مع اجتياح جائحة كورونا (كوفيد-19) العالم في مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، عادت الأوبئة الكبرى لتفرض نفسها على الوعي الإنساني، وتعيد طرح أسئلة قديمة حول هشاشة المجتمعات وحدود التقدم، وقدرة الدول على إدارة الأزمات الصحية غير المتوقعة. وقد أظهرت الجائحة أن تأثير الأوبئة لا يقتصر على الجانب الصحي، بل يمتد ليطال أنماط الحياة، والتعليم، والاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية، ويختبر في الوقت ذاته تماسك المجتمعات وفاعلية القيادة في لحظات الخطر. هذه التجربة المعاصرة أعادت إلى الأذهان أوبئة تاريخية كبرى شكّلت منعطفات حاسمة في مسار الحضارات، وفي مقدمتها طاعون أثينا. وفي القرن الخامس قبل الميلاد، كانت أثينا إحدى أعظم مدن العالم القديم، ومركزًا للفلسفة والديمقراطية والفنون، وقوة سياسية وعسكرية بارزة في حوض البحر المتوسط، وقد عُرفت المدينة بتنظيمها الإداري ونزعتها العقلانية، إلا أن هذا التفوق لم يحصّنها من مواجهة وباء مدمّر ظهر خلال الحرب البيلوبونيسية بينها وبين إسبرطة، وتحديدًا بين عامي 430 و426 قبل الميلاد. ففي ظل التهديد العسكري، لجأ القائد الأثيني بريكليس إلى سحب سكان المناطق الريفية إلى داخل أسوار المدينة حمايةً لهم، ما أدى إلى ازدحام شديد في مساحة محدودة تفتقر إلى بنية صحية كافية، وهي ظروف ساعدت على انتشار المرض على نطاق واسع، ويُرجّح أن الوباء دخل أثينا عبر ميناء بيريه، بوابة المدينة البحرية ومركز تجارتها. والمصدر الرئيس لما نعرفه عن طاعون أثينا هو المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس، الذي وثّق الحدث بوصفه شاهد عيان، بعد أن أُصيب بالمرض وتعافى منه. وقد قدّم وصفًا دقيقًا للأعراض شملت الحمى المرتفعة، والصداع الشديد، والتهابات الحلق والعينين، والإسهال الحاد، والعطش المفرط. وأشار إلى أن كثيرًا من المصابين كانوا يفقدون حياتهم خلال أيام قليلة، في حين يعاني الناجون من آثار صحية طويلة الأمد، ورغم دقة هذه الأوصاف، لا يزال الجدل قائمًا بين الباحثين حول طبيعة المرض، فبعض الدراسات ترجّح أنه كان التيفوس الوبائي، فيما يرى آخرون أنه التيفوئيد أو الجدري أو الحصبة، غير أن ما يتفق عليه المؤرخون هو أن الطاعون كان شديد الفتك، إذ تشير التقديرات إلى أنه قضى على ربع أو حتى ثلث سكان أثينا خلال فترة قصيرة. ولم تكن الخسائر البشرية سوى جانب واحد من آثار الطاعون، إذ ضرب الوباء المجتمع الأثيني في عمقه، وأدى إلى اضطراب القيم الاجتماعية وتفكك الروابط الأسرية، وتراجع الالتزام بالقوانين، واختفاء الطقوس الجنائزية التقليدية بسبب كثرة الموتى. كما اهتزت الثقة بالمعتقدات الدينية لدى هؤلاء القوم، بعدما عجزت الصلوات والقرابين عن وقف انتشار المرض، ما خلق حالة من الاضطراب النفسي والاجتماعي تشبه، في بعض جوانبها، ما شهدته مجتمعات معاصرة خلال جائحة كورونا. وقد شكّل الطاعون ضربة قاسية لأثينا في الجانب السياسي والأمني، إذ توفي القائد بريكليس، الشخصية التي كانت تمسك بتوازن المدينة السياسي والعسكري. وأدى غيابه إلى فراغ قيادي وصراعات داخلية، في وقت كانت فيه أثينا تخوض حربًا طويلة استنزفت مواردها البشرية والاقتصادية. ومع تراجع أعداد الجنود والبحّارة، بدأت موازين القوى تميل تدريجيًا ضدها، حتى انتهت الحرب بهزيمة أثينا أمام إسبرطة عام 404 قبل الميلاد. وفي العصر الحديث، عاد الاهتمام بطاعون أثينا من منظور علمي، سعيًا إلى تشخيص طبيعة المرض الذي أصاب المدينة القديمة. ففي عام 1999، خصصت جامعة ميريلاند الأمريكية مؤتمرها الطبي السنوي لدراسة هذا الوباء، وخلص عدد من الباحثين إلى أن التيفوس الوبائي هو التفسير الأقرب، نظرًا لانتشاره في ظروف الحرب والازدحام، ونسب الوفيات المرتفعة المصاحبة له. وفي عام 2005، أثارت دراسة أخرى جدلًا علميًا بعد العثور على آثار لبكتيريا مرتبطة بحمى التيفوئيد في بقايا بشرية قديمة، إلا أن هذه النتائج قوبلت بتحفظات تتعلق بالمنهجية واحتمالات التلوث، ما أبقى الجدل العلمي مفتوحًا حتى اليوم. وفي ختام هذا المقال، يظل طاعون أثينا، كما جائحة كورونا في عصرنا الحديث، تذكيرًا واضحًا بأن الإنسان، مهما بلغ من العلم والتقدم والتنظيم، يبقى كائنًا محدود القدرة أمام سنن الله الكونية، وفي ذلك تذكير بأن نعمة العافية من أعظم النعم التي قد لا يُدرك الإنسان قيمتها إلا عند فقدانها.. دمتم سالمين.