في رواية «الرجل الذي كان يحب الكلاب» تتعدد الشخصيات وتتكاثر الأسماء بين صفحة وأخرى حتى يُصبح تذكرها صعبًا بعض الأوقات. ولعل هذه الصعوبة بسبب حياة الجواسيس التي تسيطر على الرواية، فيضطر معها الأشخاص لتغيير أسمائهم وأماكنهم، ونضطر معهم كقراء أن نبني هذه الشخصية مجددًا في خيالنا بخيارها الاستخباراتي الجديد باسمه، وهويته، ومكانه، وأهدافه. من بين الشخصيات الثلاث في هذه الرواية قد يكون «إيبان» مُتخيلًا؛ لكنه يُقنع القارئ بشخصيته التي تتراوح بين البلادة والجرأة، بلادة الخوف الذي يلازم حياته وإحباطاتها، والجرأة التي يُمليها عليه فضول الكتابة التي مارسها وبها حكى هذه القصة. بينما الشخصيتان الأخريان في الرواية كانتا شخصيتين حقيقيتين، يذكرهما التاريخ، ولهما دورهما السياسي والتاريخي في مرحلة ما من هذه الحياة الشاسعة. لهذا ندرك أن الرواية تتقاطع كثيرًا بين الحقيقي والمتخيل، وتُسرد فيها الأحداث ليس فقط من وجهة نظر التاريخ، بل من وجهة نظر الكاتب الذي يُلبسهما ذلك الثوب أو ينزعه حسب ضرورة السياق وحسبما يراه هو. يكاد ينحصر المكان في رواية «كل أزرق السماء» في جهة واحدة من فرنسا، جهة تتنوع فيها البيئات ويتغير معها المناخ مع مرور أشهر العام الذي كان قصيرًا في رحلة الحياة المتبقية ل«إميل». نتنقل مع بطلي الحكاية من بلدة لأخرى بتفاصيلها التي نراها في البنيان والحقول والجبال والغابات الشاسعة، ونستشعر البرد العاصف والدفء الحميم وهو يتسلل مع نسائم الصيف، أو محاولات الشمس الخجولة في الشتاء أن تؤثر في ندف الثلج الذي يجعل من رهبة الموت أشنع. نلتقي بأشخاص غرباء معهما نُداري كذبة الإصرار على الحياة ونحن نسير معهما جنبًا إلى جنب في رحلة حول الموت. كل تفاصيل المكان حميمية ومحدودة بين أشخاص يتحدثون نفس اللغة ويعرفون ذات الاتجاهات. فهي وإن كانت أماكن حقيقية نستطيع زيارتها - أو قد زرناها مسبقًا - إلا أن هذين البطلين اللذين مرا بها -ونحن معهما- ليسا إلا خيالًا من مخيلة الكاتبة كما يُفترض. في رواية «الرجل الذي كان يحب الكلاب» نحن مع رحلة شاسعة نتنقل فيها بين بلدان كثيرة، نبدأ من قارة وننتهي في قارة، نمر بعواصف سيبيريا، ونسائم السواحل التركية والإسبانية، وجليد الشمال الأوروبي، ورطوبة القارة الأمريكية الجنوبية. تُنقل لنا مشاهد حية من معارك حقيقية نشم فيها رائحة الدم والبارود، ومعالم تاريخية لم تزَل قائمة شواهد على أشخاص غيروا مجرى التاريخ السياسي للعالم، ونشاهد قوارب الهرب من الجوع والحرب تتكدس فيها الأجساد نحو خلاص محتمل، ونسير مع هتافات الثورات التي تأكل بعضها في شوارع تقاتل لأجل فكرة آمنت بها. سنتعرف على أسماء قادة، وساسة، ومسميات لأحزاب وأنظمة، وأحزاب أخرى انشقت من تلك الأولى، وعلى أساليب تجنيد المخبرين والجواسيس. نحن مع هذه الرواية سنجرب جانبًا كبيرًا من التاريخ الذي كان واقعًا معاشًا في يوم ما، وسنجد الأسماء التي رافقت هذا التاريخ، والأماكن التي عبرتها، سنجدها لم تزَل في مواقعها على الأرض، أو بين صفحات كتب ومذكرات التاريخ والأشخاص، ونفهم كيف صار العالم بهذا الشكل اليوم وهو وليد تلك الأزمنة المملوءة بالحرب والتآمر وصراع السلطة والبحث عبثًا عن حرية الحياة والمصير. إن أجمل القراءات تلك التي تُحيلك للتفكير فيها بعد الانتهاء منها، فتعود لقراءة أجزاء منسية من التاريخ، أو تحاول اكتشاف أماكن لم تسمع بها من قبل، أو بأقل درجة، أن تجعلك تفكر في تفاصيلها وأحداثها وشخوصها وتحملهم معك لأيام. وهذا شأن كثير من الروايات العظيمة - لا يمكن حصرها هنا الآن - التي تفتح الباب للتأمل والبحث والقراءة في كتب أخرى تُفصِّل أكثر في أمور وردت في ثنايا صفحاتها. يقول هنري ميللر: «قد لا نطَّلع على كل تاريخ العالم، ولكن من خلال رواية يُمكن أن نعرف تاريخ مكان ما، تاريخ وأماكن وأحداث وشخوص حقيقية ومتخيلة لم يخطر ببالنا يومًا أننا سنعلم عنهم». الرحلة - لن أسميها القراءة - في عالم الرواية، ومنها رواية «كل أزرق السماء» و«الرجل الذي كان يحب الكلاب» رحلة تستحق العناء إن وُجد، ومجازفة تستهوي من يعشق اكتشاف العوالم المتقاطعة في روايات من أزمنة وأماكن مختلفة.