يُعد الروائي بول أوستر المولود عام 1947 في نيوجيرسي أحد أبرز الروائيين الأميركيين المعاصرين، وربما كان السبب وراء ذلك هو قدرته على كتابة الرواية بتداخل الواقعي مع الفنتازي مع البوليسي، مختلطاً بحضوره الشخصي، وبما يعطي أعماله مذاقاً ونكهة لافتين، ويجعل من كتاباته نموذجاً دالاً على التطور الفني الذي وصلت إليه الرواية الحديثة، بصفتها النوع الأدبي الأكثر حضوراً على مائدة القراءة لدى مختلف شرائح وفئات الجمهور، في شتى بقاع الأرض. بول أوستر صاحب"ثلاثية نيويورك"الذي اشتغل بالشعر في بداية حياته، قبل أن يكتشف موهبته الروائية، مسكون بكتابة رواية عالية التقنية، تقدم أوجه الحياة في المجتمع الأميركي عموماً، والمجتمع النيويوركي خصوصاً. وهو في أعماله إنما يقدم الإنسان الأميركي منشغلاً ومطحوناً بتفاصيل هاجس الحياة، بمقدار انشغاله وتعلقه بحياة الهواجس. يقول بول أوستر:"لم تعد الكتابة بالنسبة إلي فعل حرية، بل هي فعل بقاء". وفي جانب من سيرته الشخصية يذكر:"أن تكون كاتباً ليس اختياراً لمستقبل وظيفي كأن تكون طبيباً أو شرطياً، أنت لا تختار بمقدار ما يقع الاختيار عليك. ولحظة توافق على حقيقة أنك لا تصلح لأي شيء آخر غير الكتابة، لحظتها عليك أن تستعد للسير على طريق طويل وصعب لبقية أيام حياتك". رواية"ليلة التنبؤ"-Oracle Night ، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، ضمن سلسلة إبداعات عالمية، العدد 370، من ترجمة وتقديم محمد هاشم عبدالسلام، ومراجعة محمود عضبان رزوقي، تقدم باقتدار ساحر تقنية كتابة الرواية داخل الرواية. فهي تحكي بصيغة ضمير المتكلم، قصة كاتب روائي"سدني أور"، يعيش فترة التعافي من مرض أصابه، وهو بحكم صداقته لمؤلف روائي مشهور"جون تروس"، على صداقة عائلية قديمة بزوجته، ينطلق باندفاع محموم لكتابة رواية جديدة مستنداً الى حادثة صغيرة وردت في رواية نقلها له صديقه جون، ويبدأ بصوغ روايته المتخيلة، بينما يعيش هو حياته مع زوجته"جريس"في شكل روائي. سدني أور أثناء كتابته لروايته المتخيلة في دفتره الجديد، يصنع أبطاله، وحياتهم، بما يتشابه وأبطال الحياة الحقيقية التي يحيا. وهنا يجد القارئ نفسه متورطاً في كتابة الرواية مع المؤلف سدني من جهة، ومعايشة الحياة التي يعيشها من جهة ثانية. مع ملاحظة أن حوادث الروايتين متداخلة وحميمة وصادمة وتحمل من تفاصيل الحياة الحقيقية الشيء الكثير، بما لا يدع مجالاً لفصل الواقعي عن المتخيل، بما يضيف إلى متعة قراءة الرواية بعداً آخر، كونها متعة فنية ذات قيمة معرفية. وربما تعد هذه من أهم الصفات التي تتحلى بها أعمال أوستر، كونها تقدم المعرفة الفنية الممتعة، عبر الرواية، متضمنة موقفاً ومعرفةً حياتية وفلسفية، وبما يعزز من ارتباط الإنسان بالفن، كما يعزز من ارتباطه بالحياة. بول أوستر، ومن خلال سياق الرواية، يضع بين يدي القارئ الخيوط الرئيسة لفن كتابة الرواية، فهو يكشف أسرار صناعة الكاتب لأبطال عمله مستعيناً بشخوص الواقع الذي يحيا، وهو إذ يختار شخوصه، فإنما يحملها رؤاه وقناعاته، ويصنع لها حياتها الخاصة، مستعيناً بمعرفته بالحيوات التي تحيا بقربه. ثم يتداخل الفن مع الحياة، لحظة يضع بول أوستر على ألسنة أبطاله المتخيلين اللاحقيقيين كلاماً حقيقياً، خبره هو أو قرأه أو سمعه، كما يزج بهم للعيش في أماكن حقيقية، وبما يلغي المسافة الفاصلة بين حوادث الحياة الحقيقية، وأحداث حياة الرواية كفن قائم بذاته. ويدعم ذلك برواية تفاصيل كثيرة في هامش يشكل إضافة مهمة للعمل. إن سعي بول أوستر الدائم لتأصيل فكرة تداخل الواقع مع الفن، إنما يتجلى في رواية"ليلة التنبؤ"كأوضح ما يكون، من خلال تداخل ثلاث روايات في آنٍ واحد، وهي : أولاً رواية الراوي سدني أور وزوجته وحياتهما الزوجية، وفيما بين الزوجة وجون تروس وولده جاكوب، وعلاقة سدني بالسيد"تشانج"صاحب متجر قصر الورق. ثانياً الرواية التي يتخيلها ويكتبها سدني أور عن حياة نيك بوين المتشعبة مع زوجته إيفا ومع سائق التاكسي إد فيكتوري، التي تنتهي به مسجوناً في ملجأ نووي تحت الأرض. ثالثاً رواية مخطوطة بعنوان"ليلة التنبؤ"لكاتبة ميتة هي سيلفيا ماكسويل، وعلاقة حفيدتها روزا ليتمان بنيك بوين. وكم يبدو التداخل والتشابك دالاً بين حياة أبطال الأعمال الثلاثة؟ وعلى وجه الخصوص، الفصل الذي يحكي من خلاله سدني عن حياة وعلاقة زوجته جريس مع الروائي جون. وكل ذلك يأتي مسخراً للكشف عن تفاصيل وتعقيدات الحياة الأميركية الراهنة في مدينة نيويورك وضواحيها. ربما يشكل الزمن، بالنسبة لكتابة الرواية الحديثة، العنصر الأكثر أهمية وصعوبة، سواء كان الزمن اللحظي للعمل، أو الزمن الممتد عبر التذكر أو الاسترجاع، بما يسمى بالفلاش باك. واستطاع أوستر أن يضفر زمن رواية"ليلة التنبؤ"في شكل محكم، ويوزعه بين الأوقات المحسوبة التي يعيشها بطل العمل سدني أور في حياته الواقعية، وبين أزمان الرواية التي يكتبها، وبين أزمان سابقة لحياة عاشتها زوجته، في الواقع أو كما تخيلها هو. إن اللغة تملك قدرة على تشييد العالم بواسطة الكلمات. لكن اللغة في الأعمال الروائية المبدعة تترك وراءها شيئاً ما مخبأ لا يمكن تسميته لكن يمكن الشعور به. بول أوستر يقدم من خلال أعماله عالماً مكتملاً بحضوره الفني الممتع، لكنه يحتوي على شيء ما مخبأ، شيء نشعر به من دون أن نعرفه، وربما هذا ما يجعلنا نتعلق بتلك الأعمال ونعود لقراءتها بين آن وآخر.