لم تعد الصحراء السعودية مجرد نطاق جغرافي ينسحب خلف المدن؛ بل تحوّلت في ظل رؤية المملكة 2030 إلى مساحة نابضة بالفرص، وميدان تتقاطع فيه السياحة والهوية والتنمية. هذا الامتداد الهادئ الذي يراه البعض قاحلًا يخفي تحت رماله إمكانات هائلة، قادرة على صياغة نمط اقتصادي جديد يعتمد على التجربة والمعنى، لا على الحجر وحده. في الصحراء، يجد الزائر ما يبحث عنه منذ زمن طويل: الأصالة، الصمت المهيب، وقصص المكان التي تتشكّل بين ضوء النهار وظلال الليل، أما المخيمات وتجارب العيش المتناغم مع الطبيعة فهي ليست منتجًا ترفيهيًا فحسب، بل نافذة على حياة بسيطة تعيد الاتزان للروح، وتجعل الإنسان جزءًا من السياق الطبيعي لا مجرد متلقي لخدمة سياحية. وهنا تتجسد فرصة نوعية لا ترتبط بالسياحة وحدها، بل بالمجتمع، فكل تجربة صحراوية تحمل داخلها مكوّنًا بشريًا لا يمكن تعويضه: أبناء البادية وحراس المعرفة المتوارثة، الحرفيون الذين يصنعون بأيديهم ما لا يمكن للآلات محاكاته، والرواة الذين يحيون مساحات الزمن والذاكرة بحديثهم حول النار. هذه الفئات هي الثروة الحقيقية للصحراء، وهي التي يمكن أن تشكّل قلب التنمية إن أُعطيت موقعها الطبيعي في صناعة التجربة. ولهذا، فإن أي مشروع سياحي أو تنموي في الصحراء يفتقد مشاركة المجتمع المحلي يفقد روحه قبل جدواه، فتنمية الصحراء ليست بناء مرافق فاخرة أو رسم طرق معبدة فقط، بل تمكين العائلة والقرية والمضارب من أن تكون شريكًا لا متفرجًا، ومنتجًا لا تابعًا، إن دمج السكان في إدارة الوجهات، تقديم التجارب الأصيلة، والمشاركة في العائد الاقتصادي ليس خيارًا تجميليًا، بل ضرورة لضمان استدامة الفكرة وصدق التجربة. ولمن يهمه الأمر نقول: حتى تتحول الصحراء إلى وجهة عالمية، يجب أن يكون الإنسان الصحراوي جزءًا من الحلم، وشريكًا في القرار، ومساهمًا في العائد، فالبدايات الكبرى لا تنبت من الرمال وحدها، بل من أهلها أيضًا.