أسسها الملك عبدالعزيز على ركائز متينة.. السعودية.. نموذج فريد للوحدة في العصر الحديث    أرسى دعائمها الملك المؤسس.. التعاون والاحترام المتبادل مرتكزات راسخة في السياسة الخارجية    عز متجذر.. وهوية لا تغيب    جسدت قوة عزيمته لنماء وازدهار الوطن.. قصة نفط الخير في عهد الملك عبدالعزيز    23 فعالية وطنية وثقافية وتراثية ضمن احتفاء أمانة منطقة تبوك بيوم التأسيس السعودي لعام 2026    مكتسبات كبرى ونمو مستدام.. 4.7 تريليون ريال حجم الاقتصاد السعودي    المملكة تدين وتستنكر ما تضمنته تصريحات سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى إسرائيل    مندوب المملكة يشارك في جلسة مجلس الأمن بشأن الوضع في السودان    الملك عبدالعزيز يقدم أول كأس ملكية في كرة القدم    سمو ولي العهد يهنئ رئيسة وزراء اليابان بمناسبة إعادة انتخابها    مواعيد محددة لزوار الروضة الشريفة    "هيئة الطرق": انطلاق مبادرة "إفطارك علينا" لتعزيز السلامة المرورية وقيم التكافل    اعتزاز بالجذور العريقة والتلاحم الوثيق.. 299 عاماً من المجد    نائب أمير تبوك : يوم التأسيس مناسبة نستذكر بها أمجاد من بنوا وأسسوا لهذا الكيان العظيم    منظومة متكاملة    وزارة الداخلية تصدر دليلًا إرشاديًا للمحافظة على أمن وسلامة المعتمرين خلال شهر رمضان المبارك 1447ه    نيوم يتغلّب على الخليج بهدف في دوري روشن للمحترفين    التراث العمراني السعودي.. ذاكرة حية تعكس هوية وتاريخ المملكة    وزارات خارجية المملكة ودول عربية وإسلامية ومجلس التعاون والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي تعرب عن إدانتها بشدة وقلقها البالغ إزاء التصريحات الصادرة عن السفير الأمريكي لدى إسرائيل    استحضار ذكرى اليوم المجيد    بلدية محافظة أبانات جهود في تحسين المشهد الحضري والارتقاء بخدمة المستفيد وتعزيز المشاركة المجتمعية    فهد العجلان: «يوم التأسيس» يعكس قوة العقد التنموي وجودة الحياة    النصر يعود للصدارة.. والهلال يتعثر أمام الاتحاد المنقوص    التعادل يحسم مواجهة الهلال والاتحاد في دوري روشن للمحترفين    ولي العهد يزور مسجد قباء في المدينة المنورة    الفتح يتأهب لمواجهة الأخدود    الطرق التجارية التاريخية أعادت للجزيرة العربية مكانتها الاقتصادية العالمية    السعودية سابعة العالم في الميزانيات العسكرية    يوم يخلد التحولات الإيجابية للوطن    الوحدة الوطنية الكبيرة    المملكة من التأسيس إلى الدور الدولي المعاصر    يوم التأسيس: رسالة فخر متجددة للمواطنين والمقيمين    محافظة رياض الخبراء.. أصالة الريف وحيوية النمو والحضارة في مدينة تعلّم عالمية    معالم ومناطق ترتبط بمراحل تأسيس الدرعية الأولى بالشرقية وغصيبة والمليبيد وعلاقتهما بمراحل التأسيس    الاتفاق النووي السعودي الأمريكي على طاولة الكونجرس    أمين عام مجلس التعاون يرفض ويستنكر تصريحات سفير أميركا لدى إسرائيل    فترة الوحي في حادثة الإفك    "ليلة الأوقاف" ضمن حملة "الجود منا وفينا" تُسهم في توفير وحدات سكنية    "الإنسانيات الطبية".. حين يلتقي الطب بالأدب    إطلاق أول مركز متكامل لإنقاذ القدم السكرية في المنطقة الغربية بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالمحمدية في جدة    من الكتاتيب لأجيال متسلحة بالعلم والمعرفة    32 فريقا بمونديال صامطة    مراقبة ذكية لمواقف المسجد النبوي    113 مخالفا كل ساعة    «سلمان للإغاثة» يوزّع (200) سلة غذائية في مدينة كامنيتسا بكوسوفو    دام عزك يا وطن    تكريم جمعية أصدقاء البيئة بالأسبوع العربي للتنمية بجامعة الدول العربية    يوميات من عرعر في يوم التأسيس    ملاحم نسائية لم تكتب بالسيوف.. من ضوء البيوت خرجت الدولة    فن إدارة الشركات الحكومية: تطوير القابضة أنموذجا    هل يدرك العرب أن السعودية تمثل خط الدفاع الأكثر أهمية    جمعية الكشافة تنفذ معسكر الخدمة العامة بالمدينة المنورة بمشاركة أكثر من 350 كشافاً    وصول الطائرة الإغاثية السعودية ال81 لإغاثة الشعب الفلسطيني في غزة    سمو أمير منطقة القصيم: يوم التأسيس محطة تاريخية نستحضر فيها أمجاد الوطن وجذور وحدته الراسخة    رياح نشطة مثيرة للأتربة على معظم مناطق المملكة    الصيام آمن لمرضى الروماتويد مع الالتزام بالعلاج    الصحة تؤكد سلامة أدوية الستاتين    اختتام مشروع "بصيرة" لعمليات المياه البيضاء بدعم مؤسسة فهد بن عبدالله العويضيه الخيرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جذور راسخة ومستقبل واعد
نشر في الرياض يوم 22 - 02 - 2026


بناء الوعي الوطني وصياغة سردية تاريخية
اعتماد يوم التأسيس مناسبة وطنية هو قرار ذو دلالات الهوية والتاريخ، وكذلك سياسية وتنموية، يوسّع الذاكرة الوطنية، ويعمّق الانتماء، ويعيد تقديم قصة المملكة باعتبارها قصة بناء دولة متصلة عبر ثلاثة قرون.
وحافظت المملكة على إرث التأسيس من خلال الحفاظ على القيم والمبادئ الراسخة والرصينة منذ الأجداد التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى، كما عملت على توثيق تاريخها وتاريخ تأسيسها، وتعزيز الوعي الوطني بأهمية هذا اليوم
وأجرت "الرياض" لقاءات عدد من المختصين، بمناسبة يوم التأسيس الذي تعيشه مناطق ومحافظات المملكة، بحبور واضح واسترجاع لمعان وقيم فاضلة.
الدكتور علي محمد الحازمي المستشار في تنمية القدرات البشرية والخبير في الاقتصاد الدولي والتخطيط الاستراتيجي اعتبر يوم التأسيس مناسبة وطنية تعزز الشعور بالانتماء والفخر بوطنه. في ظل التحولات الكبيرة والتنموية التي مرت بها المملكة، ويذكر يوم التأسيس المواطن السعودي بجذور الدولة السعودية الأولى وتاريخها العريق، وهذه نعمة من الله عز وجل، وعلينا أن نحافظ على هذه النعمة بالشكر، وبالشكر تحفظ وتزيد النعم. واتذكر مقولة خالدة لسيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله -: "سنواصل المسير بثبات". وتشير هذه المقولة الخالدة بأن يوم التأسيس يعكس لنا قوة التلاحم الوطني والتاريخ المشترك الذي يجمع المواطنين، ويعزز الشعور بالفخر بالقيادة الرشيدة والانتماء للمملكة أرض الحرمين المباركة.
كما أشار الحازمي أن المملكة حافظت على إرث التأسيس من خلال الحفاظ على القيم والمبادئ الراسخة والرصينة منذ الأجداد التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى. تشمل هذه القيم العدل، الشورى، والتمسك بالشريعة الإسلامية. كما عملت المملكة على توثيق تاريخها وتاريخ تأسيسها، وتعزيز الوعي الوطني بأهمية هذا اليوم. كما قال سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مقولته الشهيرة والخالدة: "رؤيتنا لبلادنا التي نريدها، دولة قوية مزدهرة تتسع للجميع، دستورها الإسلام ومنهجها الوسطية، تتقبل الآخر". مدلولات ذلك الراسخة والرصينة تعكس قوة التلاحم الوطني والتاريخ المشترك الذي يجمع المواطنين، ويعزز الشعور بالفخر والانتماء للمملكة.
وذكر الحازمي في سياق حديثه أن اعتماد يوم التأسيس كمناسبة وطنية يعكس قوة التلاحم بين الشعب السعودي وقيادته، كما ذكر سيدي الأمير محمد بن سلمان في مقولته الخالدة: "الثروة الأولى التي لا تعادلها ثروة مهما بلغت: شعب طموح معظمه من الشباب، هو فخر بلادنا وضمان مستقبلنا بعون الله". يبرز هذا اليوم أهمية الحفاظ على الهوية الوطنية والتراث الثقافي السعودي، ويعزز الشعور بالفخر والانتماء للمملكة.
واستطرد الحازمي حديثه بأن من يوم التأسيس إلى التوحيد على يد الإمام الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن - طيب الله ثراه -، استمرت النهضة التنموية والاقتصادية في المملكة. عمل الإمام الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن - طيب الله ثراه - على توحيد البلاد وتأسيس الدولة السعودية الحديثة. وذكر سيدي الأمير محمد بن سلمان بروح مستبشرة ومتفائلة والتفاؤل من طبع المؤمنين: "إن مستقبل المملكة، أيها الإخوة والأخوات، مبشر وواعد، بإذن الله، وتستحق بلادنا الغالية أكثر مما تحقق". حيث استمرت النهضة التنموية في عهد ملوك المملكة البارين، مع التركيز على بناء الإنسان والمكان. في ظل رؤية المملكة 2030، تم التركيز على تنمية القدرات البشرية، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز الرفاهية للمواطن السعودي. حيث شملت هذه الرؤية المباركة عدة مبادرات ومشاريع تنموية تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي، وسوف نستمر بخطى ثابتة راسخة ورصينة.
شادية سعد الغامدي، كاتبة رأي وإعلامية، ومتخصصة في إدارة المشاريع قالت: يمثل يوم التأسيس للمواطن السعودي لحظة وعي تاريخي تُعيد ترتيب العلاقة بين الفرد والدولة على أساس هويتنا وجذورنا. فهو لا يكتفي بتذكير الناس بأن المملكة اليوم دولة مؤثرة، بل يعيدهم إلى السؤال الأهم كيف بدأت؟ وما القيم التي قامت عليها الدولة منذ لحظة التأسيس الأولى؟ كما يستحضر المواطن في هذا اليوم معنى الشرعية التاريخية التي تشكلت مبكراً في قلب الجزيرة العربية عبر نظام سياسي واجتماعي قادر على بناء الاستقرار وإدارة التنوع وحماية المصالح العامة.
وقالت الغامدي: يحمل يوم التأسيس بعداً وحدانياً عميقاً لأنه يتصل بالهوية المحلية بالقرية والمدينة، بالحرف التقليدية والأسواق وبالعادات واللهجة واللباس والعمارة، وبالذاكرة التي صنعتها الأجيال في مناطق المملكة المختلفة. لذلك يشعر المواطن أن يوم التأسيس ليس مناسبة احتفالية عابرة، بل هو مرآة وطنية يرى فيها امتداد أسرته ومجتمعه داخل سياق دولة عمرها ثلاثة قرون تقريباً من العمل السياسي المتصل، ويُمثل يوم التأسيس معياراً لفهم فكرة الدولة بوصفها مشروعاً مستمراً وليس مجرد حدود جغرافية. فالتأسيس يعني بناء مؤسسات، وإرساء قواعد للحكم والأمن والقضاء وصناعة علاقة متوازنة بين السلطة والمجتمع. وعندما يقرأ المواطن هذه المعاني، يدرك أن الاستقرار الذي يعيشه اليوم لم يأتِ صدفة، بل هو حصيلة قرارات صعبة وتضحيات وتراكم خبرات عبر أزمنة متعاقبة.
وعلى المستوى العملي أعتبر الغامدي أن يوم التأسيس، يعزز ثقة المواطن في مستقبل بلاده، ويربط الحاضر بالماضِ. فحين نستمع إلى قصة التأسيس في خطاب وطني حديث، يصبح معنى الانتماء أكثر نضجاً ووعياً ومطمئنّ إلى قدرة الدولة على التجدد، ومشارك في بناء المستقبل ضمن رؤية واضحة. ومن هنا، فإن يوم التأسيس للمواطن السعودي هو مناسبة لتعميق الاعتزاز، وتثبيت الهوية، وتأكيد أن الوطن ليس لحظة نجاح راهنة فحسب، بل سيرة طويلة من البناء والإرادة.
وعن مدلولات محافظة المملكة على إرث يوم التأسيس قالت الغامدي عبر مسارين متلازمين هما الاستمرارية السياسية والتحديث المؤسسي، ويتجلى حفظ الإرث في استمرار الدولة ككيان قادر على إدارة التحولات الكبرى من اقتصاد تقليدي إلى دولة تنموية تضع الإنسان محوراً للاستثمار والتطوير. من تعزيز الوحدة الوطنية، خدمة الحرمين الشريفين، حماية المجتمع وبناء دولة ذات حضور إقليمي ودولي، كما يظهر ذلك في العناية بالهوية الثقافية بمفهومها الواسع: توثيق التاريخ، إحياء التراث العمراني، دعم الفنون والحرف، وتعزيز مكانة اللغة العربية، والاحتفاء بالتنوع المناطقي بوصفه ثراءً وطنيًا. هذه الجهود تُعيد إنتاج الإرث بصورة معاصرة حيث توازن بين الأصالة والتحديث، ما يعني أن المملكة دولة ذات جذور مؤسسية ممتدة، قادرة على الاستقرار في محيط متغير، وأن مشروعها الوطني يمتلك ذاكرة سياسية وخبرة تراكمية. واجتماعيًا، يدل على أن المجتمع السعودي لم ينفصل عن ماضيه، بل يقرأه ويتكئ عليه وهو يتقدم؛ فتزداد الثقة بين المواطن والدولة، ويترسخ الشعور بأن ما تحقق اليوم هو امتداد لجهد طويل لا يبدأ من الصفر.
إضافة إلى أن المملكة تملك هوية ثابتة لا تُقصي الاختلافات المحلية، بل تحتويها وتوظفها لتعزيز الانتماء. وهذا مهم في دولة واسعة المساحة متعددة البيئات والثقافات المحلية. باختصار، حفظ إرث التأسيس ليس عملاً احتفاليًا، بل هو إدارة واعية للتاريخ بوصفه عنصر قوة ناعمة ومصدر تماسك وطني واستراتيجية لاستدامة الاستقرار.
وعن دلالات اعتماد يوم التأسيس كمناسبة وطنية للمملكة، أشارت الغامدي إلى أن يحمل دلالات تتجاوز التقويم والاحتفال إلى بناء الوعي الوطني وصياغة سردية تاريخية أكثر اكتمالًا. فهو يوسع الإطار الزمني للتاريخ الوطني، ويؤكد أن المملكة لم تبدأ من لحظة التوحيد فقط، بل سبقتها مرحلة تأسيس دولة وضعت مبكرًا قواعد الحكم والاستقرار في الجزيرة العربية. هذه الدلالة تعيد الاعتبار لعمق الدولة" وتمنح الهوية الوطنية جذورًا أقدم، وهو ما يعزز الثقة في الاستمرار، كما أن اعتماد يوم التأسيس يُقدّم رسالة واضحة بأن التاريخ الوطني ليس صفحة واحدة، بل مسار طويل من البناء والتحديات والتحولات. وهذه الرسالة مهمة للأجيال الجديدة؛ لأنها تضع أمامهم نموذجًا في الصبر السياسي والتدرج المؤسسي، وتؤكد أن النهضة المعاصرة امتدادٌ لتراكم تاريخي تشهد عليه الأحداث.
ومن الدلالات أيضًا ترسيخ مفهوم "الوحدة"، فالتأسيس يرتبط بمرحلة تاريخية شهدت تشكل مجتمع الدولة الأولى ضمن بيئات متعددة وثقافات محلية مختلفة. وعندما تُحتفى هذه المرحلة اليوم، فإن ذلك يُعد اعترافًا رسميًا بأن تنوع المناطق والعادات جزء أصيل من الهوية السعودية، وليس هامشًا. لذا نرى يوم التأسيس يحمل طابعًا ثقافيًا واسعًا يفتح المجال للاحتفاء بالموروث الشعبي واللباس والفنون والحرف، بما يعزز الانتماء عبر بوابة الثقافة.
وعلى المستوى السياسي، اعتماد يوم التأسيس يعمق شرعية الدولة بوصفها دولة ممتدة، ويؤكد أن الاستقرار الذي تعيشه المملكة اليوم له جذور تاريخية وخبرة تراكمية في إدارة الحكم وبناء المؤسسات. وهو كذلك يرسّخ صورة المملكة كدولة تعرف تاريخها وتستثمره في بناء حاضرها؛ فالدول التي تُحسن قراءة تاريخها تُحسن غالبًا إدارة مستقبلها، أما على المستوى التنموي، فهذه المناسبة تعمل ك"قوة ناعمة" داخلية: تعزز الولاء والانتماء، وتدعم الاستقرار الاجتماعي، وتخلق مساحة مشتركة للاعتزاز الوطني بعيدًا عن الاستقطاب أو الانقسام. كما تمثل فرصة لتفعيل السياحة الثقافية والاقتصاد الإبداعي عبر الفعاليات والمعارض والمنتجات التراثية، بما يربط الهوية بالتنمية.
باختصار، اعتماد يوم التأسيس مناسبة وطنية هو قرار ذو دلالات الهوية والتاريخ وكذلك سياسية وتنموية: يوسّع الذاكرة الوطنية، ويعمّق الانتماء، ويعيد تقديم قصة المملكة باعتبارها قصة بناء دولة متصلة عبر ثلاثة قرون.
وعن كيفية استمرار المشروع العظيم وتجاوزه التحديات قالت الغامدي" الدولة السعودية الأولى وضعت البنية الأساسية لفكرة الحكم في وسط الجزيرة العربية: مركز قرار، ونظام أمن، وإدارة شؤون الناس، وبناء علاقة بين المجتمع والسلطة على أساس الاستقرار. ومع تعاقب المراحل، واجه هذا الأمر تحديات قاسية، لكنه احتفظ بجوهره: إعادة بناء الدولة كلما تعرضت للاهتزاز، واستعادة مقوماتها الأساسية بوعي تاريخي وإرادة سياسية.
تجاوزت التحديات عبر عاملين حاسمين: المرونة في إعادة التأسيس والقدرة على توحيد المجال الجغرافي والاجتماعي. فالمرحلة الانتقالية بين الدول السعودية لم تكن مجرد انهيار ثم عودة، بل كانت تراكم خبرات في الحكم والإدارة وبناء التحالفات وقراءة الواقع القبلي والاقتصادي. هذه الخبرة التراكمية هي التي مهّدت لاحقًا لمرحلة الملك عبدالعزيز، حيث جاء التوحيد بوصفه ذروة نضج سياسي وليست مغامرة عابرة.
وعندما بدأ الملك عبدالعزيز مشروع التوحيد، استند إلى عناصر قوة واضحة: فهم عميق للجغرافيا والمجتمع، قدرة على إدارة التحالفات، حسم في القرار عند الحاجة، وفي الوقت ذاته بناء مؤسسات دولة قادرة على الاستمرار بعد اكتمال الوحدة. فالنجاح لم يكن في توحيد المناطق فقط، بل في تحويل الوحدة إلى دولة قابلة للحياة: إدارة، أمن، قضاء، موارد، ثم لاحقًا تحديث شامل مع اكتشاف النفط وبناء الاقتصاد.
وقالت استمر المشروع لأنه تعامل مع التحديات بوصفها "اختبار دولة" وليس "أزمة". فالتحديات العسكرية والأمنية تم التعامل معها بمنطق توحيد السلطة وفرض الاستقرار، والتحديات الاجتماعية عولجت عبر بناء هوية جامعة تتسع للمناطق المختلفة، أما التحديات الاقتصادية فتم تجاوزها عبر تطوير الموارد ثم تنويعها لاحقًا. ومع مرور الزمن، تطورت الدولة السعودية من مشروع توحيد إلى مشروع تنمية شامل، مع الحفاظ على المرجعية التاريخية للهوية.
في الاتجاه ذاته قال حماد سعيد القشانين، أخصائي استراتيجيات الاتصال المؤسسي ومحلل تلفزيوني وإذاعي" إذا أردت أن تعرف حاضرَ أمةٍ ما فاسأل عن ماضيها؛ وعلى هذا النهج نفهم رؤيتنا اليوم. ففي 22 فبراير 1727 تولّى الإمام محمد بن سعود إمارة الدرعية، فوحّد شطريها بعد تنازعٍ طال، ورسم ملامح حكمٍ يقوم على النظام لا الارتجال؛ فثبّت الأمن داخلها، وأحكم حماية طرق التجارة والعبور، ونظّم الموارد والجباية بما يضمن استدامة العيش، وبنى حولها تحالفاتٍ تُطفئ الخصومات وتجمع الكلمة. ولم تكن الدرعية عنده مجرد بلدةٍ عامرة، بل فكرة دولة: عاصمة تُدار منها الشؤون، وقوةٌ تحفظ الحقوق، ورايةٌ يُطمأن تحتها الناس.
وأضاف، ثم جاء الإمام عبدالعزيز بن محمد، فانتقل بالمشروع من التأسيس إلى التمكين؛ فوطّد الإدارة، ووسّع النفوذ، وعزّز حضور الدولة في محيطٍ كان مألوفًا فيه التشتّت وتبدّل الولاءات. ومع اتساع الرقعة، اتسعت معها مسؤوليات الحماية والعدل، فغدت هيبة الدولة عنوانًا لأمن الطريق واستقرار السوق، ومظلةً لانسياب الحركة بين القرى والحواضر. وحين تتقدّم الدول، لا يكون الاتساع مجرّد مساحة، بل قدرة على تحويل الاستقرار إلى عادةٍ يومية، وتحويل الطمأنينة إلى مناخٍ يُنبت العلم والتجارة والعمران.
ومن التأسيس إلى التوحيد على يد الملك عبدالعزيز، استمر المشروع العظيم رغم ما يعتري مسارات الأمم من عواصف وانقطاعات وتحديات. فقد واجهت الجزيرة العربية مراحل من الاضطراب وتنازع القوى ووعورة الجغرافيا وشحّ الموارد، غير أن الإرادة التي تُحسن قراءة الواقع تُحسن أيضًا صناعة الفرصة. جاء الملك عبدالعزيز ليُعيد جمع الشتات، ويستأنف الفكرة الكبرى: دولة واحدة لا تتنازعها العصبيات، ولا تُبددها الولاءات الصغيرة. بدأ بخطوة جريئة تعيد العاصمة إلى قلب القرار، ثم مضى في توحيد المناطق وتثبيت الأمن، حتى تحولت الوحدة من حلمٍ إلى واقع، ومن شعارٍ إلى مؤسسات. تجاوز التحديات بالصبر والحكمة، وبناء الثقة مع المجتمع، وترسيخ العدل، وفتح أبواب التنظيم والإدارة، وتأسيس مقومات الدولة الحديثة التي تحمي الحدود وتدير الموارد وتنسّق العلاقات وتؤمّن حياة الناس.
وقال: واليوم تتجدد تلك الروح في رؤية السعودية 2030 بثلاث ركائز مترابطة: مجتمع حيوي تُصان فيه جودة الحياة وتزدهر فيه الثقافة والرياضة، واقتصاد مزدهر يُبنى على تنويع الدخل وتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار وتوليد الوظائف، ووطن طموح تُحكمه الكفاءة والشفافية والمساءلة. ولذلك تحولت الركائز إلى عملٍ يومي عبر برامج التحول الوطني وجودة الحياة، وتطوير البنية التحتية الرقمية، ورفع كفاءة الإنفاق، وتوسيع الفرص للشباب، حتى غدت المؤشرات تُقاس وتُعلن ويُسابق عليها في الميدان.
وفي تفاصيل التنفيذ نرى كيف يُترجم الماضي إلى حاضر: مدنٌ تُفتح على الترفيه والمعرفة، وقطاعاتٌ جديدة تنمو في السياحة والخدمات اللوجستية والصناعة، واقتصادٌ رقميّ يختصر المسافات، وإصلاحاتٌ تشريعية وإدارية تُسهّل الاستثمار وتُعظّم الأثر. وكما جعل المؤسسون الاستقرار أساسًا لكل نمو، تجعل الرؤية الحوكمة والانضباط المالي وقوة المؤسسات أساسًا لكل إنجاز. ولكل مواطن دور.
وختم حماد حديثه ل"الرياض"، إن يوم التأسيس ليس مناسبة وطنية فحسب، بل تذكيرٌ بأن البناء يبدأ من فكرةٍ واضحة وإرادةٍ صلبة، وبأن مسيرة ثلاثة قرون لا تُستعاد بالاحتفال وحده، بل باستكمالها: عملًا يُتقن، ووطنًا ينهض، وطموحًا يليق بتاريخٍ صنع الأمن ووحّد الكلمة؛ في بناء قوّةٍ عظمى بثِقَلٍ عالميٍّ منقطع النظير، نعيش في كنفها كل ذكرى للتأسيس، وهي من ازدهارٍ إلى ازدهار، نتيجة (سير الأحفاد على نهج الأجداد).
شادية سعد الغامدي
د. علي الحازمي
حماد القشانين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.