«طبيب جراح قلوب الناس أداويها»... هي كلمات من أغنية معروفة للفنان جورج وسوف. دندنتُ معها بصوتي القبيح، والذي لا أظنه أقبح مما فعله الحليف المطرود عبر أدواته في عدن. ولا أعرف لماذا، لكن هذه الأغنية تحديدًا لا تذكرني بقلبٍ مكسور ولا بحكاية حب، بل بمدينةٍ كاملة اسمها عدن. كلما سمعتها، أتذكر طبيب المدن السعودي، الذي لا يعالج الأجساد بل يعالج المدن. وضع يده على موضع الألم مباشرة، دون سماعة ولا تحاليل. أدرك أن الأنين ليس من الرئة ولا من المعدة، بل من قلبٍ موجوع خدميًا، أنهكته عشر سنوات من ممارسات سياسية لم تُجِد سوى رفع الشعارات وترك الجراح مفتوحة. كانت عدن تصرخ: أنا مريضة. فكثُر من حولها المتحدثون وقلّ المعالجون. لا لفحص النبض، بل لفحص الجيوب تحت شعارات الجنوب. ولا قياس حقيقي للضغط، بل ممارسة ضغط وابتزاز سياسي على وجع المدينة، كأن الألم ملف تفاوض، وكأن الوجع ورقة يمكن عصرها حتى آخر قطرة صبر. جرّعت المدينة القهر طويلًا، وحين بلغ الإنهاك منتهاه، اختفى من كانوا في الواجهة إلى وجهات معروفة لا تحتاج إلى كثير من التخمين. عدن، في تلك المرحلة، لم تكن وطنًا في نظرهم، بل مرحلة انتقالية، ومجرد جسر عبور لتحقيق أهداف مؤقتة. وبعد اختفاء قائد اللصوص، الهارب على قارب، تضاربت الروايات بين واقعٍ معروف وحكاياتٍ أُلبست ثوب الأسطرة السياسية. أنصاره لم يقولوا صراحة إنه هرب، بل قالوا تلميحًا – وهو في حقيقته إقرار – إنه عُرِج به، أو إن أبوظبي رفعته إليها. ومنذ ذلك اليوم، بات ذكره يتم بالصيغة نفسها، فكلما ذُكر اسمه قالوا، بلهجة واحدة وبخشوع سياسي لافت: أبانا الذي في الإمارات. هكذا تحوّل الغياب إلى خطاب، وتحوّلت المدينة إلى ساحة هتاف، ثم أُعيدت إلى الهامش بعد انتهاء المسيرة. وفي هذا الموضع تحديدًا، يبرز الفرق بين الأمس واليوم. ففي الأمس، كانت الإمارات تمدّ أدواتها في عدن بالسلاح، توسّع دائرة الفوضى وتُطيل زمن النزيف. أما اليوم، فقد جاءت السعودية لا لتسلّح أحدًا، بل لتُنعش مدينة، فمدّت عدن ب«فلاح»؛ فلاحٍ أعاد للمدينة معنى النبض قبل أن يعيد لها الضوء. ولم يتوقف العلاج عند حدود الرمزية، بل امتد إلى جوهر الأزمة. فقد ضُخّ الدم في شرايين المدينة عبر دعم الكهرباء والخدمات، وضُخّ المال في خزينة الدولة، فعادت الرواتب تُصرف، واستعاد البنك المركزي دوره، واستعادت العملة شيئًا من روح الاستقرار بعد إنهاك طويل. كان ذلك أشبه بعملية إنعاش كاملة، أعادت للقلب انتظامه، وللجسد توازنه. وهنا لا أتحدث عن سياسة بقدر ما أتحدث عن ممارسة. عن طبيبٍ قرر أن يبدأ من التشخيص ثم العلاج دون ضجيج، وعن دولة وضعت يدها على موضع الألم وبدأت بضخّ الدم، وفصلت التيار السياسي الذي أرهق المدينة أكثر مما خدمها. واليوم، مع عودة الرواتب ومحاولات استقرار العملة، بدأت عدن تستعيد شيئًا بسيطًا لكنه ثمين: الإحساس بالحياة. وأكتب هذا المقال لا لأنني من عدن، بل لأنني رأيت في وجوه أهلها ابتسامات رضى، حُرموا من الابتسامات، وكأن الفرح آنذاك أُدرج قسرًا ضمن قائمة الممنوعات، طوال عشرٍ عجاف. أنا من أبناء تهامة الساحل، وفرحي لعدن كان فرح الأخ لأخيه. فالمدن لا تتعافى فرادى، والوجع حين يُخفف عن مدينة يُخفف عن الوطن كله. ومع هذا الفرح، تمنّيت أن تتجلّى التجربة نفسها في ساحلنا المحرر، المتضوّر جوعًا، رغم أنه يطل على أحد أهم وأغنى الشواطئ في العالم. ساحلٌ يسكن أبناؤه بيوتًا من القش، على بحرٍ لا يملكون منه إلا شريطًا من الذكريات المؤلمة وفقرًا مدقعًا. وأضيف هنا، من باب الذاكرة لا الشكوى، أننا كسكان لتهامة اليمن، طيلة ثلاثين عامًا مضت، كنا نطالب صُنّاع القرار في الدولة السابقة بأن يُطلق اسم أحد رموز تهامة على منشأة حكومية أو شارع من شوارعنا. ثلاثة عقود من الطلب، ولم نجد سوى الصمت. وأختم هذا المقال كما بدأته. فكما دندنتُ مع جورج وسوف بصوتي القبيح، دندنتُ بالصوت نفسه مع عبد الحليم حافظ: «اللي شبكنا يخلصنا». دندنة لا بحثًا عن طرب، بل عن مخلّص. مخلّصٍ لأهل الحديدة من اتفاقية ستوكهولم، التي أعاقت تحرير...