( هل الطبخ مهمة خاصة بالنساء؟). الأرجح - عندي - أنه هواية، يمارسها من أراد، ذكوراً أوإناثاً. لكن ما تعارف عليه الناس أن المرأة هي من تطبخ لعائلتها، فاختاروه طريقاً لقلوب الرجال. الحقيقة ليسوا وحدهم، بل لقلوب النساء أيضا. ألسنا كلنا نحب طعام أمهاتنا! نشتهي نكهة أطباقهن؟ ألم يقل محمود درويش (أحنُّ إلى خبز أمي وقهوة أمي)! النكهة ليست فقط ملحًا وبهارًا، النكهة ذاكرة. العلم يقول إن حاستي الشمّ والتذوق مرتبطتان مباشرة بمراكز الذاكرة والعاطفة في الدماغ. لذلك قد تعيدنا رائحة خبز إلى طفولتنا في لحظة. طبخ الأم يردد صوتها في الخلفية، دعاءها، حتى قلقها على ابن تنتظر عودته. حينما نشتاق لطعام أمهاتنا، نبحث عن نسخة قديمة، كنّا فيها آمنين، نتلذذ بلا مشقة. الطبخ فيه أمومة وطاقة أنثوية، بالطبع حينما يكون خياراً وليس إجباراً. فالأنوثة ليست صوتاً ناعماً أو تضاريس جسد، بل هي طاقة عميقة، خفية، تتجلى في أشياء بسيطة، كوقوف المرأة في مطبخها، ليس لمجرد إعداد وجبة، بل لتبث دفئاً. الطبخ في معناه السطحي هو تحضير طعام، لكنه في عمقه، فعل احتواء. مقادير أي طعام أعد بحب هي (النية، الرعاية والاهتمام)، يحيط بذلك كله الذاكرة التي تستحضر النكهة التي يحبها من تعد لهم طعامهم. في (علم النفس الأسري) إعداد الطعام أحد أهم طقوس الترابط العائلي. رائحة الطبخ، صوت الأطباق، الجلوس على السفرة، كلها إشارات تبعث بها الحواس إلى الدماغ، فيشعر بالاستقرار والانتماء. الأنثى هي تلك القادرة على خلق هذه المساحة الآمنة. الطاقة الأنثوية في علم النفس مرتبطة بالرعاية، والخلق، والتغيير، والمطبخ مساحة لكل هذا. مواد خام تتحول إلى طعام، دقيق يصير كعكاً، بسكويتاً وخبزاً. الأنوثة في الطبخ ليست أن تُرضي الجميع، بل أن تعبر عن حبها بطريقة صادقة، دون أن تطفئ نفسها. الأنثى متى ما كانت سعيدة تستطيع أن تحول يوما عاديا إلى احتفالية بروحها، قادرة على تشتيت تعب بابتسامتها، الأنوثة طاقة حب متى ما قُدرّت. الطعام اللذيذ سره ليس في وصفته أو بهاراته، الأمر أعمق من ذلك. الطبخ حين يُمارس بقلب حاضر، يتحول من فعل يومي معتاد، إلى صلاةٍ صامتة. السر ليس تقنيًا، بل حضورا، تدعو بصمت، وتفكر فيمن سيأكل، حينها يتحول الطعام إلى رسالة. هناك مقادير، غير مرئية، لا تُقاس بملعقة، ولا تحتويها وصفة، يُطلق عليها، لمسة وأحياناً كثيرة (نفس)، وأنا أسمّيها (جرعة حب). الطبخ ليس وقوفاً لساعات لإعداد أطعمة، بل هو منح هذا الطعام جزءا من القلب. فالبيت الذي تُطبخ فيه الوجبات بحب، لا يشبع أهله فحسب، بل يُعاد ترميمهم كل يوم، لأن الطعام ليس مادة، بل طاقة عابرة من قلب إلى قلب. حين تقول امرأة (اليوم طبخت وأنا مبسوطة)، غالبًا ما تجد الطعم أطيب، ليس لأن البهار تغيّر، بل لأن اليد لم تكن متوترة، الروح لم تكن مثقلة، وكأن الطعام يتشرّب مزاج صانعه. أول علاقةٍ في حياة الإنسان كانت عبر الغذاء، طفلٌ يبكي، فتحتضنه أمه وتطعمه. منذ تلك اللحظة، ارتبط الطعام بالحب والأمان. حين يُقدَّم الطعام بحب، يستيقظ داخل الإنسان ذلك الشعور، الاهتمام يعني الحب، الرجل يبحث عن الطعام بقدر ما يبحث عن الشعور خلفه. يصبح الطعام لغة، تعني (أنا أهتم بك)، والإنسان يتذوق - بطبعه - الاهتمام قبل النكهة.