في الذكرى الحادية عشر لتولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود مقاليد الحكم في المملكة العربية السعودية لا تبدو المناسبة رقمًا في تسلسل الزمن بقدر ما تبدو شهادة على نمط نادر من القيادة، قيادة لا تعرف نفسها بالضجيج ولا تستمد شرعيتها من الشعارات بل قدرتها الهادئة على صيانة الدولة وهي تعبر أكثر مراحل الإقليم اضطرابًا وتدفعها في الوقت نفسه نحو تحول عميق دون أن تفقد توازنها. لم يكن عهد الملك سلمان منفصلًا عن تاريخ الدولة السعودية، ولا كاستنساخ لمرحلة سابقة بل كامتداد واعي ومدروس لمدرسة حكم تعرف أن الدول العريقة لا تدار بالمجازفة ولا تحدث نفسها بالقفز في المجهول فكان التحديث في عهده مشدودًا إلى جذور أعماق التاريخ والحكم المصان، والحزم محكومًا ببوصلة والقرار السياسي منضبطًا بمنطق الدولة لا بإيقاع اللحظة. أحد عشر عامًا أعيد فيها مفهوم الاستقرار، حيث لم يصبح الاستقرار مجرد غياب الفوضى بل قدرة الدولة على الحركة بثقة وسط عالم متغير، وعلى اتخاذ القرار الصعب في الوقت الصعب وعلى الجمع بين حماية الداخل والتأثير في الخارج، وفي هذا الإطار برزت المملكة في عهد الملك سلمان كدولة تعرف وزنها الحقيقي فلا تفريط فيه ولا تتورى عنه، حيث كان الرهان الأكبر في هذا العهد هو الرهان على المستقبل دون التفريط بالحاضر، فجاءت رؤية السعودية 2030 بوصفها مشروع دولة وإعادة صياغة بالعلاقة بين الموارد والإنسان وبين الطموح والإمكانات، ورؤية بنيت على مواجهة التحديات، وسوقت كمسار قابل للقياس والمساءلة، ومن هنا اكتسب التحول الاقتصادي والاجتماعي معناه الحقيقي كانتقال من إدارة الممكن إلى صناعته. سياسيا اتسم عهد خادم الحرمين الشرفين بوضوح فالمملكة في هذا العهد لم تبحث عن دور مستعار ولا عن قبول مشروط بل أعادت تثبيت نفسها كفاعل إقليمي يحسب له حساب ويسمع له موقف، علاقاتها الدولية اتسعت لكن قرارها ظل وطنيًا خالصًا تحكمه المصالح العليا للدولة لا تقلبات المزاج الدولي. وفي الداخل لم يكن الإصلاح الإداري والتشريعي مسألة تحسين شكلي بل إعادة بناء بطيئة وعميقة لمفهوم الدولة الحديثة، دولة المؤسسات والكفاءة وربط المسؤولية بالمساءلة، دولة تدرك أن التنمية لا تقاس بالمشاريع وحدها بل بقدرتها على الاستمرار وعلى خلق إنسان واثق من غده، منتمي لوطنه شريك في مسيرته. أما البعد الإنساني فظل ثابتًا كجزء من هوية المملكة لا كأداة دبلوماسية، ففي الأزمات حضرت السعودية لتؤدي واجبا تراه جزء من دورها الطبيعي وهو بعد يعكس فلسفة حكم ترى أن القوة الأخلاقية لا تقل شأنًا عن القوة السياسية. استحضار أحد عشر عامًا من حكم الملك سلمان لا ينبغي أن يكون استعراضًا للإنجازات بقدر ما هو قراءة في مدرسة قيادة آمنت بأن الزمن لا يدار بالعجلة وأن الدول الكبرى لا تقاس بسرعة قراراتها بل بقدرتها على اتخاذ القرار الصحيح في اللحظة التي تسبق الفوضى وتمنح التاريخ مسارًا أكثر اتزانًا. وفي هذه الذكرى تبدو المملكة وقد قطعت شوطًا حاسمًا في العبور من دولة نفوذ تقليدي إلى دولة تأثير مركب ومن استقرار معطى إلى استقرار منتج وهو إرث لا يختزل في السنوات بل يقاس بما سيبقى منها في ذاكرة الدولة ومسارها الطويل. حفظ الله خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وأدام على المملكة أمنها وأمانها واستقرارها.