف طبقة جديدة فوق طبقات سابقة، دون مراجعة شاملة تضمن الاتساق. ومع مرور الوقت، تتكاثر التعارضات، وتتسع المسافات بين النص وروحه، ويتحول التطبيق إلى اجتهادات متباينة. في هذه البيئة، يتردد المستثمر، ويتباطأ القرار الإداري، ويصبح الامتثال هدفا في ذاته بدل أن يكون وسيلة لتحقيق غاية أوسع. الأثر الاقتصادي لهذه الظاهرة واضح. كل نص إضافي يعني تكلفة زمنية ومالية لفهمه وتطبيقه. الشركات الناشئة، على وجه الخصوص، تتأثر بشكل أكبر، إذ لا تملك الموارد الكافية لملاحقة شبكة معقدة من المتطلبات. أما الجهات الحكومية، فتجد نفسها أمام عبء التفسير والرقابة، ما يستهلك طاقتها التي يفترض أن توجه نحو التطوير والتحسين. تجارب الدول تكشف أن معالجة التضخم التشريعي لا تتحقق بسن المزيد من الأنظمة، وإنما بإعادة بناء الفلسفة التنظيمية ذاتها. في المملكة المتحدة، جرى اعتماد ما يعرف بقاعدة «واحد مقابل واحد»، حيث لا يصدر تنظيم جديد إلا بعد إلغاء تنظيم قائم، مع تقييم دقيق للأثر. هذه المقاربة أعادت الانضباط إلى العملية التشريعية، ودفعت الجهات إلى التفكير في الجدوى قبل الإضافة. وفي كوريا الجنوبية، أُنشئ جهاز مركزي لمراجعة الأنظمة، مُنح صلاحيات واسعة لتبسيط اللوائح وإلغاء ما لا ضرورة له. النتيجة كانت بيئة تنظيمية أكثر مرونة، أسهمت في دعم النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات. أما كندا، فاتبعت نهجا يعتمد على تقييم الأثر التشريعي بشكل منهجي، بحيث لا يُعتمد أي تنظيم دون تحليل تكلفته وفائدته على المجتمع والاقتصاد. التجربة الأبرز جاءت من دول تبنت مبدأ «التنظيم الذكي»، الذي يركز على النتائج بدل التفاصيل، ويمنح الجهات المنفذة مساحة لاختيار الوسائل الأنسب لتحقيق الأهداف. هذا التحول نقل التشريع من كونه نصا جامدا إلى إطار مرن يقود الأداء ويحفز الابتكار. في المملكة العربية السعودية، يظهر وعي متقدم بهذه الإشكالية، خاصة في ظل التحولات التي تقودها رؤية 2030. خلال السنوات الأخيرة، برزت مبادرات نوعية تستهدف تحسين البيئة التنظيمية، من بينها إنشاء المركز الوطني للتنافسية، واعتماد أدوات تقييم الأثر التنظيمي، والعمل على حوكمة إصدار الأنظمة. هذه الجهود تعكس إدراكا أن جودة التشريع لا تقاس بعدد النصوص، وإنما بقدرتها على تحقيق الأثر المطلوب بأقل تكلفة ممكنة. غير أن المرحلة القادمة تتطلب انتقالا أعمق من مجرد التحسين إلى إعادة الضبط الشامل. المطلوب هو تبني مبدأ أن كل نص يجب أن يكون ضرورة، وأن كل لائحة يجب أن تحمل قيمة مضافة واضحة. كما أن مراجعة الأنظمة القائمة بشكل دوري ينبغي أن تتحول إلى ممارسة مؤسسية، لا إلى مبادرات متقطعة. كذلك، فإن توحيد المرجعيات وتقليل التداخل بين الجهات يظل عنصرا حاسما في بناء بيئة تنظيمية متماسكة. التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص الأنظمة، وإنما في كثرتها. الدولة القوية ليست تلك التي تكثر فيها النصوص، وإنما التي تحسن اختيارها وتطبيقها. وعندما يصبح التشريع أداة تمكين لا قيدا، تتسع المساحات أمام الاقتصاد، ويتحرر الابتكار، وتتحقق الغاية التي من أجلها وُضعت الأنظمة في المقام الأول. في النهاية، يبقى السؤال الجوهري: كيف يمكن للدولة أن تحافظ على التوازن بين الضبط والمرونة؟ الإجابة تكمن في شجاعة المراجعة، وفي القدرة على حذف ما لم يعد ضروريا، وفي بناء منظومة تشريعية ترى في البساطة قوة، وفي الوضوح قيمة، وفي الأثر معيارا أعلى من عدد النصوص. هذا هو الطريق نحو بيئة تنظيمية تواكب طموحات المملكة وتدعم مكانتها في عالم سريع التغير، ويمكن أن تكون وزارة الشؤون القانونية السعودية هي الحل!