منذ صغري، ونحن نسمع هذه الأغنية الوطنية الخالدة، فتسبقنا نبرتها إلى الفخر قبل أن نُحسن قراءة معانيها. ومع الزمن اكتشفت أن مضمون كلماتها ليس مجرد نشيدٍ للمناسبة، بل وثيقة شعورٍ ووعي: وطنٌ يعرّف نفسه بأنه هدايةٌ وسلامٌ وعهدٌ لا ينكسر. لذلك كلما أقبل يوم التأسيس عادت إلى القلب عبارتها المضيئة التي تختصر الحكاية كلها «عليها ومنها السلام ابتدأ». في هذه الأرض المباركة، ومنها ابتدأ السلام، وعلى ترابها الطاهر انطلقت أعظم رسالة عرفتها البشرية؛ رسالة الإسلام التي حملت للعالم نور الهداية، وقيم العدل والرحمة والطمأنينة. ويأتي يوم التأسيس السعودي ليعيد إلى الذاكرة فصولاً مضيئة من تاريخ دولة قامت على التوحيد، وترسخت جذورها في عمق العقيدة، فغدت منارة أمن واستقرار وسلام. وحين تقول القصيدة: «بلادي بلادي منار الهدى» فهي لا تصف مشهدًا عابرًا، بل تُعلن هويةً ممتدة. وحين تؤكد: «وفيها تصون العهود الذمم» فإنها تُسمي جوهر الدولة: عهدٌ وحفظٌ ومسؤولية. منذ أن أرسى الإمام محمد بن سعود – رحمه الله – دعائم الدولة السعودية الأولى، كانت الرسالة واضحة: إقامة كيان يحفظ الدين والإنسان، ويجمع الناس بعد تفرق، ثم توالت قيادةٌ رشيدة جعلت الأمن أساسًا والعدل نهجًا. ولأن القداسة في الجغرافيا هنا ليست فكرة مجردة، تعرّج القصيدة إلى القلب: «بمكةَ صرح الهدى عمرا ... أعز به الله أم القرى»، ثم إلى طيبة حيث «رسول السلام لكل الورى»؛ فتكتمل صورة الوطن الذي يصنع السلام من عقيدته، ويؤسس الاستقرار من روحه قبل مؤسساته. ويأتي يوم التأسيس لنستحضر مجدًا ممتدًا لأكثر من ثلاثة قرون، ونردد بيقين قسمها الجميل: «يميناً بخالقنا الأوحد ... عهود الحفاظ على السؤدد». فيها ومنها السلام ابتدأ.. وسيبقى بإذن الله ما بقيت هذه الدولة وقيادتها المباركة. ختامًا، نسأل الله العظيم أن يحفظ لبلادنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، وأن يوفقهما ويسددهما، ويجزيهما عنا خير الجزاء، وأن يرحم ملوكنا الذين صانوا هذه البلاد المباركة وحفظوها، ويرزقهم جناته. اللهم احفظ دولتنا المباركة، وأدم عليها الأمن والعز والتمكين، واجعلها منارة سلام وخير ووحدة للعالمين.