في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، وتتشابك فيه النوايا، ويغدو القول أحيانًا وسيلة للظهور لا للتعبير، والعمل سُلمًا للمصلحة لا للقيم، يظل الإخلاص لله في القول والعمل قيمة مركزية لا تستقيم الحياة الفردية ولا الجماعية إلا بها؛ فالإخلاص ليس خلقًا تعبديًا محضًا يقتصر على الشعائر؛ بل هو منهج حياة وميزان دقيق يزن به الإنسان كلماته وأفعاله ومواقفه ظاهرها وباطنها. الإخلاص لله يعني أن يتحرر الإنسان من أسر النظرة إلى الخلق، ومن هاجس التصفيق أو الخوف من النقد، وأن يجعل غايته الأولى رضا الله لا رضا الناس حتى إن اجتمع الرضا في الحالتين، ولعل أخطر ما يواجه الإخلاص اليوم هو هذا التداخل الخفي بين النية الصادقة والرغبة في القبول الاجتماعي، حيث يختلط الحق بالذات ويغدو العمل الصالح أحيانًا مشوبًا بحب الظهور دون أن يشعر صاحبه بذلك. في القول يتجلى الإخلاص حين تكون الكلمة صادقة، مسؤولة لا تقال طلبًا للشهرة ولا مداهنة للنفوذ ولا تستخدم ستارًا لتصفية الحسابات أو تسويقًا للذات، الكلمة المخلصة هي التي تقال؛ لأن الحق يستحق أن يقال لا لأن الوقت مناسب أو الجمهور متحمس أو المنصة متاحة، ولهذا كان الصمت أحيانًا أصدق من كلامٍ فقد إخلاصه وكلمة الحق عند الحاجة عبادة مهما كلفت صاحبها من ثمن. والعمل والإخلاص هو أن يؤدي الإنسان واجبه بإتقان سواء رآه الناس أم لم يروه مدحوه أم تجاهلوه هو أن ينجز عمله لأن الله يحب الإتقان لا لأن هناك كاميرا ترصد أو تقريرًا يرفع أو منصبًا ينتظر الكثير من الأعمال العظيمة بدأت في الخفاء، واستمرت في الصمت لكنها تركت أثرًا عميقًا لأنها خرجت من قلوب مخلصة لم تبحث عن الأضواء. والكثير منا يظن أن الانسحاب من الحياة والزهد في التأثير هو إخلاص في القول والعمل، وهذا غير صحيح، والصحيح هو تصحيح الدافع لا تعطيل الدور؛ فالمخلص قد يكون في الصف الأول وقد يكون في آخر الصفوف لكن ما يميزه أن قلبه لا يتغير بتغير الموقع، وأن قيمه لا تخضع لحسابات الربح والخسارة، وهو حين ينجح لا يغتر وحين يقصر في حقه لا يتحول إلى ناقم لأنه يعمل لغاية أسمى من تقلبات البشر ونفسياتهم. والإخلاص ليس حالة تكتسب مرة واحدة ثم تستقر بل هو جهاد دائم مع النفس، ومراجعة مستمرة للنية وتنقية متكررة للدوافع؛ فالإنسان قد يبدأ مخلصًا ثم تتسلل إلى قلبه شوائب الرياء دون أن ينتبه. ومن هنا جاءت أهمية المحاسبة الذاتية وسؤال النفس.. لماذا قلت، ولماذا فعلت، ولمن كان هذا الجهد؟ الخاتمة: الإخلاص لله في القول والعمل هو ما يمنح الأفعال معناها، ويمنح الكلمات وزنها، ويمنح الإنسان طمأنينته الداخلية، وبدونه تتحول الأعمال إلى هياكل فارعة، وتغدو الكلمات صدى بلا روح، إن القليل يكبر والخفي يثمر والصدق يترك أثره ولو بعد حين.